بحث هذه المدونة الإلكترونية

الاثنين، 9 مارس 2026

بيان معنى حديث يَنْزِلُ ربُّنا ، تباركَ وتعالى ، كُلَّ ليلةٍ إلى السَّماء

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدلله الذي نصر عبده بالحجج البينات وأيده بالمعجزات الظاهرات وأظهره على خصومه وقواه بالادلة الدامغات ,الحمدلله الموجود أزلا وأبدا بلا مكان ,مهما تصورت ببالك فالله بخلاف ذلك ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر، والصلاة والسلام على سيد الكائنات وعلى اله وصحبه الطيبين الكرام أصحاب البراهين والارشاد 

قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم :" يَنْزِلُ ربُّنا ، تباركَ وتعالى ، كُلَّ ليلةٍ إلى السَّماء الدُّنيا حينَ يبقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرِ فيقولُ مَنْ يدعوني فأستجيبَ له مَنْ يسألُني فأعطيَه مَنْ يستغفرُني فأغفرَ له " .. رواه البخاريُّ في[(صحيحه)/كتاب الجُمُعَة].. 

ورَوَاهُ الإمامُ مسلم في[(صحيحه)/كتاب صلاة المسافرينَ وقَصْرِها]بلفظ :" إذا مضَى شَطْرُ اللَّيْلِ أو ثلثاهُ يَنْزِلُ الله ، تباركَ وتعالى ، إلى السَّماء الدُّنيا فيقولُ هل من سائلٍ يُعْطَى هل من داعٍ يُستجابُ له هل من مستغفرٍ يُغْفَرُ له حتَّى ينفجرَ الصُّبْحُ " .. 

ورَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ في[(سننه)/كتاب الدَّعَواتِ عن رسولِ الله]وصحَّحه بلفظ :" يَنْزِلُ ربُّنا كُلَّ ليلةٍ إلى السَّماء الدُّنيا حينَ يبقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرِ فيقولُ مَنْ يدعوني فأستجيبَ له ومَنْ يسألُني فأعطيَه ومَنْ يستغفرُني فأغفرَ له " .. 

أهلُ الحَقِّ يقولون :" المضافُ محذوف ، والتقديرُ : يَنْزِلُ مَلَكُ ربِّنا بأمرٍ من الله ، ولا يَتَّصِفُ الله بالحركةِ والسُّكُون " .. 

وممَّا استدلُّوا بهِ على تأويلِهم ما رواه النَّسَائِيُّ في (عَمَلِ اليومِ واللَّيلة) بإسنادٍ صحيحٍ عن رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم ، فقد رَوَى عنه أنه قال :" إنَّ الله يُمْهِلُ حَتَّى إذا مَضَى شَطْرُ اللَّيلِ الأَوَّلِ يأمرُ مناديًا فينادي .. " إلى ءاخرِ الحديث .. 

إنَّ روايةَ النَّسَائِيِّ فَسَّرَتْ معنى النزول .. فيكونُ معنى النُّزول أنَّ الْمَلَكَ يَنْزِلُ بأمرِ الله .

قالَ الإمامُ مالك :" معناه تَنْزِلُ رحمتُه وأمرُه وملائكتُه كما يقالُ فَعَلَ السُّلْطَانُ كَذَا إذا فَعَلَهُ أتباعُه " .. أنظر[(شرحَ صحيحِ مسلم)/ج6/ص279]للنَّوَوِيِّ ..


قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في شرحه لهذا الحديث:

قَوْلُهُ ﷺ (يَنْزِلُ رَبُّنَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا) اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ أَثْبَتَ الْجِهَةَ وَقَالَ: هِيَ جِهَة الْعُلُوّ، وَأنكر ذَلِك الْجُمْهُور لِأَنَّ الْقَوْلَ بِذَلِكَ يُفْضِي إِلَى التَّحَيُّزِ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ.

وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي مَعْنَى النُّزُولِ عَلَى أَقْوَالٍ، فَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَحَقِيقَتِهِ وَهُمُ الْمُشَبِّهَةُ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ قَوْلِهِمْ.

فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٣/ ٣٠.

قال الإمام أبو جعفر ابن جرير الطبري (ت310هـ) :

اجتمعَ المُوَحِّدُون من أهل القبلة وغيرهم على فساد وَصْفِ الله تعالى بالحَرَكَةِ والسكون والألوان والطعوم والأراييح.

التبصير في معالم أصول الدين، ص ٢٠١.

قال الإمام الخطابي في كتابه “معالم السنن”:

وَقَدْ زَلَّ بَعْضُ شُيُوخِ أَهْلِ الْحَدِيثِ مِمَّنْ يُرْجَعُ إِلَى مَعْرِفَتِهِ بِالْحَدِيثِ وَالرِّجَالِ، فَحَادَ عَنْ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ حِينَ رَوَى حَدِيثَ النُّزُولِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى نَفْسِهِ، فَقَالَ: إِنْ قَالَ قَائِلٌ: كَيْفَ يَنْزِلُ رَبُّنَا إِلَى السَّمَاءِ؟ قِيلَ لَهُ: يَنْزِلُ كَيْفَ يَشَاءُ. فَإِنْ قَالَ: هَلْ يَتَحَرَّكُ إِذَا نَزَلَ؟ فَقَالَ: إِنْ شَاءَ يَتَحَرَّكُ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَتَحَرَّكْ. وَهَذَا خَطَأٌ فَاحِشٌ عَظِيمٌ، وَاللَّهُ تَعَالَى لَا يُوصَفُ بِالْحَرَكَةِ، لِأَنَّ الْحَرَكَةَ وَالسُّكُونَ يَتَعَاقَبَانِ فِي مَحِلٍّ وَاحِدٍ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ أَنْ يُوصَفَ بِالْحَرَكَةِ مَنْ يَجُوزُ أَنْ يُوصَفَ بِالسُّكُونِ، وَكِلَاهُمَا مِنْ أَعْرَاضِ الْحَدَثِ، وَأَوْصَافِ الْمَخْلُوقِينَ، وَاللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مُتَعَالٍ عَنْهُمَا، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ. فَلَوْ جَرَى هَذَا الشَّيْخُ عَلَى طَرِيقَةِ السَّلَفِ الصَّالِحِ وَلَمْ يُدْخِلْ نَفْسَهُ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ لَمْ يَكُنْ يَخْرُجُ بِهِ الْقَوْلُ إِلَى مِثْلِ هَذَا الْخَطَأِ الْفَاحِشِ.

معالم السنن للخطابي، ٤/ ٣٣٢.

وقال الإمام البيهقي في كتابه “الأسماء والصفات”:

وَالْمَجِيءُ وَالنُّزُولُ صِفَتَانِ مَنْفِيَّتَانِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى، مِنْ طَرِيقِ الْحَرَكَةِ وَالِانْتِقَالِ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، بَلْ هُمَا صِفَتَانِ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى بِلَا تَشْبِيهٍ، جَلَّ اللَّهُ تَعَالَى عَمَّا يَقُولُ الْمُعَطِّلَةُ لِصِفَاتِهِ وَالْمُشَبِّهَةُ بِهَا عُلُوًّا كَبِيرًا.

الأسماء والصفات للبيهقي، ٢/ ٣٧٨.

معنى المجيء في قوله تعالى وَجَاءَ رَبُّكَ

"وجاء ربك والملك صفًا صفًا"...وجاء ربُّك اي جاء امرُ ربِّك.

قولُ الله تعالى: (وجاء ربُّك ) هذا يقال له عند علماء البيانِ مجازُ الحذفِ ، يُقدَّرُ مضافٌ، ( وجاء ربُّك ) اي جاء امرُ ربِّك.

كما في الحديث القدسي الذي رواه مسلم: ( مرِضتُ فلم تعُدني وجُعتُ ولم تُطعِمْني ) معناه مرِضَ عبدي، وجاع عبدي، على تقدير مضاف

يوم القيامة ينزلُ ملائكةٌ كثير يُحيطون بالإنس والجنّ هم يكونون ضمن سبعة صفوف، الملائكةُ يكونون في سبعة صفوف في وقت من الأوقات الكافرُ يُنكرُ أنَّهُ كان يعبُدُ غيرَ الله. فإن قيل: فقد قال تعالى {كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ} [المطففين: 15] وقال {وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ} [القصص: 78] وقال: {وَلاَ يُكَلّمُهُمُ ٱللَّهُ} [البقرة: 174] وهذا يتناول بعمومه جميع الكفار. قلنا: القيامة مواطن، فموطن يكون فيه سؤال وكلام، وموطن لا يكون ذلك فلا تتناقض الآي والأخبار، والله المستعان.

قال عكرمة: القيامة مواطن يسأل في بعضها ولا يسأل في بعضها. وقال ابن عباس: لا يسألون سؤال شفاء وراحة، وإنما يسألون سؤال تقريع وتوبيخ لم عملتم كذا وكذا، والقاطع لهذا قوله تعالى {فَوَرَبّكَ لَنَسْـئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [الحجر: 92 - 93].

قال أهل التأويل: عن لا إلٰه إلاّ الله. وقد قيل إن الكفار يحاسبون بالكفر بالله الذي كان طول العمر دثارهم وشعارهم، وكل دلالة من دلائل الإِيمان خالفوها وعاندوها، فإنهم يبكتون عليها ويسألون عنها: عن الرسل وتكذيبهم إياهم لقيام الدلائل على صدقهم.

وقال تعالى {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَـٰيَـٰكُمْ وَمَا هُمْ بِحَـٰمِلِينَ مِنْ خَطَـٰيَـٰهُمْ مّن شَىْء إِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْـئَلُنَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عَمَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} [العنكبوت: 12 ـــ 13] والآي في هذا المعنى كثيرة، ومن تأمل آخر سورة المؤمنين {فَإِذَا نُفِخَ فِى ٱلصُّورِ} [المؤمنون: 101] إلى آخرها تبين له الصواب في ذلك، والحمد لله على ذلك.ففى موقف من مواقف القيامة اللهُ يَختمُ على فم الكافر فتنطقُ أعضاؤه، تشهَدُ عليه أعضاؤه بما كان يَعمَلُ من الكفر، هذا من العجائب التي يُظهرُها اللهُ يومَ القيامة كذلك الأرض التي كان عملَ عليها الانسانُ شرًّا أو خَيرًا، اللهُ يُنطقُها ، هذا الجزءُ من الأرض يشهَدُ عليه بما فَعَلَ من السيئات ويشهَدَ للمؤمن بما فَعلَ من الخيرات. الذهبُ الذي كان الشخصُ لا يُزكّيه يكونُ جَمرًا يُعيدُهُ اللهُ فيُحَمى في نار جَهَنَّم يصير مثل الجمر ثم يكوى به جنب وجبهة وظهر الذي كان لا يُزَكّيه. ويُعيدُ اللهُ البقرَ الذي كان لا يُزَكّيه الشَّخصُ فتنطحه بقرونها وكذلك الإبل تدوس بخفافها الشخص الذي كان لا يُزَكّيها وكذلك في ذلك اليوم تَظهَرُ عجائبُ أخرى. هذه العجائب اللهُ قالَ عنها {وجاء ربك والملَكُ صفًّا صفًّا}. وجاءَ ربُّكَ معناهُ تلك العجائب التي تَظهَرُ يوم القيامة. ثمَّ الملائكةُ يَجُرُّون جُزءًا من جَهَنَّم كبيرًا سبعون ألف ملَك بسبعين ألف سلسلة يَجُرُّونها إلى حيثُ يراها الكفار قبل أن يدخُلُوا جَهَنَّم. ولو كان يوجد موت هناك لمات الكفار من شدّة هول ذلك المنظر لكن هناك في الآخرة لا يوجد موت. في الدنيا مَن اشتَدَّ عليه الألم قد يموت أمَّا في الآخرة لا يموت. أهلُ السُّنَّة يقولون: {وجاء ربُّك والملَك}، وجاء ربُّك أي ظهَرَت عجائبُ قُدرة الله لا يقولون جاء الله من فوق إلى تحت لا، هذا كفر. الوهابيةُ يقولون الله يأتي من فوق إلى الأرض المبدلة ليُحاسب الخَلق جَعلوا اللهَ سبحانه وتعالى كالملِك الذي يُقابلُ الرعية. اللهُ يُحاسب الخَلقَ بكلامه الذي ليس حرفًا ولا صوتًا ليس مقابلة، اللهُ مُستحيل أن يكونَ بينَهُ وبين شىءٍ من خلقه مُقابلة، مُستحيل أن يكونَ بين الله وبين شىء من خلقه مُقابلة، إنّما يُحاسبهم بكلامه يُسمعُهم كلامَه الذي هو ليس حرفًا ولا صوتًا ولا لغةً فيَفهمون منه السُّؤال أعطيتك كذا وكذا أنت فعلت كذا وكذا يفهمون، أنت فعلت كذا وكذا يوم كذا أنا أنعمتُ عليك بكذا لم فعلتَ كذا. الوقوفُ بينَ يدي الله ليس مَعناه أنَّ الخَلقَ يكونون في مُقابلة مع الله يومَ القيامة، اللهُ موجودٌ بلا مكان ولا جهة لا هو قريبٌ بالمسافة ولا هو بعيدٌ بالمسافة. الجسمُ إمَّا أن يَكونَ قريبًا منك بالمسافة أو بعيدًا عنك بالمسافة، القُربُ بالمسافة للحجم ليس لله، الذي يَظُنُّ أنَّ الوقوفَ بين يدي الله يوم القيامة القرب منه بالمسافة هذا ما عَرَفَ الله. الوهابيةُ يُفَسّرُون ءايات القرءان على الظاهر وهذا لا يجوز، الذي يُفَسّر كُلّ ءايات القرءان على الظاهر يَكفر كما قالَ سيّدُنا أحمدُ الرّفاعي رَضيَ اللهُ عنه:صونوا عقائدكم من التّمسّك بظواهر ما تشابه من الكتاب والسّنّة فإن ذلك من أصول الكفر.ا.هـ أى أوقع كثيرا من الناس فى الكفر. كذلك أهلُ السُّنَّة يقولون المؤمنون بعد أن يستَقرّوا في الجنّة يَرَون الله، ليس مَعناه أنَّ الله مُستَقرٌّ في الجَنَّة، وليس مَعناهُ أنَّهم يرونَهُ ذاتًا قريبًا منهم وليس معناه أنَّهم يَرَونَهُ ذاتًا بعيدًا عنهم، يَرَونَهُ بلا كيف ولا جهة لا يَرَونَهُ هكذا إلى فوق ولا يَرَونَهُ هكذا مُتَحَيّزًا إلى يمينهم ولا يَرَونَهُ مُتَحَيّزًا إلى جهة تحت بل بلا كيفٍ ولا جهة يرونَهُ عندما يكونون في الجَنَّة، هُم في الجنَّة أمَّا اللهُ فَهُوَ مَوجُودٌ بلا مكان. الخلقُ تَراهُ وأنت تَنظُرُ إلى فوق أو تحت أو أمام أو إلى خلف ليس هكذا يرى المؤمنون الله. أهلُ السُّنَّة كُلُّ هذا فَهمُوه من حيثُ العقلُ أي أنَّ الخالقَ موجودٌ بلا جهة ولا مكان، القُربُ المسافيُّ والبُعدُ المسافيُّ هذا صفةُ الخَلق، أمَّا من القُرءان فمن قوله تعالى {ليس كمثله شىء}، نحنُ أَخَذنا من الدَّليل العَقلي ومن هذه الآية أنَّ اللهَ مَوجودٌ بلا مكان ولا جهة.

ثُمَّ أهلُ الجَنَّة لمّا يَرَونَ اللهَ بعد استقرارهم في الجَنَّة لا يَشُكُّون أنَّهُ الله لأنَّهم رَأَوا شيئًا لا مثلَ له لذلك لا يَشُكُّون أنَّهُ الله. ا.هـ


البيهقي روى في كتاب " مناقب أحمد " عن الحاكمِ عن أبي عمروٍ بن السمَّاكِ عن حنبلٍ عن أحمدَ بنِ حنبلٍ تأوَّلَ قولَ اللهِ ﴿ و جاءَ ربُّكَ ﴾  ( سورة الفجر / 22 ) أنه جاء ثوابُه ثم قال البيهقيُّ : " و هذا اسنادٌ لا غبارَ عليه " نقلَ ذلكَ ابنُ كثيرٍ في تاريخه ( ج 10 / 648 ) ( ق / 238 ) و كذلك في كتابِ  " البداية و النهاية " ( 10 / 327 ) و رُوُيَ عن الإمام أحمد أنه قال " جاء  أَمرُه " و هذا التأويلُ من الإمامِ أحمدَ ثابتٌ صحَّحه البيهقيُ في كتابه مناقبِ الإمامِ أحمد ( عمدة الكلام 50 ) 
الإمامُ أحمدُ أوَّلَ قوْلَ الله﴿ وجاء ربُّك ﴾.، قال: "وجاءت قدرتُه" رواه البيهقيُ يعني أثراً من آثارِ قدرتهِ كإنطاقِ الأعضاءِ وغيرهِ.

وقال ابن عبد البر:

وَقَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا. وَلَيْسَ مَجِيئُهُ حَرَكَةً وَلَا زَوَالًا وَلَا انْتِقَالًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ إِذَا كَانَ الْجَائِي جِسْمًا أَوْ جَوْهَرًا. فَلَمَّا ثَبَتَ أَنَّهُ لَيْسَ بِجِسْمٍ وَلَا جَوْهَرٍ لَمْ يَجِبْ أَنْ يَكُونَ مَجِيئُهُ حَرَكَةً وَلَا نَقْلَةً. وَلَوِ اعْتَبَرْتَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: جَاءَتْ فُلَانًا قِيَامَتُهُ، وَجَاءَهُ الْمَوْتُ، وَجَاءَهُ الْمَرَضُ، وَشِبْهُ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَوْجُودٌ نَازِلٌ بِهِ وَلَا مَجِيءَ، لَبَانَ لَكَ، وَبِاللَّهِ الْعِصْمَةُ وَالتَّوْفِيقُ.

📚التمهيد لابن عبد البر، ٧/ ١٣٧.

حديث "كان في عماء ما فوقه هواء وما تحته هواء، ثم خلق عرشه على الماء

 قال الحافظ ابن الجوزي في دفع شبه التشبيه [هذا حديث تفرد به يعلى بن عطاء عن وكيع بن عدس، وليس لوكيع راو غير يعلى والعماء السحاب.

إعلم أن الفوق والتحت يرجعان إلى السحاب لا إلى الله تعالى، 

وفي معنى فوق، فالمعنى: كان فوق السحاب بالتدبير والقهر،

ولما كان القوم يأنسون بالمخلومات، سألوا عنها، والسحاب من جملة خلقه، ولو سئل عما قبل السحاب،لأخبر أن الله تعالى كان ولا شئ معه،

كذلك روي عن عمران بن حصين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال

"كان الله ولا شئ معه"

هذا حديث لا يحتج به في أمور العقائد لأسباب منها أن حماد بن سلمة لا تقبل أخباره في الصفات البتة،

وكذلك يضعف هذا الحديث بوكيع بن عدس لأنه مجهول لم يرو عنه إلا يعلى بن عطاء،

قال الحافظ في "تهذيب التهذيب" (11 / 115)[قال: ابن قتيبة في اختلاف الحديث: غير معروف، وقال ابن القطان: مجهول الحال]اه‍

قال الترمذي رحمه الله تعالى في سننه (5 / 228) بعدما رواه [قال يزيد بن هارون: العماء أي ليس معه شئ]وأقره وبذلك يكون مؤولا عند يزيد بن هارون والترمذي.

وقال الحافظ ابن حبان في صحيحه (8 / 4) عقب روايته له [وهم في هذه اللفظة حماد بن سلمة . . . يريد به أن الخلق لا يعرفون خالقهم من حيث هم إذ كان ولا زمان ولا مكان ، 

ومن لم يعرف له زمان ولا مكان ولا شئ معه لانه خالقها كان معرفة الخلق إياه كأنه كان في عماء عن علم الخلق لا أن الله كان في عماء،إذ هذا الوصف شبيه بأوصاف المخلوقين]. اهـ


قَالَ الْقَاضِي: الْمُرَادُ بِالْعَمَاءِ مَا لَا تَقْبَلُهُ الْأَوْهَامُ وَلَا تُدْرِكُهُ الْعُقُولُ وَالْأَفْهَامُ، عَبَّرَ عَنْ عَدَمِ الْمَكَانِ بِمَا لَا يُدْرَكُ وَلَا يُتَوَهَّمُ، وَعَنْ عَدَمِ مَا يَحْوِيهِ وَيُحِيطُ بِهِ الْهَوَاءُ، فَإِنَّهُ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الْخَلَاءُ الَّذِي هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ عَدَمِ الْجِسْمِ، لِيَكُونَ أَقْرَبَ إِلَى فَهْمِ السَّامِعِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ السُّؤَالَ كَانَ عَمَّا خُلِقَ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ خَلْقَهُ فَلَوْ كَانَ الْعَمَاءُ أَمْرًا مَوْجُودًا لَكَانَ مَخْلُوقًا، إِذْ مَا مِنْ شَيْءٍ سِوَاهُ إِلَّا وَهُوَ مَخْلُوقٌ خَلَقَهُ وَأَبْدَعَهُ، فَلَمْ يَكُنِ الْجَوَابُ طِبْقَ السُّؤَالِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالْحَالِ.

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
– ج: ٩ – ص: ٣٦٦١ –

قال ابن فورك:

فَفِي هَذَا الْخَبَر إِنَّمَا سَأَلَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَيْن الله

وَهَذَا أقرب من أَن يكون سؤالا عَن الْمَكَان على أَن قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي عماء يحْتَمل أَن يكون فِي بِمَعْنى فَوق كَمَا قَالَ الله عز وَجل {فسيحوا فِي الأَرْض} أَي على الأَرْض وكما قيل فِي تَأْوِيل قَوْله {أأمنتم من فِي السَّمَاء} أَنه أَرَادَ من فَوْقهَا

وَقد رُوِيَ هَذَا الْخَبَر على وَجْهَيْن أَحدهمَا بِالْمدِّ وَهُوَ أَن يُقَال فِي عماء مَمْدُود والعماء فِي اللُّغَة هُوَ السَّحَاب الرَّقِيق وَرُوِيَ مَقْصُورا وَهُوَ أَن يُقَال فِي عَمَّا

فَإِذا رُوِيَ مَقْصُورا احْتمل أَن يكون الْمَعْنى أَنه كَانَ وَحده وَلم يكن سواهُ فَشبه الْعَدَم بالعمى توسعا لإستحالة أَن يرى مَا هُوَ عدم كَمَا يَسْتَحِيل أَن يرى بالعمى فَكَأَنَّهُ قَالَ أَنه لم يكن شَيْء سواهُ وَلَا فَوق وَلَا تَحت وَلَا هَوَاء

فَإِذا قيل إِنَّه كَانَ فِي عماء بِالْمدِّ كَانَ سَبِيل تَأْوِيله على نَحْو مَا تأولنا عَلَيْهِ قَوْله جلّ وَعلا {أأمنتم من فِي السَّمَاء} وَذَلِكَ بِمَعْنى الْقَهْر وَالتَّدْبِير والمفارقة لَهُ بالنعت وَالصّفة دون التحيز فِي الْمَكَان وَالْمحل والجهة
وَإِذا احْتمل مَا قُلْنَا وَلم يكن اللَّفْظ مِمَّا يخص معنى وَاحِدًا كَانَ جملَة على مَا قُلْنَاهُ أولى لِأَنَّهُ لَا يُؤَدِّي إِلَى التَّشْبِيه والتعطيل وتحديد مَا لَا يجوز أَن يكون محدودا فاعلمه إِن شَاءَ الله تَعَالَى

مشكل الحديث وبيانه
– ج: ١ – ص: ١٦٩ –

قال الفخر الرازي:

قيل: العماء بالمد : الغيم الرقيق وأما العمى بالقصر فهو عبارة عن الحالة المضادة للبصر. وقال بعض العلماء يجب أن تكون الرواية الصحيحة هى الرواية بالقصر، وخينئذ تدل على نفي الجهة لأن الجهة إذا لم تكن موجودة لم تكن مرئية فأمكن جعل العمى عبارة عن عدم الجهة ، ويتأكد هذا بقوله عليه السلام : ليس تحته ماء ولا فوقه هواء. واعلم : أن هذه الوجوه التي ذكرناها بعضها ( قوي ، وبعضها ضعيف) وكيفما كان الأمر فقد ثبت أن فى القرآن والأخبار : دلائل كثيرة تدل على تنزيه الله تعالى عن الحيز والجهة وبالله التوفيق ” أهـ

[ أساس التقديس ص30-47 ] ،

الأربعاء، 4 مارس 2026

دفع زعم الوهابية أن تصحيح الطبراني لحديث عثمان بن حُنيف وقوله (الحديث صحيح) يعني به الجزء المرفوع دون الموقوف

 إن قيل إن الطبراني لم يصحح بقوله: والحديث صحيح إلا الأصل المرفوع وأما الموقوف على عثمان بن حنيف فلا يُسمى حديثا لأنه حصل بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وإنما يُسمى موقوفا.


الـجـواب ما قاله شيخنا محدث الديار المغربية عبد الله الغماري في كتابه إرغام المبتدع الغبي بجواز التوسل بالنبي الذي ألفه بالرد على الألباني لتضعيفه الأثر الموقوف على عثمان بن حنيف ما نصه:


فإن الألباني صاحب غرض وهوى، إذا رأى حديثا أو أثرا لا يوافق هواه فإنه يسعى في تضعيفه بأسلوب فيه تدليس وغش ليوهم قُراءه أنه مصيب مع أنه مخطئ بل خاطئ غاش، وبأسلوبه هذا ضلل كثيرا من أصحابه الذين يـثـقـون به ويظنون أنه على صواب والواقع خلاف ذلك.


ومن المخدوعين به مَن يُـدعى حمدي السلفي الذي يحقق المعجم الكبير فقد أقدم بجرأة على تضعيف أثر صحيح لم يوافق هواه كما لـم يوافق هوى شيخه وكان كلامه في تضعيفه هو كلام شيخه نفسه فأردتُ أن أرد الحق إلى نصابه ببيان بطلان كلام الخادع والمخدوع به، وعلى الله اعتمادي وإليه تفويضي واستنادي.


روى الطبراني في المعجم الكبير (9/17) من طريق ابن وهب عن شبيب عن روح بن القاسم عن أبي جعفر الخطمي المدني عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن عمه عثمان بن حنيف رضي الله عنه أن رجلا كان يختلف إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه في حاجة له فكان عثمان لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته فلقي عثمان بن حنيف فشكا إليه ذلك فقال له عثمان بن حنيف:


ائت الميضأة فتوضأ ثم ائت المسجد فصل فيه ركعتين ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة يـا محمد إني أتوجه بك إلى ربي فتقضى لي حاجتي، وتذكر حاجتك، ورح حتى أروح معك، فانطلق الرجل فصنع ما قال له ثم أتى باب عثمان بن عفان فجاء البواب حتى أخذ بيده فأدخله على عثمان بن عفان فأجلسه معه على الطنفسة وقال له ما حاجتك فذكر له حاجته فقضاها له ثم قال ما ذكرت حاجتك حتى كانت هذه الساعة، وقال ما كانت لك من حاجة فأتنا.


ثم إن الرجل خرج من عنده فلقي عثمان بن حنيف فقال له: جزاك الله خيرا، ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إليّ حتى كلّمتَه فيَّ، فقال عثمان بن حنيف: والله ما كلمته ولكن شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتاه رجل ضرير فشكا إليه ذهاب بصره فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أوَتصبر؟ فقال يا رسول الله إنه ليس لي قائد وقد شق علي، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ائت الميضأة فتوضأ ثم صل ركعتين ثم ادع بهذه الدعوات. قال عثمان بن حنيف: فوالله ما تفرقنا وطال بنا الحديث حتى دخل علينا الرجل كأنه لم يكن به ضر قط. صححه الطبراني، وتعقبه حمدي السلفي بقوله لا شك في صحة الحديث المرفوع وإنما الشك في هذه القصة التي يستدل بها على التوسل المبتَدع وهي انفرد بها شبيب كما قال الطبراني، وشبيب لا بأس بحديثه بشرطين أن يكون من رواية ابنه أحمد عنه وأن يكون من رواية شبيب عن يونس بن يزيد. والحديث رواه عن شبيب ابن وهب وولداه إسماعيل وأحمد وقد تكلم الثقات في رواية ابن وهب عن شبيب وابنه إسماعيل لا يعرف وأحمد وإن روى القصة عن أبيه إلا أنها ليست من طريق يونس بن يزيد ثم اختلف فيها على أحمد فرواه ابن السني في عمل اليوم والليلة والحاكم من ثلاثة طرق (عن أحمد بن شبيب) بدون ذكر القصة ورواه الحاكم من طريق عون بن عمارة البصري عن روح بن القاسم به، قال شيخنا محمد ناصر الدين الألباني (أي في كتابه المجموع التوسل) وعون هذا وإن كان ضعيفا فروايته أولى من رواية شبيب لموافقتها لرواية شعبة وحماد بن سلمة عن أبي جعفر الخطمي. انتهى



قلت ثم قال الالباني وخلاصة القول ان هذه القصة ضعيفة منكرة ثم قرر أن الطبراني انما صحح الحديث فقط دون القصة بدليل قوله وقد سبق قد روى الحديث شعبة والحديث صحيح فهذا نص على انه أراد حديث شعبة وشعبة لم يرو هذه القصة فلم يصححها اذن الطبراني فلا حجة لهم في كلامه انتهى وفي هذا الكلام تدليس وتحريف نبينه فيما يلي:


أولا: هذه القصة رواها البيهقي في دلائل النبوة من طريق يعقوب بن سفيان حدثنا أحمد بن شبيب بن سعيد عن روح بن القاسم عن أبي جعفر الخطمي عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن عمه عثمان بن حنيف أن رجلا كان يختلف إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه، فذكر القصة بتمامها. (قلت وذكرها بتمامها اي رواية البيهقي ابن تيمية في كتابه قاعدة جليلة ص 81 مطبعة المسمى المكتب الاسلامي، قال البيهقي ورواه أحمد بن شبيب بن سعيد عن أبيه بطوله وساقه من طريق يعقوب بن سفيان عن أحمد بن أبي أمامة بن سهل عن عمه وهو عثمان بن حنيف ولم يذكر إسناد هذه الطرق) ويعقوب بن سفيان هو الفسوي الحافظ الإمام الثقة بل هو فوق الثقة وهذا إسناد صحيح. فالقصة صحيحة جدا وقد وافق على تصحيحها أيضا الحافظ المنذري في الترغيب (2/606) والحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد (2/279).


ثانيا: أحمد بن شبيب من رجال البخاري روى عنه في الصحيح وفي الأدب المفرد وثقه أبو حاتم الرازي وكتب عنه هو وأبو زرعة، وقال ابن عدي وثقه أهل البصرة وكتب عنه علي بن المديني. (قال أبو حاتم ثقة صدوق وقال ابن حجر في تهذيب التهذيب وقال ابن عدي قبله أهل العراق ووثقوه وكتب عنه علي بن المديني وذكره ابن حبان في الثقات وقال ابو الفتح الازدي منكر الحديث غير مرضي قلت: لم يلتفت أحد إلى هذا القول بل الازدي غير مرضي ثم رأيت في التمهيد في ترجمة سعد بن اسحاق قال أبو عمر: أحمد بن شبيب عن أبيه متروك فكأنه تبع الازدي فانه إنما أنكر عليه حديث سعد بن إسحاق الذي أشار أليه أبو عمر والله أعلم) وأبوه شبيب بن سعيد التميمي الحَبَطي البصري أبو سعيد من رجال البخاري أيضا روى عنه في الصحيح وفي الأدب المفرد. ووثقه أبو زرعة وأبو حاتم والنسائي والذهلي والدارقطني والطبراني في الأوسط.


قال أبو حاتم: كان عنده كتب يونس بن يزيد وهو صالح الحديث لا بأس به.


وقال ابن عدي: ولشبيب نسخة الزهري عنده عن يونس عن الزهري أحاديث مستقيمة.


وقال ابن المديني: ثقة كان يختلف في تجارة إلى مصر وكتابه كتاب الصحيح. (وقد كتبتها عن ابنه أحمد كما قال المزي في تهذيب الكمال قال أبو زرعة لا بأس به وقال النسائي لا بأس به) هذا ما يتعلق بتوثيق شبيب وليس فيه اشتراط صحة روايته بأن تكون عن يونس بن يزيد.


بل صرح ابن المديني بأن كتابه صحيح وابن عدي إنما تكلم عن نسخة الزهري عن شبيب فقط ولم يقصد جميع رواياته، (قال المزي وقال أبو أحمد بن عدي: ولشبيب نسخة الزهري عنده عن يونس عن الزهري أحاديث مستقيمة وحدث عنه ابن وهب بأحاديث مناكير وذكره ابن حبان في الثقات روى له البخاري وابو داود في الناسخ والمنسوخ والنسائي وقال الحافظ في تهذيب التهذيب وقال الدارقطني ثقة ونقل ابن خلفون توثيقه عن الذهلي وقال ابن عدي ولعل شبيبا لما قدم مصر في تجارته كتب عنه ابن وهب من حفظه فغلط ووهم وأرجو أن لا يتعمد الكذب وإذا حدث عنه ابنه أحمد فكأنه شبيب آخر [يعني يجود] وقال الطبراني في الاوسط ثقة.



أما روح بن القاسم قال المزي قال عبد الله بن أحمد عن أبيه وإسحاق بن منصور عن يحيى بن معين وأبو زرعة وأبو حاتم ثقة وقال أحمد في رواية أخرى: روح بن القاسم وأخوه هشام بن القاسم من ثقات البصريين وقال النسائي ليس به بأس وعن سفيان بن عيينة: لم أر أحدا طلب الحديث وهو مسن أحفظ من روح بن القاسم روى له الجماعة سوى الترمذي.


وقال ابن حجر في التهذيب في الثقات كان حافظا متقنا وأما عبد الله بن وهب قال المزي: قال أبو الحسن الميموني سمعت أبا عبد الله وذكر ابن وهب فقال رجل له عقل ودين وصلاح في بدنه وقال أبو طالب عن أحمد بن حنبل عبد الله بن وهب صحيح الحديث يفصل السماع من العرض والحديث من الحديث ما أصح حديثه وأثبته قيل له: أليس كان يسيء الاخذ؟ قال: يسيء قد يسيء الاخذ ولكن إذا نظرت في حديثه وما روى عن مشايخه وجدته صحيحا وقال أبو بكر بن أبي خيثمة عن يحيى بن معين وقال عبد الرحمن بن ابي حاتم قلت لابي عبد الله بن وهب أحب اليك او عبد الله بن نافع قال ابن وهب وقال صالح الحديث صدوق أحب الي من الوليد بن مسلم وأصح حديثا منه بكثير وقال أيضا سمعت أبا زرعة يقول نظرت في نحو ثلاثين ألف حديث من حديث ابن وهب بمصر وغير مصر لا أعلم أني رأيت له حديثا لا أصل له وهو ثقة وقال أبو أحمد بن عدي وعبد الله بن وهب من أجلة الناس ومن ثقاتهم وحديث الحجاز ومصر وما والى تلك البلاد يدور على رواية ابن وهب ولا أعلم له حديثا منكرا إذا حدث عنه ثقة من الثقات روى له الجماعة.


قلت انا مصنف هذه الرسالة وشبيب ثقة وما قاله ابن حجر في ترجمة شبيب بن سعيد التميمي والد أحمد بن شبيب قال لا بأس بحديثه من رواية ابنه أحمد عنه لا من رواية ابن وهب وكان ابن عيينة يعظمه وقال العجلي ثقة مصري صاحب سنة رجل صالح صاحب اثار وقال النسائي لا باس به وقال في موضع آخر ثقة ما اعلمه روى عن الثقات حديثا منكرا وقال الساجي صدوق ثقة وقال الخليلي ثقة متفق عليه وموطأه يزيد على كل من روى عن مالك.


فما ادعاه الألباني تدليس وخيانة يؤكد ذلك أن حديث الضرير صححه الحفاظ ولم يروه شبيب عن يونس عن الزهري!! وإنما رواه عن روح بن القاسم ودعواه ضعف القصة بالاختلاف فيها حيث لم يذكرها بعض الرواة عند ابن السني والحاكم لون ءاخر من التدليس لأن من المعلوم عند أهل العلم أن بعض الرواة يروي الحديث وما يتصل به كاملا وبعضهم يختصر منه بحسب الحاجة والبخاري يفعل هذا أيضا فكثيرا ما يذكر الحديث مختصرا ويوجد عند غيره تاما. والذي ذكر القصة في رواية البيهقي إمام فذ يقول عنه أبو زرعة الدمشقي: قدمَ علينا رجلان من نبلاء الناس أحدهما وارحلهما يعقوب بن سفيان يعجز أهل العراق أن يَرَو مثلَه رجلا. (قال النسائي لا باس به وذكره ابن حبان في الثقات وقال الحاكم أبو عبد الله يعقوب بن سفيان إمام اهل الحديث بفارس وقال عبد الرحمن بن ابي حاتم فانك لا تجد مثله وذكره ابن حبان في الثقات وقال مسلمة بن القاسم لا بأس به، قلت ولم يجرحه أحد).


وتقديمه رواية عون الضعيف على من زاد القصة لون ثالث من التدليس والغش، فإن الحاكم روى حديث الضرير من طريق عون مختصرا ثم قال: تابعه شبـيب بن سعيد الحَبَطي (كلاهما) عن روح بن القاسم (عن أبي جعفر المدني وهو الخطمي عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن عمه عثمان ابن حنيف) زيادات في المتن والإسناد والقول فيه قول شبيب فإنه ثقة مأمون، هذا كلام الحاكم وهو يؤكد ما تقرر عند علماء الحديث والأصول أن زيادة الثقة مقبوله وأن من حفظ حجة على من لم يحفظ والألباني رأى كلام الحاكم لكن لم يعجبه، لذلك ضرب عنه صفحا وتمسك بأولوية رواية عون الضعيف عنادا وخيانة.



ثالثا: تبين مما أوردناه وحققناه في كشف تدليس الألباني وغشه أن القصة صحيحة جدا رغم محاولاته وتدليساته وهي تفيد جواز التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد انتقاله، لأن الصحابي راوي الحديث فهم ذلك وفهم الراوي لـه قيمته العلمية وله وزنه في مجال الاستنباط. وإنما قلنا إن القصة من فهم الراوي على سبيل التنـزل.


والحقيقة أن ما فعله عثمان بن حنيف من إرشاده الرجل إلى التوسل كان تنفيذا لما سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم كما ثبت في حديث الضرير.


قال ابن أبي خيثمة في تاريخه: حدثنا مسلم بن إبراهيم ثنا حماد بن سلمة أنا أبو جعفر الخطمي عن عمارة بن خزيمة عن عثمان بن حنيف رضي الله عنه أن رجلا أعمى أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني أصبت في بصري فادع الله لي، قال: اذهب فتوضأ وصل ركعتين ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيي محمد نبي الرحمة يا محمد إني أستشفع بك على ربي في رد بصري اللهم فشفعني في نفسي وشفّع نبيي في رد بصري، وإن كانت حاجة فافعل مثل ذلك. إسناده صحيح. (وابو جعفر هو الخطمي كما صرح بذلك الطبراني وابن ابي خيثمة والحاكم والبيهقي وكذلك ابن تيمية الحراني فقد قال: قال سائر العلماء قالوا هو أبو جعفر الخطمي ثقة معروف) (وقد ذكر ابن تيميه رواية ابن ابي خيثمة هذه وقال عقبها وبالجملة فهذه الزيادة لو كانت ثابتة لم تكن فيها حجة وانما غايتها أن يكون عثمان بن حنيف ظن أن الدعاء يدعى ببعضه دون بعض فانه لم يأمره بالدعاء المشروع بل ببعضه وظن أن هذا مشروع بعد موته صلى الله عليه وسلم. قلت وهل يعلم الصحابي الجليل الثقة المامون الشرك او نصف الشرك كما يدعي هؤلاء المخرفون سبحان واهب العقول).


وقال ابن تيمية وهذه….أي الزيادة قد يقال انها توافق قول عثمان بن حنيف قلنا وعثمان علم ذاك الرجل بعد موت سيدنا رسول الله فقد دل على مشروعيته كما فهم ذلك ولما عنده من العلم بمشروعيته وقد أعل ابن تيمية رواية ابن ابي خيثمة من طريق حماد ابن سلمة بزيادة فان كانت حاجة فافعل مثل ذلك….وهي زيادة صحيحة اسنادها على شرط الصحيح قال ابن تيمية لم يرو هذه الزيادة شعبة وروح بن القاسم وهما أحفظ من حماد قلنا فكان ماذا؟ أليس حماد ثقة من رجال الصحيح؟ وزيادة الثقة مقبولة قال ابن تيمية اختلاف الالفاظ يدل على أن مثل هذه الرواية قد تكون بالمعنى قلنا تعبيرك بقد دليل على أنك لست متحققا من صحة دعواك ولن تستطيع تحقيقها (ولا من يقلدك) لانك تعلم أن أحدا من العلماء لم يجز أن يزاد في الحديث ما ليس منه سواء من أجاز الرواية بالمعنى ومن منعها (وخاصة حماد من رجال الصحيح) قال قد يكون مدرجا من كلام عثمان لا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم.


قلنا هذه دعوى كسابقتها والادراج لا بد من دليل يدل عليه وأين هو هذا الدليل؟ قال ولو ثبت لم تكن فيها حجة بل غايتها ان يكون عثمان بن حنيف ظن أن الدعاء يدعى ببعضه دون بعض قلنا بل هي حجة قاطعة لك ولاذنابك وما تقولته على عثمان مبني على ظنك أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا لذلك الضرير وظنك باطل ولو حصل كان حصل دعاء من النبي لنقله عثمان الذي شاهد القصة ونقلها ولو اراد عليه الصلاة والسلام ان يدعو للضرير لدعا له كما دعا لغيره من غير أن يحيله على الوضوء والصلاة والدعاء (ومن ذلك ما رواه البيهقي عن يزيد بن نوح بن ذكوان أن عبد الله بن رواحة قال يا رسول الله اني أشتكي ضرسي اذاني واشتد علي فوضع رسول الله يده على الخد الذي فيه الوجع وقال اللهم أذهب عنه سوء ما يجد وفحشه بدعوة نبيك المبارك المكين عندك) سبع مرات فشفاه الله تعالى قبل أن يبرح. ولو سلم أنه دعا فذلك لا يقتضي تخصيص الحديث ولا تقييده كما هو ظاهر قال هذه الزيادة تناقض الحديث قلنا في نظرك ونظر أذنابك أما عند العلماء المنصفين فهي منسجمة مع الحديث تمام الانسجام وعلى دعواك أنها مدرجة فهل كان عثمان من الغفلة والبلاهة بحيث يدرج في الحديث ما يناقضه وهو لا يشعر ؟ قال أعرض أهل السنن عنها قلنا فكان ماذا؟ وهل كل صحيح في السنن (فهذا مستدرك الحاكم فيه الصحيح وخلافه وهذا ابن الجارود له المنتقى واحاديثه لا تنزل عن رتبة الحسن كما قال الحافظ الذهبي وهذ كتاب ابي نعيم ايضا وتاريخ بغداد ايضا يروي ما هو صحيح وخلافه وهذا كتاب العاقبة لبعد الحق الاشبيلي وغيرها من الكتب المصنفة) هذا مع أنك اعترفت فيما سبق بأن الترمذي ومن معه لم يستوعبوا لفظ الحديث كما استوعبه سائر العلماء والان تجعل عدم استيعابهم حجة تعلل بها زيادة صح سندها فما هذا التناقض الغريب؟ انتهى كلام سيدي عبد الله رحمه الله.



والجملة الأخيرة من الحديث تصرح بإذن النبي صلى الله عليه وسلم في التوسل به عند عروض حاجة تقتضيه وقد أعل ابن تيمية هذه الجملة بعلل واهية بينت بطلانها في غير هذا المحل انظر كتابه مصباح الزجاجة.


وابن تيمية جريء في رد الحديث الذي لا يوافق غرضه ولو كان في الصحيح، مثال ذلك :


روى البخاري في صحيحه حديث: كان الله ولم يكن شىء غيره وهو موافق لدلائل النقل والعقل والإجماع المتيقن، لكنه خالف رأيه في اعتقاده قِدَمَ العالَم فعمد إلى رواية للبخاري أيضا في هذا الحديث بلفظ: كان الله ولم يكن شىء قبله فرجحها على الرواية المذكورة بدعوى أنها توافق الحديث الآخر: أنت الأول فليس قبلك شىء.


قال الحافظ ابن حجر: مع أن قضية الجمع بين الروايتين تقتضي حمل هذه الرواية على الأولى لا العكس والجمع مقدم على الترجيح بالاتفاق. انتهى كلام الحافظ في الفتح.


قلت أي عبد الله الغماري :


تعصبه لرأيه أعماه عن فهم الروايتين اللتين لم يكن بينهما تعارض لأن رواية: كان الله ولم يكن شىء قبله تفيد معنى اسمه الأول بدليل: أنت الأول فليس قبلك شىء ورواية: كان الله ولم يكن شىء غيره تفيد معنى اسمه الواحد بدليل رواية كان الله قبل كل شىء.


مثال ثان: حديث أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بسد الأبواب الشارعة في المسجد وترك باب علي عليه السلام، حديث صحيح، أخطأ ابن الجوزي بذكره في الموضوعات ورد عليه الحافظ في القول المسدد. وابن تيمية لانحرافه عن علي عليه السلام كما هو معلوم لم يكفه حكم ابن الجوزي بوضعه فزاد من كيسه حكاية اتفاق المحدثين على وضعه وأمثلة رده للأحاديث التي يردّها لمخالفة رأيه كثيرة يعسر تتبعها.


رابـعا: ونقول على سبيل التنـزل لو فرضنا أن القصة ضعيفة وأن رواية ابن أبي خيثمة معلولة كما في محاولة ابن تيمية، قلنا: في حديث توسل الضرير كفاية وغناء لأن النبي صلى الله عليه وسلم حين علم الضرير ذلك التوسل دل على مشروعيته في جميع حالاته ولا يجوز أن يقال عنه: توسل مبتدع، ولا يجوز تخصيصه بحال حياته صلى الله عليه وسلم ومن خصصه فهو المبتدع حقيقة لأنه عطل حديثا صحيحا وأبطل العمل به وهو حرام. والألباني جريء على دعوى التخصيص والنسخ لمجرد خلاف رأيه وهواه، فحديث الضرير لو كان خاصا به لبينه النبي صلى الله عليه وسلم كما بين لأبي بردة أن الجذعة من المعز تجزئه في الأضحية ولا تجزئ غيره كما في الصحيحين وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.


قد يقال: الداعي إلى تخصيص الحديث بحال حياة النبي صلى الله عليه وسلم ما فيه من ندائه، وهو عذر مقبول.


الـجـواب إن هذا الاعتذار مردود لأنه تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم تعليم التشهد في الصلاة وفيه السلام عليه بالخطاب ونداؤه (السلام عليك أيها النبي) وبهذه الصيغة علمه على المنبر النبوي أبو بكر وعمر وابن الزبير ومعاوية واستقر عليه الإجماع كما يقول ابن حزم وابن تيمية، والالباني لابتداعه هذا خالف هذا كله وتمسك بقول ابن مسعود: فلما مات قلنا السلام على النبي، ومخالفة التواتر والإجماع هي عين الابتداع، مع أنه صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن أعمالنا تعرض عليه وكذلك صلاتنا عليه صلى الله عليه وسلم تعرض عليه وثبت أن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغونه سلام أمته وثبت بالتواتر والإجماع أن النبي صلى الله عليه وسلم حي في قبره وأن جسده الشريف لا يبلى فكيف يمتنع مع هذا نداؤه صلى الله عليه وسلم في التوسل به وهل هو إلا مثل ندائه في التشهد!!! ولكن الألباني عنيد شديد العناد.



خامـسـا: والذي أقرره أن الألباني غير مؤتمن في تصحيحه وتضعيفه بل يستعمل في ذلك أنواعا من التدليس والخيانة في النقل والتحريف في كلام العلماء ومع جرأته على مخالفة الإجماع وعلى دعوى النسخ بدون دليل وهذا يرجع إلى جهله بعلم الأصول وقواعد الاستنباط ويدعي أنه يحارب البدع مثل التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم وتسويده في الصلاة وقراءة القرءان على الميت على زعمه لكنه يرتكب أقبح البدع بتحريم ما أحل الله وشتم مخالفيه بأقذر الشتائم خصوصا الأشعرية والصوفية وحاله في هذا كحال ابن تيمية تطاول على الناس فأكفر طائفة من العلماء وبدع طائفة أخرى ثم اعتنق هو بدعتين لا يوجد أقبح منهما إحداهما قوله: بـقِـدَمِ العالـمِ وهي بدعة كفرية والعياذ بالله تعالى. انتهى كلام المحدث عبد الله الغماري


ثم إن علماء الحديث يطلقون لفظ الحديث على المرفوع والموقوف وقد نص على ذلك جمع من المحدثين والحفاظ كأمير المؤمنين بالحديث ابن حجر العسقلاني في نخبته وابن الصلاح في مقدمته وغيرهم.


وفي كتاب فتاوى الرملي الموجود بهامش الفتاوى الكبرى ما نصه: سئل عن تعريف الأثر فأجاب: إن تعريف الأثر عند المحدثين هو الحديث سواء كان مرفوعا أو موقوفا وإن قصره بعض الفقهاء على الموقوف.


قال العلامة الاصولي عبد الله بن محمد الغماري في مصباح الزجاجة:


قالوا ان النبي صلى الله عليه وسلم دعا لذلك الضرير فهو توسل بدعائه وهو جائز لا نزاع فيه وهذا ايضا باطل لان عثمان بن حنيف لم يذكر دعاء للنبي صلى الله عليه وسلم في هذا الموطن بل صرح بقوله فوالله ما تفرقنا ولا طال بنا الحديث حتى دخل الرجل كانه لم يكن به ضر قط. فهذا صريح في نفي حصول دعاء من النبي صلى الله عليه وسلم ولهذا ترجم البيهقي على الحديث بقوله باب ما جاء في تعليمه الضرير ما كان فيه شفاؤه حين لم يصبر. انتهى وأيضا فقد دعا صلى الله عليه وسلم لاناس كثيرين طلبوا منه الدعاء في عدة مناسابات ولم يرشدهم الى ما أرشد اليه هذا الضرير من الصلاة والدعاء فدل على انه أراد في حديث الضرير تشريعا جديدا يكون عاما لسائر الناس ولا يختص بالمدعو له فقط.


فان قيل فكيف تفعل بقوله صلى الله عليه وسلم للضرير ان شئت صبرت فهو خير لك وان شئت دعوت:


قلت هذا شبهة من قال أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا له لكن لما أرشده صلى الله عليه وسلم الى الصلاة ولقنه الدعاء علمنا أن في الكلام مجازا وأن المعنى وان شئت دعوت اي وان شئت علمتك دعاء تدعو به ولقنتك اياه وهذا التاويل واجب أي متعين ليتفق أول الحديث مع اخره.


الأربعاء، 7 يناير 2026

الرد المفحم على المجسّمة والمشبّهة، من القرءان والسنّة

 الحمدُ للهِ الذي لا يشبِهُ ذاتُهُ الذوات، ولا تشبِهُ صفاتُه الصفات، ولا تكتنفُهُ الأراضي ولا السماواتِ، 

الأول بلا ابتداءٍ، الآخر بلا انتهاءٍ، الذي جلَّ عنِ الصاحبةِ والأبناءِ، كانَ قبلَ الأمكنةِ والأرجاءِ، فكونَ الأكوانَ ودبَّرَ الزمانَ وَحَدَّهُ بلا ريبٍ ولا افتراء، 

فلا يحتاجُ إلى المكانِ، ولا يتقَيَّدُ بالزمانِ، 

ولا يشغله شأنٌ عن شأنٍ في المخلوقاتِ جمعاء، 

والصلاةُ والسلامُ الأتمانِ الأكمَلانِ، على سيدِنا ونبيِّنا وقائِدِنا وقرةِ أعينِنا محمدٍ سيدِ ولدِ عدنان أفصح العرب العرباء، 

وعلى ءالهِ وصحبهِ، ومنِ اهتدى بهديهِ ما أطلَّ فجرٌ وأضاءَ. 

أما بعدُ 

يقولُ ربُنا تباركَ وتعالى في محكمِ التنـزيلِ:{ كنتُم خيرَ أمةٍ أُخرجت للناسِ تأمرونَ بالمعروفِ وتنهون عنِ المنكَرِ} ( سورة ءال عمران /110) 

ويقولُ النبيُّ : (( منْ رأى منكُم منكراً فليغيرْهُ بيدِهِ فإنْ لمْ يستطِعْ فبلسانِهِ فإنْ لمْ يستطِعْ فبقلبِهِ وذلكَ أضعف الإيمانِ)) رواهُ مسلمٌ. 

وقدْ امتدَحَ اللهُ تعالى أمةَ سيدِنا محمدٍ بأنها أمة تأمرُ بالمعروفِ وتنهى عن المنكرِ كما أسلفنا في الآيةِ الكريمةِ والحديثِ الشريفِ، وكذلكَ فإنّ اللهَ تعالى قد ذمَّ الذينَ كفروا منْ بني إسرائيلَ بقولِهِ:{ كانوا لا يتناهوْنَ عن منكرٍ فعلوهُ لبِئسَ ما كانوا يَفعلون} ( سورة المائدة /79) 

وإن من أعظم ما ابتليت به هذه الأمة أناس دعاة على أبواب جهنم، انزلقت ألسنتهم بالباطل، واندلعت أصواتهم بالضلال، يروجون السلع الرديئة بحجج واهية فاسدة. وما كلامنا عن هؤلاء وأمثالهم إلا من باب البيان الواجب تبيانه للعامة والخاصة، ولا يظن ظان أن هذا من باب الغيبة المحرمة، فمن المعروف في تاريخنا أن السلف الصالح كانوا لا يسكتون عن الباطل، بل كانت ألسنتهم وأقلامهم سيوفا حداداً على أهل البدع والأهواء. 

فقد أخرج مسلم في صحيحه أن الرسول قال للخطيب الذي قال: من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى: (( بئس الخطيب أنت)) وذلك لأنه جمع بين الله والرسول بضمير واحد فقال له قل: (( ومن يعصِ اللهَ ورسولَهُ)). 

فإذا كان الرسول لم يسكت على هذا الأمر الخفيف الذي ليس كفرا ولا إشراكا فكيف بالذين ينشرون الكفر والضلال باسم الإسلام؟ 

وقد قال رسول الله : (( حتى متى تَرِعون عن ذكر الفاجر اذكروه بما فيه حتى يحذره الناس)). رواه البيهقي. 

وقد بين النبي افتراق أمته من بعده فقال فيما رواه الترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: 

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: 

(( لَيَأْتِيَنَّ عَلَى أُمَّتِي مَا أَتَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ حَتَّى إِنْ كَانَ مِنْهُمْ مَنْ أَتَى أُمَّهُ عَلانِيَةً لَكَانَ فِي أُمَّتِي مَنْ يَصْنَعُ ذَلِكَ وَإِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ تَفَرَّقَتْ عَلَى ثنيتين وَسَبْعِينَ مِلَّةً وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلاثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً كُلُّهُمْ فِي النَّارِ إِلا مِلَّةً وَاحِدَةً قَالُوا وَمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي)). 

وإنما عنى النبي بذكر الفرق المذمومة فرق أصحاب الأهواء الضالة الذين خالفوا الفرقة الناجية بمخالفتهم ما كان عليه النبي وأصحابه في المعتقد، وليس المراد منه الخلاف في الفروع. 

وقد ذكر الإمام المفسر النحوي أبو حيان الأندلسي رحمه الله تعالى وجوب التحذير من أهل الضلال والفساد حيث قال في تفسيره النهر الماد ( 1/564) ما نصه: 

ومن بعض اعتقادات غير المسلمين استنبط من تستر بالإسلام ظاهراً، وانتمى إلى الصوفية حلول الله تعالى في الصور الجميلة ومن ذهب من ملاحدتهم إلى القول بالاتحاد والوحدة ….. ثم سرد بعض الأسماء للتحذير منها …. 

ثم قال: وإنما سردت أسماء هؤلاء نصحاً لدين الله يعلم الله ذلك، وشفقة على ضعفاء المسلمين وليحذروا منهم أشد من الفلاسفة الذين يكذبون الله ورسوله ويقولون بقدم العالم وينكرون البعث، وقد أولع جهلة من ينتمي للتصوف بتعظيم هؤلاء وادعائهم أنهم صفوة الله وأولياؤه، والرد على النصارى والحلولية والقائلين بالوحدة هو من علم أصول الدين.اهـ 


عقيدة أهل السنة تنـزيه الله عن المكان 

اعلم وفقك الله إلى مرضاته أن عقيدة أهل السنة مبنية على تنـزيه الله عن مشابهة المخلوقات، فالله تبارك وتعالى لا يشبه شيئاً من المخلوقات ولا يشبهه شىء، كان قبل المكان بلا مكان وهو الآن على ما عليه كان، كان ولم يكن أين ولا كيف ولا مكان، فكون الأكوان ودبر الزمان فلا يحتاج إلى المكان ولا يتقيد بالزمان، فكما كان قبل المكان بلا مكان فهو الآن على ما عليه كان، أي موجود بلا مكان. وهذا ما ثبت عن سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه حيث قال: (كان الله ولا مكان وهو الآن على ما عليه كان) كما رواه الإمام أبو منصور البغدادي في الفرق بين الفرق. هذه هي العقيدة التي كان عليها رسول الله وصحابته الكرام والتابعون لهم بإحسان كما سنبين في هذا الرد. 

وسترى أن استدلال الكاتب ببعض الآيات والأحاديث على مدّعاه استدلالٌ فاسد كما سيظهر لك من ردنا هذا إن شاء الله تعالى، فلنشرع بالمقصود سائلين الله التوفيق فيما هنالك. 

واعلم أن الحافظ تاج الدين السبكي نقل في طبقاته ( 9/36) عن العلامة شهاب الدين ابن جهبل أنه قال: مذهب الحشوية في إثبات الجهة مذهبٌ واهٍ ساقطٌ، يظهرُ فسادُهُ من مجرّدِ تصورِهِ، حتى قالت الأئمة: لولا اغترار العامة بهم لما صرِفَ إليهم عنان الفكر، ولا قطر القلم في الرد عليهم.اهـ 

وقال الإمام أبو نصر القشيري في التذكرة الشرقية ما نصه: وقد نبغت نابغة من الرعاع لولا استنـزالهم للعوام بما يقرب من أفهامهم ويُتصورُ في أوهامهم لأجللت هذا الكتاب عن تلطيخه بذكرهم يقولون نحن نأخذ بالظاهر ونجري الآيات الموهمة تشبيها والأخبار المقتضية حدا وعضوا على الظاهر ولا يجوز أن نطرق التأويل إلى شئ من ذلك ويتمسكون ? على زعمهم ? بقول الله تعالى:{ وما يعلم تأويله إلا الله}. وهؤلاء والذي أرواحنا بيده أضر على الإسلام من اليهود وغير المسلمين والمجوس وعبدة الأوثان لأن ضلالات الكفار ظاهرة يتجنبها المسلمين وهؤلاء أَتوا الدينَ والعوامَّ من طريقٍ يغترُّ به المستضعَفون فأوحوا إلى أوليائهم بهذه البدع وأحلُّوا في قلوبهم وصفَ المعبود سبحانه بالأعضاء والجوارح والركوب والنـزول والاتكاء والاستلقاء والاستواء بالذات والتردد في الجهات فمن أصغى إلى ظاهرهم يبادر بوهمه إلى تخيل المحسوسات فاعتقد الفضائحَ فسالَ به السيلُ وهو لا يدري.اهـ نقلها الحافظ الزبيدي في الإتحاف 


بعض الآيات الدالة على التنـزيه 

أولا نذكر بعض الآيات الدالة على تنـزيه الله عن الجهة والمكان والحد والجسمية. 

قال الله تبارك وتعالى:{ ليس كمثله شىء} (سورة الشورى/11) أي أن الله تعالى لا يشبه شيئا من خلقه بوجه من الوجوه، فلو كان في مكان أو جهة لكان مشابها لبعض خلقه، فالله تعالى لا يحتاج إلى مكان يحل فيه ولا إلى جهة يتحيز فيها. 

وقال الله تعالى:{ ولله المثل الأعلى} ( سورة النحل/60) أي لله الوصف الذي لا يشبه وصف غيره. 

وقال الله تعالى:{ هو الأول والآخر والظاهر والباطن} ( سورة الحديد/3) قال الطبري في تفسيره ( 11/670) ما نصه: وهو الباطن، فلا شىء أقرب إلى شىء منه، كما قال:{ ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} ( سورة ?/16).اهـ أي أن الطبري نفى القرب الحسي الذي تقول به المجسمة، أما القرب المعنوي فلا ينفيه، وهذا دليل على تنـزيه الله عن المكان والجهة. 

وقال الله تعالى:{ فإن الله غني عن العالمين} (ءال عمران/98) أي أن الله تعالى مستغنٍ عن كل ما سواه، فلو كان في مكان لكان محتاجاً له، فكيف يكون غنياً عن العالمين من يكون محتاجاً للمكان؟ 

قال الشيخ شرف الدين بن التلمساني في شرح لمع الأدلة ما نصه: ومنها قوله تعالى:{ إن الله لغني عن العالمين} ( سورة العنكبوت/6) فأثبت لنفسه الاستغناء عن جميع العالمين، والجهات والأمكنة من أجزاء العالم، فوجب إثبات تعاليه واستغنائه عن العالمين وعن كل وصف من صفات المحدثين.اهـ 


وقال الله تعالى:{ وكلُّ شىءٍ عنده بمقدار} ( سورة الرعد/8) أي أن الله تبارك وتعالى ليس داخل العالم ولا خارجه لأنه لو كان داخل العالم لكان له مقدار ولو كان خارجه لكان له مقدار، فلا مهرب من إثبات المقدار له إلا بنفي التحيز بالكون داخل العالم أو خارج العالم، لأن أفراد العالم كل فرد له مقدار. 

قال الإمام أبو منصور التميمي البغدادي في أصول الدين ما نصه: لو كان الإله مقدراً بحد ونهاية لم يخلُ من أن يكون مقداره مثل أقل المقادير فيكون كالجزء الذي لا يتجزأ، أو يختص ببعض المقادير فيتعارض فيه المقادير فلا يكون بعضها أولى من بعض إلا بمخصص خصه ببعضها، وإذا بطل هذان الوجهان صح أنه بلا حد ولا نهاية.اهـ 


لا نريد الإطالة ففي هذه الآيات كفاية لمن هدى الله قلبه.

الثلاثاء، 16 سبتمبر 2025

كثيرا ما تستدلّ الوهابية المشبهة الخارجة عن الحق لتحريم قراءة القرآن على موتى المسلمين، بقول الله تعالى “وأن ليس للإنسان إلا ما سعى”

 كثيرا ما تستدلّ الوهابية المشبهة الخارجة عن الحق لتحريم قراءة القرآن على موتى المسلمين، بقول الله تعالى “وأن ليس للإنسان إلا ما سعى”


قال ابن عباس رضي الله عنه إن هذه الآية منسوخة بقول الله تعالى "وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ"
(سورة الطور، الآية 21) ذكره في تفسير القرطبي (ت 671 هـ.)،
وفي تفسير القرطبي كذلك: "وقال الربيع بن أنس "وأن ليس للإنسان إلا ما سعى" أي الكافر، وأما المؤمن فله ما سعى وما سعى له غيره"، اهـ.
والربيع بن أنس هذا من أعيان التابعين من السلف الصالح توفي سنة 139 هـ. 
ولقي أنس بن مالك رضي الله عنه، قال الذهبي في سير أعلام النبلاء كان الربيع بن أنس عالم مرو في زمانه.
قال القرطبي بعد الذي نقله عن الربيع بن أنس رضي الله عنه، أن الإنسان هنا يراد به الكافر خصوصاً، قال: قلت وكثير من الأحاديث يدلّ على هذا القول وأن المؤمن يصل إليه ثواب العمل الصالح من غيره. اهـ.
انظروا إلى خبث الوهابية تحمل هذه الآية الواردة في الكافر على ما قاله الربيع رضي الله عنه، تجعلها في المسلم والعياذ بالله تعالى،
وقال الإمام أبو منصور الماتريدي وهو من أعيان علماء السلف الصالح توفي سنة 333 رضي الله عنه، إن اللام هنا بمعنى على، فيكون معنى الآية أنه ليس على الإنسان إلا ما سعى، أتت اللام بمعنى على، فالجزاء على السيئة لا يكون إلا بالمثل قال الله تعالى"فلا يجزى إلا مثلها" (سورة الأنعام، الآية 160)،
وجائز في اللغة أن تكون له بمعنى عليه كقوله تعالى "إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها" أي فعليها، أما المؤمن فالله تعالى يثيبه ويعطيه الزيادة على ما سعى بفضله وكرمه،
قال الله تعالى "من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها" (سورة الأنعام، الآية 160)، (من تفسير الماتريدي).
وفي لسان العرب لابن منظور: "والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم" (سورة المؤمنون، الآية 5) 
قال الفراء (وهو أحد كبار اللغويين من السلف توفي سنة207 هـ.) أراد على فروجهم يحافظون فجعل اللام بمعنى على". اهـ.
وفيه: "وروى المنذر يعني أبي العباس أنه سئل عن قوله عزوجل "إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها" أي عليها جعل اللام بمعنى على".
واللام بمعنى على كذلك في قوله تعالى: "وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا"(سورة الكهف، الآية 100)، يدلّ على ذلك قول الله تعالى: "ويوم يعرض الذين كفروا على النار" (سورة الأحقاف، الآية 20).
فلا تصغوا للوهابية الجهلة وحذروا منها تدّعي كذباً أنها سلفية وهي في الحقيقة تحرّف كتاب الله وتكذب كلام النبيّ صلى الله عليه وسلم وكلام السلف الصالح رضي الله عنهم.

الاثنين، 8 سبتمبر 2025

ما هي البدعة؟

 ما هي البدعة؟                                                                     


البِدْعَةُ لُغَةً مَا أُحْدِثَ علَى غَيرِ مِثَالٍ سَابِقٍ، وشَرعًا الشّىءُ المُحدَثُ الذي لم ينُصَّ عليهِ القرءانُ أي لم يُذكَر في القرءانِ ولا في الحديثِ.ثم هذا الأمر ينقسم إلى قسمين قسم يخالف ما نصَّ عليه الله ورسولُه وقسم لا يخالفه بل يوافقه في نظر أهلِ العلمِ.

 

2-ما أُحدث وكان مخالفًا للقرءان والحديث يسمى بدعة ضلالة وهو إما اعتقادي وإما عمليّ بيّن ذلك مع الأمثلة .

ما أحدث وكان مخالفًا للقرءان والحديث يسمى بدعة ضلالة وهو إما اعتقادي وإما عمليّ.


فالاعتقادي كعقيدةِ المشبهةِ القدماءِ والمُحْدَثِينَ من الكرّاميةِ من المشبهةِ القدماءِ والوهابية من المُحْدَثينَ والمعتزلةِ القدريةِ والخوارجِ المتقدمينَ منهم والمتأخرينَ كأتباعِ سيد قطب المُسَمَّيْنَ الجماعة الإسلامية فإن من الخوارجِ القدماءِ كان أناس يقال لهم البيهسية يقولون إذا حكم الملك بغير الشرعِ كفر وكفرَت الرعية مَن تابعه في الحكم ومَن لم يتابعه، وفرقة سيد قطب أحيَوْا في هذا العصر هذه العقيدة المبتَدَعة فاعتقدوا أن من حَكَمَ بغيرِ الشرعِ ولو في حكمٍ واحدٍ كفرَ والرعية التي تعيش تحت حكمهِ كفرت ولا يستثنون أحدًا إلا من قام ليثور عليه وعلى ذلك يستحلون قتل غيرهم كما تشهد عليهم أعمالهم في مصر والجزائر والشيشان وغير ذلك.


وكلٌّ من هؤلاء يتعلقون بآيات فهموها على غير وجهها وظنوا أن ما هم عليه حق موافقٌ للقرءانِ ولم يدروا أن القرءانَ ذو وجوه كما قال عمر رضي الله عنه تأتي الكلمةُ الواحدةُ لمعنَيَين ولأكثر من حيث لغةُ العربِ فبعض هذه المعاني يصحُّ تفسيرُ القرءانِ به والبعضُ الآخرُ لا يصحُّ تفسيرُ القرءانِ به، فهؤلاء الفرق أخذوا بالمعاني التي لا يصحُّ أن تكون مرادة أي مَرْضيَّة لله ورسوله.


وأما العملية فهي مثل بدعةِ المتشبهين بالصوفية صورةً بلا حقيقة فإنهم حرَّفوا اسمَ الله في مجالس الذكرِ يقولون ءاه ويعتبرون ءاه اسمًا لله حتى إن بعضَهم غَلَا فقال ءاه أقرب للفتوحِ من الله. فإن هذا العملَ مبتدعٌ لم يكن عند الصوفية القدماءِ، قال بعض هذه الفرقة الشاذلية هذا التحريف لم يكن عند شيخ الطريقة أبي الحسن الشاذلي رضي الله عنه وإنما أحدثه شاذلية فاس. ومن البدعةِ العمليةِ المحدثَةِ على خلافِ القرءانِ والحديثِ معاقبة مَن طبَعَ كتابًا ألفه غيره بدون إذنهِ بالتغريمِ أو الحبسِ يكتبونَ في النسخةِ التي يطبعها المؤلفُ أو من أذن له المؤلف “حقوقُ الطبعِ محفوظة للمؤلفِ أو الناشرِ” وهذه البدعةُ مخالفةٌ لكتابِ الله وسنةِ رسولهِ لم يفعلها أحدٌ من السلفِ ولا من الخلفِ إنما أُحدثت منذ نحو مائتي سنة تخمينًا اتباعًا للأوروبيين، ولو كان جائزًا لكان السلف أحوج للعمل به لأنهم كانوا يتعبون عند تأليفهم تعبًا كبيرًا. كان المؤلف يستعمل القلم الذي يبريه بيده كلما انكسرَ قلمٌ يبري غيرَه حتى إنه كان يتكوم عندهم من بُراية الأقلامِ شىءٌ كثيرٌ وكانوا يعملون الحبر بأيديهِم ومع ذلك لم يفعل أحدٌ منهم هذا الحَجْرَ. كانوا لا يعترضون على من استنسخ نسخًا من مؤلفاتهم للتجارة أو لغير ذلك، وقد احتج بعضُ هؤلاء المبتدعين من أهل عصرنا هذا بأنه أتعب أفكارَه في تأليفهِ.


 3-اذكر ما أحدثه أهلُ العلمِ مما لا يخالفُ القرءانَ والحديثَ ؟


وأما ما أحدثه أهلُ العلمِ مما لا يخالفُ القرءانَ والحديثَ كإحداثِ المَحاريبِ المجوفةِ والمآذنِ وشَكْلِ القرءان ونَقْطِهِ فإنه أحدثه بعضُ العلماءِ ممن كان في القرنِ الأولِ كعمر بن عبد العزيز وابن يعمر وطرق أهل الله القادرية والرفاعية وغيرهما وعمل المولد فهذه سنة حسنة تدخل تحت حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها لا ينقص من أجورهم شىء” ومن عدّ هذه بدعة ضلالة فهو جاهل لا يعتد بكلامه وقد يحتج بعض هؤلاء بحديث: “من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رَدٌّ” ولم يدرِ أن معنى الحديث إحداث ما ليس من الدين أي ما لا يوافقه لأن ذلك مردود. هؤلاء يقال لهم المساجد مسجد الرسول وغيره ما كان له مِحراب مجوف في حياةِ رسولِ الله ولا كان له مئذنة وقد أُحدِثَ في ءاخرِ القرنِ الأولِ أَحدَثَ ذلك الخليفة الراشد عمر ابن عبد العزيز وأقره المسلمون على ذلك وأنتم لا تعترضون على ذلك بل توافقون فكيف تنكرون الطريقةَ والمولدَ وأمثال ذلك بدعوى أن هذا لم يُذكر في القرءانِ أو الحديثِ تُقِرون ما أعجبَكُم وتنفون ما لم يعجبكم بلا دليلٍ. وحديثُ “من سنَّ” إلخ أخرجه مسلمٌ أما الحديثُ الآخرُ “من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد” فأخرجه البخاري.

 

4-ما الدليل على أن البدعة تَنْقَسِمُ إلى قِسْمَين؟


تَنْقَسِمُ البدعة إلى قِسْمَين كَما يُفهَمُ ذلكَ مِن حَديثِ عائِشَةَ رضِيَ الله عنْها قالَت: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: “مَن أَحْدَثَ في أمْرِنا هَذا مَا لَيسَ منْهُ فَهُوَ رَدٌّ”، أي مَردُودٌ. والحديث رواهُ البخارِيُّ ومسلمٌ، وفي رِوايةٍ لمسْلمٍ: “مَن عمِلَ عَملاً لَيْسَ عَليْهِ أمْرُنا فَهُوَ رَدٌّ”. فأفهَمَ رسولُ الله بقوله: “ما ليسَ منهُ” أنَّ المحدَثَ إنَّما يكونُ ردًّا أي مردودًا إذا كانَ على خلافِ الشّريعةِ، وأنَّ المحدَثَ الموافِقَ للشّريعةِ ليسَ مردودًا.


وهَذا التَّقْسِيْمُ مَفْهُومٌ أيضًا مِنْ حَدِيثِ جَرِيرِ بنِ عَبد الله البَجَليّ رَضيَ الله عنهُ، قالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: “مَنْ سَنَّ في الإسلام سُنَّةً حسَنَةً فَلَهُ أجرُها وأجرُ مَن عَمِلَ بها بعدَهُ مِن غير أن يَنْقُصَ من أجُورِهم شَىءٌ، ومَن سَنَّ في الإسْلامِ سُنَّةً سَيّئةً كانَ عليه وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها مِنْ بَعْدِه مِن غَيرِ أن يَنْقُصَ مِن أَوزَارِهم شَىءٌ” رَواهُ مسلمٌ.

 

5-ما هي البدعة الحسنة؟

 

 البِدْعَةُ الحَسَنَةُ: وتُسَمَّى السُّنَّةَ الحسَنَةَ، وهي المُحدَثُ الذي يُوافِقُ القُرءانَ والسُّنَّةَ.

 

6-ما هي البدعة السيئة؟


البدْعَةُ السَّيّئَةُ: وتُسَمَّى السُّنَّةَ السَّيّئةَ، وهي المُحْدَثُ الذي يُخَالِفُ القُرءانَ والحَدِيثَ.

 

7-ما الدليلُ من القرءان على أنَّ البدعةَ منها ما هو حسن؟


الدَّليلُ القرءانيُّ على أن البدعةَ منها ما هو حسنٌ قولُهُ تعالى: {وَجَعَلنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوُه رَأفَةً وَرَحمَةً وَرَهبَانِيَّةً ابتَدَعُوهَا مَا كَتَبنَاهَا عَلَيهِم إِلاَّ ابتِغَاءَ رِضوَانِ اللهِ ِِ} [سورة الحديد].

ففي هذه الآيةِ مدحُ المؤمنينَ من أمّةِ عيسى لأنّهم كانوا أهل رحمةٍ ورأفةٍ ولأنهم ابتدعوا الرَّهبانيّةَ وهي الانقطاعُ عن الشَّهواتِ المباحَةِ زيادةً على تجنبِ المحرماتِ حتَّى إنّهم انقطعوا عن الزّواجِ وتركوا اللّذائِذَ من المطعوماتِ والثّيابِ الفاخرةِ وأقبلوا على الآخرةِ إقبالا تامًّا.فقوله تعالى:{مَا كَتَبنَاهَا عَلَيهِم إِلاَّ ابتِغَاءَ رِضوَانِ اللهِ} فيه مدحٌ لهم على ما ابتدعوا أي ممَّا لم ينصّ لهم عليهِ في الإنجيلِ ولا قالَ لهم المسيحُ بنصّ منهُ افعلوا كذا، إنَّما هم أرادوا المبالغةَ في طاعةِ الله تعالى والتَّجردَ لطاعتِهِ بتركِ الانشغالِ بما يتعلَّقُ بالزّواجِ ونفقةِ الزوجةِ والأهلِ. ثم هؤلاءِ الذين مدحهم الله كانوا من أتباعِ عيسى على الإسلامِ مع التمسكِ بشريعةِ عيسى كانوا يبنونَ الصّوامِعَ أي بيوتًا خفيفةً من طينٍ أو من غير ذلكَ على المواضع المنعزلةِ عن البلدِ ليتجرَّدوا للعبادةِ، ثم جاءَ بعدَهم أناسٌ قلدوا أولئكَ مع الشّركِ أي مع عبادةِ عيسى وأمّهِ وتشبَّهوا بأولئكَ بالانقطاع عن الشهواتِ والعكوفِ في الصَّوَامِعِ لقولِهِ تعالى: {فَمَا رَعَوهَا حَقَّ رِعَايَتِها} [سورة الحديد] لأن هؤلاء ما التزموا بالرهبانيةِ الموافقة لشرعِ عيسى كما التزمَ أولئكَ السابقونَ، فيؤخَذُ من هذه الآيةِ أن مَن عَمِلَ عملًا لا يخالفُ الشرعَ بل يوافقهُ ليس بدعةً مذمومةً بل يُثَابُ فاعلُه ويسمَّى سنةً حسنةً وسنةَ خيرٍ، ويسمَّى بدعةً حسنةً أو بدعةً مستحبَّةً.

 

 8-ما معنى قوله صلى الله عليه وسلم:” من أحدَثَ في أمرِنا هذا ما ليسَ منهُ فهو رد”؟


قوله عليه الصلاة والسلام: “من أحدَثَ في أمرِنا هذا ما ليسَ منهُ” إشعارٌ بأنَّ من أحدَثَ ما هوَ منهُ أي ما هو موافقٌ لهُ فليس مردودًا، كما أحدَثَ عمرُ رضي الله عنه في التلبيةِ شيئًا زائدًا على تلبيةِ رسولِ الله، وتلبيةُ رسولِ الله هي: “لبيكَ اللهمَّ لبَّيكَ، لبيكَ لا شريكَ لكَ لبّيكَ، إنَّ الحمدَ والنعمةَ لكَ والمُلكَ لا شريكَ لكَ”. فزادَ عمرُ: “لبيكَ اللهم وسعدَيكَ، الخيرُ في يديكَ، والعملُ والرَّغباءُ إليكَ”، فلم يعِبْ عليهِ أحدٌ من الصحابةِ لأنه زادَ على تلبيةِ رسولِ الله شيئًا يوافِقُها، وكذلكَ مَن بَعدَ الصحابةِ زادوا أشياءَ موافقةً للشرعِ ككتابةِ صلى الله عليه وسلم عند ذِكرِ اسمِ الرسول عَقبَه فإن الرسولَ لم يكتب صلى الله عليه وسلم عقبَ اسم محمدٍ في كتابهِ إلى هِرَقل وفي كتابهِ إلى كِسرَى وغيرِ ذلك ثم جَرَى عَمَلُ المسلمينَ على كتابةِ صلى الله عليه وسلم عقبَ اسمِهِ حتى إن هؤلاء الذين ينكرونَ على الناسِ البِدَعَ الحسنةَ من عَمَلِ المولِدِ في شهرِ ربيعٍ والصلاةِ على النبي جهرةً عقبَ الأذانِ يعملونَ هذه البدعَةَ أي كتابة صلى الله عليه وسلم عقبَ اسمِ محمد في مؤلفاتِهم فما لهم يناقضونَ أنفسَهُم يقولونَ: ما لم يفعلهُ رسولُ الله أو يأمرْ به نصًّا بدعةٌ محرمةٌ، وهم مرتكبونَ ما يعيبونه على الناسِ من ذلكَ. هذا الذي ذُكِرَ هنا بعضُ الأمثلةِ عن البدعةِ الحسنةِ ويتبيَّنُ من هذا أنَّ من خَالَفَ هذا فهو شاذٌّ مكابرٌ لأنَّ مؤدَّى كلامِهِ أنَّ الصّحابَةَ الذين بشَّرَهم رسولُ الله بالجنّةِ كعمرَ بنِ الخطَّابِ وعثمانَ بن عفَّان كانوا على ضلالٍ.


9-ما الدليل من الحديث على أن البدعة منها ما هو حسن؟


وأمّا الدليلُ من الحديثِ على أن البدعةَ منها ما هو حَسَنٌ فهو قولُهُ عليه الصَّلاةُ والسّلامُ: “من سنَّ في الإسلامِ سنّةً حسنةً فلهُ أجرُهَا وأجرُ من عَمِلَ بها”.

فإن قيلَ: هذا معناهُ من سنَّ في حياةِ رسولِ الله أمَّا بعدَ وفاتِهِ فلا، فالجوابُ أن يُقالَ: “لا تثبُتُ الخصوصيَّةُ إلا بدليلٍ” وهنا الدّليلُ يعطي خلافَ ما يدَّعونَ حيثُ إنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: “من سنَّ في الإسلامِ”، ولم يَقُل من سنَّ في حياتي ولا قالَ من عَمِلَ عملاً أنا عملتهُ فأحياهُ، ولم يكن الإسلامُ مقصورًا على الزّمنِ الذي كانَ فيه رسول الله، فَبَطَلَ زَعمُهُم. فإن قالوا: الحديثُ سببهُ أن أناسًا فقراءَ شديدي الفَقرِ يلبسونَ النّمارَ جاؤوا فتمعَّرَ وجهُ رسولِ الله لما رأى من بؤسهم فتصدَّقَ الناسُ حتى جمعوا لهم شيئًا كثيرًا فتهلَّلَ وجهُ رسولِ الله فقال: “من سنَّ في الإسلامِ سنةً حسنةً فلهُ أجرُهَا وأجرُ من عَمِلَ بها”، فالجوابُ أن يُقالَ: العبرةُ بعمومِ اللفظِ لا بخصوصِ السببِ كما ذَكَرَ الأصوليونَ.

 

10-ما الدليل على أن البدعة الحسنةلا تدخل في حديث: وكلُّ محدثَةٍ بدعةٌ وكلُّ بدعةٍ ضلالةٌ”؟


أمّا الحديثُ الذي فيه: “وكلُّ محدثَةٍ بدعةٌ وكلُّ بدعةٍ ضلالةٌ” فلا يدخُلُ فيه البدعةُ الحسنةُ، لأنَّ هذا الحديثَ من العامّ المخصوصِ، أي أن لفظَهُ عامٌّ ولكنَّهُ مخصوصٌ بالبدعَةِ المخالِفَةِ للشّريعةِ بدليلِ الحديثِ الذي رواهُ مسلمٌ: “من سَنَّ في الإسلامِ سنةً حسنةً فلهُ أجرُهَا” الحديث، وذلكَ لأنّ أحاديثَ رسولِ الله تتعاضَدُ ولا تتناقَضُ، وذلكَ لأنّ تخصيصَ العامّ بمعنًى مأخوذٍ من دليلٍ نقليّ أو دليلٍ عقليّ مقبولٌ عند جميعِ العلماءِ، فلو تركَ ذلكَ لضاعَ كثيرٌ من الأحكامِ الشّرعيةِ ولحَصَلَ تناقضٌ بين النُّصوصِ، فأهلُ العِلمِ هم الذين يعرفونَ أنَّ هذا العموم مخصوصٌ بدليلٍ ءاخر عقليّ أو نقليّ.


11-تكلم عن الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم.


المحدَثَاتُ التي توافِقُ الشريعةَ كانت في الصّحابةِ والتابعينَ ومن بعدَهم ووافقَ عليها العلماءُ في مشارِقِ الأرضِ ومغارِبِهَا، ومن هذه المحدَثاتِ الاحتفالُ بمولِدِ النَّبي صلى الله عليه وسلم الذي أحدَثَهُ الملكُ المظفَّرُ في أوائلِ السّتّمائةِ للهجرةِ وكان عالمًا تقيًّا شجاعًا ووافَقَهُ على ذلكَ العلماءُ والصّوفيةُ الصّادقونَ في مشارِقِ الأرضِ ومغارِبها منهم الحافظُ أحمدُ بن حجرٍ العسقلانيُّ وتلميذُهُ الحافظُ السَّخاويُّ وكذلك الحافظُ السّيوطيُّ، وللحافظِ السّيوطيّ رسالة سمَّاهَا: “حُسنُ المَقصِدِ في عَمَلِ المَولِدِ”.

 

12-ما الدليل على أن المصحف لَم يكُن مُنَقَّطًا عِنْدَما أَمْلَى الرَّسُولُ علَى كتَبَةِ الوَحْي؟


مِنَ المُحدَثَاتِ الموافقةِ للشّريعةِ أيضًا تنقيطُ التَّابعيّ الجليلِ يحيى بن يَعمر المُصحَفَ، فالصّحابةُ الذين كتبوا الوحيَ الذي أملاهُ عليهم الرَّسولُ كانوا يكتبونَ الباءَ والتاءَ ونحوهما بلا نقطٍ.

وكانَ مِن أهْلِ العِلْمِ والتَّقْوى، وأقَرَّ ذَلِكَ العُلَماءُ مِن مُحَدّثينَ وغَيْرِهم واسْتَحْسَنُوهُ ولَم يكُن مُنَقَّطًا عِنْدَما أَمْلَى الرَّسُولُ علَى كتَبَةِ الوَحْي، وكذَلِكَ عُثمانُ بنُ عَفّانَ لمّا كتَبَ المصَاحِفَ الخَمْسَةَ أو السّتَّة لم تَكُن مُنَقَّطَةً، ومُنْذُ ذَلك التَّنقِيطِ لم يَزَل المُسلِمونَ على ذَلكَ إلى اليَوم، فَهلْ يُقالُ في هَذا إنَّه بِدْعَةُ ضَلالةٍ لأَنَّ الرَّسُولَ لَم يَفْعَلهُ؟ فإنْ كانَ الأمْرُ كذَلِكَ فليَتْركُوا هذِهِ المصَاحِفَ المُنَقّطَةَ أو لِيَكْشِطُوا هَذَا التَّنقِيْطَ مِنَ المَصَاحِفِ حتَّى تعودَ مجرَّدَةً كما في أيّامِ عُثمانَ. قالَ أبو بكر بنُ أبي دَاودَ صَاحِب السُّنَنِ في كِتَابِه المَصَاحِف: “أَوّلُ مَن نَقَطَ المَصَاحِفَ يَحيى بنُ يَعْمَرَ”.اهـ، وهوَ مِنْ عُلَماءِ التَّابِعينَ رَوَى عَن عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ وغَيرِه.

 

13-لِمَ قال عمر “نِعمَت البِدعَةُ هَذِهِ” ؟


عمرُ بن الخطَّابِ رضي الله عنه جَمَعَ النّاسَ على صلاةِ التَّراويحِ في رمضانَ وكانوا في أيّامِ رسولِ الله يصلُّونها فُرَادَى وقالَ عُمَرُ عن ذلكَ: “نِعمَت البِدعَةُ هَذِهِ”، وقد روى ذلكَ عن عمرَ البخاريُّ في صحيحِهِ.


14-ما الدليل على أن عثمان بن عفان أحدث أذتا ثانيا يوم الجمعة ؟


عثمانُ بن عفّان أحدثَ أذانًا ثانيًا يومَ الجمعةِ ولم يكن هذا الأذانُ الثَّاني في أيّامِ رسولِ الله، وما زالَ النّاسُ على هذا الأذان الثَّاني يوم الجمعةِ في مشارِقِ الأرضِ ومغارِبِهَا، وقد روَى ذلكَ عن عثمانَ البخاريُّ في صحيحِه أيضًا.

 

15-ما الدليل على أن الصّحابيّ الجليل خبيب بن عديّ أحدَثَ صلاةَ ركعتينِ عند القتلِ ؟


وكذلكَ أحدَثَ الصّحابيُّ الجليلُ خبيبُ بن عديّ صلاةَ ركعتينِ عند القتلِ، فقد رَوَى البخاريُّ في صحيحِهِ عن أبي هريرةَ رضي الله عنه أنه قالَ: “فكانَ خبيبٌ أوَّلَ من سنَّ الرَّكعتينِ عندَ القَتلِ”.

 

16-ماذا قال الحافظ النووي عن البدعة ؟


قالَ النّوويُّ في كتابِ تهذيبِ الأسماءِ واللُّغاتِ ما نصُّهُ: “قال الإمامُ الشَّيخُ المجمَعُ على إمامتِهِ وجلالته وتمكُّنِهِ في أنواعِ العلومِ وبراعتِهِ أبو محمَّدٍ عبدُ العزيزِ بن عبد السَّلام رحمَه الله ورضيَ عنه في ءاخرِ كتابِ القواعِدِ: البدعةُ منقسمَةٌ إلى: واجبةٍ ومحرَّمةٍ ومندوبةٍ ومكروهةٍ ومباحةٍ. قالَ: والطَّريقُ في ذلكَ أن تُعرَضَ البدعَةُ على قواعِدِ الشَّريعةِ فإن دَخَلَت في قواعدِ الإيجابِ فهي واجبةٌ، أو في قواعدِ التَّحريمِ فمحرَّمةٌ، أو النَّدبِ فمندوبةٌ، أو المكروهِ فمكروهَةٌ، أو المباحِ فمباحةٌ” انتهى كلامُ الحافظ  النووي.

 

17-ماذا قال ابن عابدين الحنفىّ عن البدعة ؟


قالَ ابن عابدين في رَدّ المحتارِ على الدُّرّ المُختَارِ ما نصُّهُ: “فقد تكونُ البدعَةُ واجبةً كنصبِ الأدلَّةِ للرَّدّ على أهلِ الفِرَقِ الضالَّةِ، وتعلُّمِ النَّحو المُفهِمِ للكتابِ والسُّنَّةِ، ومندوبةً كإحداثِ نحو رباطٍ ومدرسةٍ، وكلّ إحسانٍ لم يكن في الصَّدرِ الأوَّلِ، ومكروهةً كزخرفَةِ المساجِدِ، ومباحةً كالتَّوسُّعِ بلذيذِ المآكلِ والمشاربِ والثّيابِ” ا.هـ


18-ما  الدليل على  أن الوهابية متحكمينَ بآرائِهِم فما استحسنته نفوسُهُم أقرّوه وما لم تَستَحسِنهُ نفوسُهم أنكروهُ ؟


من جملةِ البِدَعِ المباحَةِ الأكلُ بالملاعِقِ فإنه في أيامِ الصحابَةِ ما كانوا يأكلونَ بها وكانوا يأكلونَ على الأرضِ ما كانوا يأكلونَ قاعدينَ على الكراسي ،وكتابة صلى الله عليه وسلم بعدَ كتابةِ اسمِ النبي لم تكن في أيامِ النبي فإنَّ الرسولَ لما كَتَبَ كتابًا إلى هِرقل كتبَ فيه “من محمدٍ عبدِ الله ورسولِهِ إلى هِرقل عظيمِ الرومِ”، من دونِ كتابةِ صلى الله عليه وسلم عقبَ اسم النبي كما أوردَهُ البخاريُّ في أولِ صحيحِهِ، فما للوهابيةِ لا يُنكرونَ هذا بل يفعلونَهُ كما يفعلهُ غيرُهم وينكرونَ أشياءَ كالمولِدِ والطريقةِ بدعوَى أن الرسولَ لم يفعلهُ، فظهرَ أنهم متحكمونَ بآرائِهِم فما استحسنته نفوسُهُم أقرّوه وما لم تَستَحسِنهُ نفوسُهم أنكروهُ ليسَ عندَهُم ميزانٌ شرعيٌّ.

 

19-ماذا قال العلماء عن بدعة المعتزلة والخوارج ؟


قد تكونُ البدعةُ نوعًا من أنواعِ الكُفرِ كبدعَةِ المعتزلةِ القائلينَ بأنّ العبدَ يَخلُقُ أفعالَهُ، والخوارجِ القائلينَ بكفرِ من سِوَاهُم، وغيرِهم مِن نحو هذه الفِرَقِ الضَّالَّة.

 

20-تكلم عن الطرق التي أحدثها بعض أهل الله .

 

من البِدَعِ الحَسَنَةِ الطُّرق التي أحدَثَها بعض الصّالحينَ ومنها الطرقُ التي أحدَثها بعضُ أهلِ الله كالرّفاعيَّةِ والقادريَّةِ وهي نحو أربعينَ، فهذه الطرقُ أصلُهَا بِدَعٌ حسنةٌ، ولكن شذَّ بعضُ المنتسبينَ إليها وهذا لا يَقدَحُ في أصلِهَا.

 

21-ما الدليل على جواز الصلاة على النبي؟


نقولُ بعونِ الله: ثَبَتَ حديثانِ أحدُهما حديثُ مسلمٍ: “إذا سَمِعتُم المؤذّنَ فقولوا مثلما يقولُ ثم صلّوا عليَّ”، وحديثُ: “من ذَكَرَني فليصلّ عليَّ” أخرجهُ الحافظُ أبو يعلى والحافظُ السَّخاويُّ في كتابهِ القول البَديع في الصلاةِ على النبي الشفيعِ، وقال: لا بأسَ بإسنادِهِ، فيؤخَذُ من ذلك أن المؤذّنَ والمُستَمِعَ كليهما مطلوبٌ منه الصلاةُ على النبي، وهذا يحصُلُ بالسّرّ والجَهرِ، فماذا تقولُ الوهابيةُ بعدَ هذا؟!.

فَمِن أينَ لهؤلاءِ المُتَنَطّعينَ المُشَوّشِينَ أن يقولوا عن عَمَلِ المولدِ بدعَةٌ محرّمةٌ وعَن الصَّلاةِ على النَّبي جَهْرًا عقِبَ الأذانِ إنَّهُ بدعةٌ محرّمةٌ بدَعْوَى أن الرسولَ ما فعلَهُ والصَّحابةَ لم يفعَلُوهُ.فإنهم قد حَرَّفوا الشريعةَ فكانَ من بِدَعِهم التي سَنَّها لهم محمدُ بن عبدِ الوهاب تحريمُ الصلاةِ على النَّبي جهرًا من المؤذّنِ عَقِبَ الأذانِ، وهم يبالغونَ في ذلكَ حتى قالَ أحدُهُم في الشامِ في جامِعِ الدَّقَّاقِ حين سَمِعَ المؤذنَ يقولُ الصلاةُ والسلامُ عليكَ يا رسولَ الله: هذا حرامٌ هذا كالذي ينكحُ أمَّهُ، بل أَمَرَ زعيمُهم محمدُ بن عبد الوهاب بِقَتلِ المؤذنِ الأعمَى الذي صَلَّى على النبي عَقِبَ الأذانِ جهرًا.

 

22-ماذا قال العلماء في تحريف اسمِ الله إلى ءاهٍ ونحوِه كما يَفعَلُ ذلكَ كثيرٌ من المنتسبينَ إلى الطُّرُقِ ؟


مِن البِدَعِ المحرَّمَةِ تحريفُ اسمٍ من أسماءِ الله كالذين يحرّفونَ اسمَ الله إلى ءاهٍ فإن ءاه ليسَ من أسماءِ الله بالاتّفَاقِ بل هو لفظٌ من ألفاظِ الأنين، والأنينُ ليسَ من أسماءِ الله، وما يرويهِ بعضُهم حديثًا وفيهِ أن الرسولَ قالَ عن مريضٍ يئنُّ “دعوهُ يئنُّ فإنَّ الأنينَ اسمٌ من أسماءِ الله” فهو مكذوبٌ على الرسولِ ولا يصحُّ نسبتُهُ إليهِ، قال تعالى:{وَللهِ الأَسمآءُ الحُسنَى فَادعُوهُ بِهَا} [سورة الأعراف].

 

23-أذكر قول الشافعي في أن البدعة منها ما هو حسن ومنها ما هو سيىء.


قَالَ الإمامُ الشَّافِعيُّ رضيَ الله عنهُ: “المُحدَثاتُ مِنَ الأمُورِ ضَربانِ، أحَدُهُما مَا أُحدِثَ ممّا يُخَالِفُ كِتابًا (أي القرءان) أَو سُنَّةً (أي الحديث) أو إجْماعًا (أي إجماع مجتهدي أمّةِ محمَّدٍ) أَو أثَرًا (أي أثر الصَّحابةِ، أي ما ثَبَتَ عن الصّحابةِ ولم يُنكر عندَهُم) فَهذِه البِدْعَةُ الضّلالَةُ، والثّانِيةُ مَا أُحْدِثَ مِنَ الخَيرِ ولا يُخَالِفُ كِتَابًا أو سُنَّةً أو إجْماعًا، وهَذه مُحْدَثَةٌ غَيرُ مَذْمُومَةٍ”، رَواهُ البَيْهقيُّ بالإسْنادِ الصّحيح في كتابِه “مَنَاقِبُ الشَّافِعيّ”. وكلامُ الشَّافعي هذا يؤيّدُ ما ذكرنَاهُ من تقسيمِ البدعَةِ إلى قسمينِ.

 

24-ما هو الإجماع ؟


الإجماعُ معناهُ اتّفاقُ مجتهدي أمّةِ محمد على أمرٍ مِن أمورِ الدّينِ فى عصر من العصور، فغيرُ المجتهدينَ هُنَا لا عبرةَ بِهِم فإن الإجماعَ يَثبُتُ بالمجتهدينَ، فالمجتهدونَ في عصرِ التّابعينَ إذا اتفقوا على شىءٍ فهو إجماعٌ حجةٌ كذلكَ في العصرِ الذي يليهِ إن اتَّفقَ مجتهدو ذلكَ العصرِ على شىءٍ هذا يُعَدُّ إجماعًا، كذلكَ الذين بعدَهُم.


بيان معنى حديث يَنْزِلُ ربُّنا ، تباركَ وتعالى ، كُلَّ ليلةٍ إلى السَّماء

بسم الله الرحمن الرحيم الحمدلله الذي نصر عبده بالحجج البينات وأيده بالمعجزات الظاهرات وأظهره على خصومه وقواه بالادلة الدامغات ,الحمدلله المو...