الجمعة، 28 فبراير 2020

قولُ الله تعالى (ما منعكَ أن تسجدَ لِما خلقتُ بِيَدَيَّ)



قولُ الله تعالى في توبيخ إبليس الذي استكبر عن السجود لنبيّ الله آدم ‏سجود تحية بعدما أمره الله بذلك فكفر والعياذ بالله لاستكباره وتعنّته (ما منعكَ أن تسجدَ لِما خلقتُ بِيَدَيَّ) (الآية 75 من سورة صاد)، قال ‏فيه العلامة أبو حيان الأندلسي في البحر المحيط إن ذلك عبارة عن ‏القدرة والقوة، ومعلوم لمن مارس شيئاً من علم النحو واللغة والتفسير ‏أن أبا حيان من كبار اللغويين والنحاة فلا يُعترض على مثله في ذلك، ‏ومن أين لمعترض على تأويل أبي حيان أن يجاريه علماً وفقهاً.‏


وقال الماوردي في تفسيره (بيديّ) فيه أوجه منها بقدرتي ومنه قول ‏الشاعر‎:‌‏


تحملت من عفراء ما ليس لي به *** ولا للجبال الراسيات يدان ‌‏

(هي بمعنى القدرة وإن جاءت من حيث اللفظ بالتثنية [يدان])‌‎.‌‏


ويجوز ‏أن يقال المراد باليَدين هنا العناية والحفظ، ويدلّ قوله تعالى (بيديَّ) ‏على أن آدم خُلِق مُشرّفا مُكرّماً بخلاف إبليس خلقه الله للإهانة، ‏وكلاهما بل وسائر المخلوقات خلقها الله بقدرته كما يقول السادة ‏الأشاعرة‎.


ولا يجوز أن تحمل كلمة (بيدَيَّ) على معنى الجارحة أي العضو لأنه لو ‏كانت لله جارحة لكان شبيهاً لنا، ولجاز عليه التعب كما يجوز علينا، ‏ولو كان مِثلنا لَما استطاع أن يخلقنا، فلذلك قال العلماء (بيديّ) معناه ‏أن نبيّ الله آدم خُلق بقدرة الله على وجه الإكرام والتعظيم، أما إبليس ‏فما خلقه الله تعالى بعنايته لأن الله عالم في الأزل بأن إبليس خبيث، ‏فهذا هو الفرق هنا بين سيدنا آدم نبي الله وإبليس عدو الله‎.


وقال بعض العلماء بالتأويل الإجمالي فقالوا يصح أن يقال لله يد بلا ‏كيف بمعنى الصفة لا على معنى الجارحة، قالوا يد لا كأيدينا على ‏معنى الصفة لا على معنى الجسمية، لأن الله مستحيل عليه الحجم ‏والجسمية والكيفية والهيئة والصورة والجهة والمكان سبحانه ليس ‏كمثله شىء.‏


وأما الوقوف بين يدي الله للحساب يوم القيامة فمعناه حساب العباد عند ‏عرض أعمالهم عليهم، وليس المعنى أن الله تعالى يكون في موقف ‏القيامة ويكون الناس حوله لأن الله تعالى ليس جسماً يَتحيّز في مكان‎،‏ ‏الله منزه عن صفات المخلوقين، مهما تصورتَ ببالك فالله بخلاف ‏ذلك.‏


أرجو نشر هذا الخير والدعاء، وفق الله كاتبه وناشره وعافاه وأحسن ‏ختامنا ولمن علمنا الخير وقال آمين، آمين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق