بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأحد، 3 يناير 2021

بيان أنه لا يجوز القول: الله في كل مكان

اعلم أنه لا يجوز القول: الله في كل مكان ولو كان القائل يفهم من هذه العبارة الفاسدة أن الله عالمٌ بكل شىء، وإليك الدليل على ذلك:

1 - قال المتكلم ابن فورك الأشعري (406هجري) ما نصه1: "اعلم أن الثلجي كان يذهب مذهب النجار في القول بأن الله في كل مكان وهو مذهب المعتزلة2، وهذا التأويل عندنا منكر من أجل أنه لا يجوز أن يقال إن الله تعالى في مكان أو في كل مكان" انتهى.
2 - ثم ردَّ ابن فورك على من أطلق هذه العبارة مريدًا بها أن الله عالم بكل شىء فقال ما نصه3: "فمتى ما رجعوا في معنى إطلاق ذلك إلى العلم والتدبير كان معناهم صحيحًا واللفظ ممنوعًا، ألا ترى أنه لا يسوغ أن يقال إن الله تعالى مجاور لكل مكان أو مماس له أو حال أو متمكِّن فيه على معنى أنه عالم بذلك مدبرٌ له" انتهى.
3 - قال الحافظ أبو بكر البيهقي الشافعي الأشعري (458هجري) ما نصه4: "وفيما كتبنا من الآيات دلالة على إبطال قول من زعم من الجهمية أن الله سبحانه وتعالى بذاته في كل مكان، وقوله عز وجل: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ (4)﴾ [سورة الحديد] إنما أراد به بعلمه لا بذاته" انتهى.
4 - قال الشيخ أبو حامد الغزالي الشافعي الأشعري (505هجري) في الرد على جهم بن صفوان أحد زعماء المبتدعة ما نصه5: "ولا ترتبك في مواقع غلطه، فمنه غلط من قال: إنه في كل مكان. وكل من نسبه إلى مكان أو جهة فقد زلّ فضلّ، ورجع غاية نظره إلى التصرف في محسوسات البهائم، ولم يجاوز الأجسام وعلائقها. وأول درجات الإيمان مجاوزتها، فبه يصير الإنسان إنسانًا فضلاً عن أن يصير مؤمنًا" انتهى.
وهذا صريح من الغزالي أنه لا يجوز القول الله في كل مكان، ومن نسب إلى الغزالي خلاف ذلك فقد افترى عليه، لذلك نبّه الشيخ عبد الله الهرري المعروف بالحبشي على كلمة تُنسب للغزالي وليست من كلامه فقال ما نصه6: "تنبيه: ليحذر من كلمة في أبيات منسوبة للغزالي وليست له، وهي هذا الشطر: "وهو في كلِّ النّواحي لا يَزُول" فإنها مرادفة لقول المعتزلة الله بكل مكان. قال علي الخوّاص: "لا يجوز القول إنه تعالى بكل مكان" انتهى كلام الشيخ الهرري من كتابه "الدليل القويم على الصراط المستقيم" الذي بيّن فيه عقيدة أهل السنة والجماعة بالأدلة النقلية من القرءان والحديث والأدلة العقلية التي تدحض شبه الفلاسفة القائلين بأزلية نوع العالم، والمعتزلة والمرجئة، والمشبهة القائلين بجلوس الرب على العرش واستقراره عليه ونسبة المكان والجهة والجوارح له، تعالى الله عن قولهم علوًّا كبيرًا.
5 - وقال ابن كثير (774هجري) ما نصه7: "اتفق المفسرون على إنكار قول الجهمية الأول القائلين، تعالى عن قولهم علوًّا كبيرًا، بأنه في كل مكان" انتهى.
6 - وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني الشافعي الأشعري (852هجري) ما نصه8: "وقد نزع به بعض المعتزلة القائلين بأن الله في كل مكان وهو جهل واضح، وفيه - أي في حديث: "إن أحدكم إذا قام في صلاته فإنه يناجي ربَّه أو إن ربَّه بينه وبين القبلة - الرد على من زعم أنه على العرش بذاته" انتهى.
7 - وذكر الشيخ عبد الوهاب بن أحمد الشعراني (973هجري) أن عليًّا الخوّاص رضي الله عنهما قال9: "لا يجوز أن يقال إنه تعالى في كل مكان كما تقول المعتزلة والقدرية" انتهى.
8 - وقال الشيخ العلامة المحدّث الفقيه الشيخ عبد الله الهرري المعروف بالحبشي ما نصه10: "ثم المعتزلة وجمهور النجارية قالوا: إنه تعالى بكل مكان بالعلم والقدرة والتدبير دون الذات، وهذا باطلٌ لأن من يعلم مكانًا لا يقالُ إنه في ذلك المكان بالعلم، فما شاع عند بعض من ينتسب للتصوف من قول: إن الله تعالى بكل مكان لا يجوز، فقد نقل الشعرانيُّ عن علي الخواص أنه قال: لا يجوز أن يقال إنه تعالى بكل مكان، قال صاحب روح البيان في تفسيره: إنه قول جهلة المتصوفة.
على أن أولئك ما قالوا: موجود بكل مكان، بل قالوا: إنه تعالى بكل مكان من دون أن يضيفوا كلمة موجود؛ وبيْن قول القائل: إن الله بكل مكان وقول القائل: إن الله موجود بكل مكان، فرقٌ كبير لأن كلمة موجود إثبات للتحيز في المكان صريح، اللهم إلا أن يكون بعض الأشخاص لا يفهمون من قولهم موجود التحيزَ، فهؤلاء ينظر في حالهم إن كانوا لا يعتقدون تحيز الذات في الأماكن فلا يكفرون، لكن كلامهم هذا كلام فاسد، أصله إلى المعتزلة والجهمية، فوضح أنّ الذي قالها بالباء أو بحرف في إن كان يفهم من هذه العبارة تحيز الذات القديم الأزلي المقدس في الأماكن كلها فهو كافر من أكفر الكفار، لأنه إذا كان الذي يعتقد أن الله متحيز بمكان واحد كالعرش كافرًا لأنه أثبت لله المشابهة لخلقه وذلك لأن فوق العرش كتابًا كتب الله فيه إن رحمتي تغلب غضبي - رواه البخاري وابن حبان11 - فلو كان الله متحيزًا فوق العرش لكان ذلك الكتاب مثلاً لله، وكذلك اللوح المحفوظ على القول بأنه فوق العرش. فتبين بطلان ظن المشبّهة أن كون الله فوق العرش تنـزيه له عن المثل، فكيف الذي يعتقد في الله التحيز في كل مكان فقد جعله منتشرًا منبثًّا في الأماكن النظيفة والأماكن القذرة، لكن هؤلاء العوام حالُهم يدل على أنهم لا يقصدون التحيز إنما يقصدون أنه تعالى محيط بخلقه قدرة وعلمًا، إلا أن بعضهم يعتقد ذلك الاعتقاد الفاسد وهو أن ذاته منتشر" انتهى.
تحذير: اشتد النكير على المعتزلة والجهمية القائلين بهذه الكلمة الفاسدة كما سبق نقلنا لذلك، وهذا الانحراف في العقيدة عند هؤلاء المبتدعة المعتزلة والجهمية نجده عند سيد قطب في مؤلَّفه الذي فسر فيه القرءان على زعمه حيث قال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ (4)﴾ [سورة الحديد] ما نصه12:
"وهي كلمة على الحقيقة لا على الكناية والمجاز. فالله سبحانه مع كل أحد ومع كل شىء، في كل وقت وفي كل مكان" انتهى.
فالعجب من هؤلاء الجماعات التي تدافع عن سيد قطب وتصفه بالمفكر الإسلامي تارة وبالمفسّر تارة أخرى، مع جهله بعقيدة أهل السنة والجماعة، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
---------------------
1- مشكل الحديث (ص/ 63).
2- المعتزلة فرقة انحرفت عن منهج أهل السنة، وقد عدّها علماء المسلمين من الفِرق المبتدعة لكثرة مقلاتها الشاذة.
3- المصدر السابق (ص/ 65 – 66).
4- كتاب الاعتقاد (ص/ 70).
5- الأربعين في أصول الدين (ص/ 198).
6- الدليل القويم على الصراط المستقيم (ص/ 58).
7- تفسير ابن كثير (ص 3/ 7).
8- فتح الباري (ص 1/ 508).
9- اليواقيت والجواهر (1/ 65).
10- إظهار العقيدة السنية بشرح العقيدة الطحاوية (ص/ 140 – 141).
11- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب التوحيد: باب قول الله تعالى: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ (28)}، وابن حبان في صحيحه: كتاب التاريخ: باب بدء الخلق: ذكر الأخبار عما كان عليه العرش قبل خلق الله جل وعلا السمَوات والأرض، انظر الإحسان (8/ 5).
12- تفسيره المسمى " في ظلال القرءان"، طبعة دار الشروق (مجلد 6/ جزء 27/ ص 3481).

السبت، 2 يناير 2021

من هم الاشاعرة

 من هم الاشاعرة

الحمد لله رب العالمين له النعمة و له الفضل و له الثناء الحسن صلوات الله البر الرحيم و الملائكة المقربين على سيدنا محمدٍ أشرف المرسلين و على ءاله الطيبين الطاهرين و سلام الله عليهم أجمعين أما بعد
فإن من أفضل القربات و أوجب الواجبات وجود أناس في المسلمين يستطيعون أن يقيموا الأدلة لنصرة أهل السنة ضد مخالفيهم، مخالفوا أهل السنة ممن يدعون الإسلام كثيرٌ نحو اثنتين و سبعين فرقة، فيما مضى ظهروا أما اليوم لم يبقى منهم إلا نحو خمسة ثم كل هؤلاء بالنسبة لأهل السنة عددهم قليل أهل السنة دائماً أكثر و أول فرقةٍ مخالفةٍ لأهل السنة ظهرت هم الخوارج ثم فرقة أخرى ثم المعتزلة ثم المرجئة ثم الجبرية ثم النجارية ثم الضرارية ثم المشبهة و أكثر هؤلاء تفرقاً المعتزلة فقد بلغ عددهم عشرين فرقةً و الخوارج كذلك بلغ عددهم عشرين فرقة و فرقة أخرى كذلك بلغ عددهم عشرين فرقة ثم لم يبقى من كل هؤلاء إلا عدد قليل أكثر الفرق إنقرضت.
الوهابية المشبهة يضللون الاشاعرة
اليوم المشبهة هم نفاة التوسل في هذا الزمن لأنهم شبهوا الله بخلقه فقالوا إنه جسم قاعد متحيز فوق العرش ثم المشبهة أقسام منهم من قالوا الله بقدر العرش و منهم من قالوا من جهة التحت بقدر العرش أما من سائر الجهات أوسع من العرش و قسمٌ منهم قالوا نورٌ يتلألأ و قسمٌ منهم قالوا بصورة البشر و منهم فرقٌ أخرى من المشبهة. اليومَ الموجود من المشبهة فرقة نفاة التوسل الذين يقولون الله له أعضاءٌ و إنه قاعدٌ على العرش و لما أقيم عليهم الحجة بفساد قولهم " قاعدٌ على العرش" لأن القعود من صفة الإنسان و البهائم قال بعضهم هو ليس قاعداً إنما هو في هواء العرش حيث لا مكان قالوا فوق العرش حيث لا مكان حتى يروجوا على بعض الناس أن مذهبهم مذهب أهل السنة القائلين أن الله موجودٌ بلا مكان، نحن أهل السنة نقول الله موجود بلا مكان بمعنى أنه ليس متحيزاً في أي جهة من الجهاتِ و لا هو متحيز في جميع الجهات. و أما المرجئة فلم يبقى منها أحدٌ انقرضوا كلهم كانوا يقولون لا يضر مع الإيمان ذنبٌ كما لا ينفع مع الكفر حسنة هؤلاء كفارٌ و المعتزلة يقولون العبد يخلق أفعاله بقدرةٍ خلقها الله فيه يقولون هو يخلق نطقه و نظره و مشيه و حركته و سكونه و تفكيره يقولون ما كان من فعل العبد خيراً أو شراً فالإنسان هو يخلقه و بعضهم يقول الخير الله شاء حصوله و هو يخلقه أما الشر فالعبد يخلقه بدون إرادة الله يقولون الله ما شاء وجود الشر إلا وجود الخير أما العباد قسمٌ منهم أطاعوه و قسمٌ منهم خالفوه. فيجب أن يوجد في المسلمين أناسٌ يستطيعون الرد على هؤلاء كلهم و على سائر الملحدين كالشيوعيين صيانةً لعقيدة أهل السنة و لدفع فتنة المشككين عنهم. أليس نفاة التوسل يشككون الناس حتى يدخلونهم إلى عقيدتهم يكلمونهم بكلامٍ يوهم الناس أنهم على الحق كذلك المعتزلة و المرجئة و غيرهم. في كل زمنٍ لا يخلوا وجود من يقوم بالرد على المخالفين على كل من يخالف أهل السنة بالأدلة النقلية و العقلية أما في هذا الزمن قلّوا جداً .
ثم أكثر هؤلاء تأثيراً للتشويش على أهل السنة هم المشبهة لأنهم يوردون ءاياتٍ و أحاديث ظواهرها أن الله جسمٌ و أن له أعضاءً و أن له حركةً و سكوناً و نزولاً و صعوداً يحتجون بهذه الآيات فيوهمون من ليس له فهمٌ صحيح أن ما يقولونه حقٌ و أن القرءان يوافق ذلك. الله تعالى ما أنزل القرءان ليهتدي به كل إنسان بل أنزله ليهتدي به بعض خلقه و ليضل به بعض خلقه و على هذا تدل هذه الآية { يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً }.
الله قيض الاشاعرة لحفظ هذا الدين
في القرن الثالث الهجري كثر هؤلاء الفرق الشاذة ثم قيض الله تبارك و تعالى في أواخر ذلك العصر إمامين أحدهما عربيٌ و الأخر أعجمي، العربي هو ابو الحسن الأشعري و هو من ذرية أبي موسى الأشعري صاحب رسول الله صلى الله عليه و سلم الذي كان الرسول معجباً بحسن صوته بالقرءان قال في حقه:" لقد أوتي عبد الله ابن قيس مزماراً من مزامير ءال داود" يعني بالمزمار الصوت الحسن لا يعني هذا المزمار الذي ينفخ فيه، فقوله عليه الصلاة و السلام " لقد أوتي عبد الله ابن قيس مزماراً من مزامير ءال داود" أي أقل من داود عليه السلام. داود عليه السلام كان لما يسبح الله الطيور تطرب فترد معه من شدة طربها، من صوت داود الجبال أيضاً كانت تسبح معه نعم الجبال لأن الله إذا شاء أن يصير في الجماد شعورٌ يصير فيه شعور الحجر و غير ذلك و قد حكى رجلٌ من أهل عرسال عن أمه قال: أمي كانت تمسي في الكرم أي كرم العنب، لأن تلك البلدة كرم العنب فيها كثير، قال ذات ليلةٍ سمعت الكرم يقول الله الله. و كذلك جبل الطور الذي كان موسى عنده الله خلق فيه الإدراك فرأى الجبل الله فاندكَّ نزل الجبل فصار سواءً مع الأرض من الهيبة من هيبة الله صار أرضاً و أما موسى عليه السلام طلب من الله أن يريه ذاته المقدس فلم يعطه لكن أعطى الجبل الجبل رأى الله فاندك. داود عليه السلام نبيٌ من أنبياء الله و ما كان يستعمل المزمار إنما صوته في غاية الحسن لذلك قال عليه الصلاة و السلام " قيس مزماراً من مزامير ءال داود"، قال الله تعالى:{ وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ }.
فمن ذرية أبي موسى الأشعري طلع أبو الحسن الأشعري و أما الأخر فيقال له أبو منصور الماتريدي. ابو الحسن الأشعري كان في بغداد و اما أبو منصور الماتريدي كان في بلاد فارس. هذان الإمامان قررا عقائد أهل السنة و أوضحاها إيضاحاً تاماً مع الرد على المخالفين من معتزلةٍ و مشبهةٍ و غيرهم فصار كل أهل السنة بعد هذين الإمامين ينسبون إلى هذين الإمامين فيقال لبعض أهل السنة الاشاعرة و لبعضهم الماتريدية. هؤلاء يسمون الاشاعرة و هؤلاء الماتريدية. و كلا الفريقين الاشاعرة و الماتريدية من أهل السنة ليس بينهما إختلافٌ في أصول العقائد و إنما بينهما إختلافٌ في بعض فروع العقائد و هذا لا يعابان به لأن الإختلاف في فروع العقائد حصل من بعض الصحابة و ذلك أن بعض الصحابة نفوا رؤية النبي لله ليلة المعراج فقالوا ما رءاه و بعضٌ من الصحابة قال الرسول عليه الصلاة و السلام رأى ربه ليلة المعراج فمن المثبتين رؤية النبي ربه ليلة المعراج عبد الله ابن عباسٍ رضي الله عنهما و أنس ابن مالكٍ و أبو ذرٍ الغفاري لكن أبا ذرٍ قال رءاه بفؤاده و لم يره بعينه أما الذين نفوا رؤية النبي لربه تلك الليلة عبد الله ابن مسعودٍ و عائشة رضي الله عنهما هذان قالا لم يرى ربه، فنحن من قال ما رأى ربه لا نقول عنه خالف أهل السنة و من قال رأى ربه كذلك لا نقول إنهم ليسوا من أهل السنة بل نقول كلا الفريقين من أهل السنة لأن هذا الإختلاف في فروع العقيدة و ليس في أصول العقيدة .
أصول العقيدة - والتي عليها الاشاعرة والماتريدية - إعتقاد أن الله موجودٌ لا يشبه غيره بالمرة و لا بوجهٍ من الوجوه و أنه ليس متحيز في جهة و مكان و أنه له صفاتٍ أزليةً أبديةً كما أن ذاته أزليٌ أبدي، علم الله أزليٌ أبديٌ و قدرته و إرادته أزليتان أبديتان و سمعه و بصره أزليان أبديان و كلامه أزليٌ ابديٌ ليس حرفاً و لا صوتاً و أن له بقاءً لا يلحقه فناءٌ كما لم يسبقه عدم و أن له حياةً ليست كحياة غيره أزليةً أبدية و كذلك من أصول العقيدة إعتقاد أن الله واحدٌ و أنه لا يشبه شيئاً و أنه مستغنٍ عن كل شىء و أنه أزليٌ لا ابتداء لوجوده هؤلاء الصفات الثلاثة عشرة هي أصول العقيدة. فهذان الإمامان و أتباعهما لا خلاف بينهم في هذه الصفات الثلاث عشرة أما رؤية النبي لربه ليلة المعراج فمن أثبتها فليس عليه حرجٌ و من نفاها فليس عليه حرج أما رؤية الله في الآخرة فهذه أهل السنة اتفقوا عليها و خالفت المعتزلة فقالوا كيف يُرى الشىء الذي يرى لا بد أن يكون جسماً كثيفاً أو لطيفاً قريباً أو بعيداً و الله لا يجوز عليه هذا فنفوا رؤية الله في الآخرة هؤلاء المعتزلة بإنكارهم لرؤية المؤمنين ربهم في الآخرة ضلوا. أهل السنة يردون على المعتزلة يقولون يُرى من غير أن يكون في مكان لا مانع من أن يُرى بلا مكان و لا جهةٍ و من غير مسافةٍ قريبةٍ أو بعيدةٍ يُرى لا كما يُرى الخلق هذا حجة أهل السنة.
فائدةٌ: إذا قيل ما ذات الله فالجواب أن يقال حقيقته الذي ليس حجماً كثيفاً و لا حجماً لطيفاً أما المخلوق إذا قيل ذاته فهو هذا الحجم اللطيف أو الكثيف ذات الإنسان حجمٌ كثيفٌ أما ذات النور حجمٌ لطيفٌ أما إذا قيل ذات الله فمعناه حيقيته الذي ليس حجماً لطيفاً و لا حجماً كثيفاً فمن قال إن ذات الله جسمٌ كثيفٌ أو لطيف فقد جعله كخلقه و سبحان الله و الحمد لله رب العالمين.

الإمام أحمد الرفاعي امام الرفاعية الصوفية

السيد الجليل والإمام الزاهد أحمد الرفاعي

عرف التاريخ الإسلامي عبر عصوره رجالا صدقوا ما عاهدوا الله عليه، باتباعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الاتباع الكامل ، فكانوا أئمة هدى ونور ، حيث جعلوا الدنيا منهم على القفا ، وسلكوا طريق المصطفى وقاموا بنصرة الشرع القويم والذب عن حياض المسلمين ، فأكرمهم الله تعالى بأن جعلهم من أوليائه الصالحين وعباده المخلصين .
ومن هؤلاء السيد الجليل والإمام الزاهد أحمد الرفاعي الكبير رضي الله عنه
هو الشيخ الزاهد القدوة العارف بالله أبو العباس أحمد بن علي بن أحمد بن يحيى بن حازم بن علي بن رفاعة .
وقد ثبتت نسبته من جهة أمه إلى سيدنا الحسين ابن السيدة فاطمة الزهراء بنت الرسول صلى الله عليه وسلم ويتصل نسبه بأمير المؤمنين أبي بكر الصديق رضي الله عنه من جهة جده الإمام جعفر الصادق لأن أم الإمام جعفر الصادق هي فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه .
*** مولده :
ولد رضي الله عنه سنة 512 للهجرة في العراق في قرية حسن بالبطائح، والبطائح عدة قرى مجتمعة في وسط الماء بين واسط والبصرة، وفي السابعة من عمره توفي أبوه في بغداد فكفله خاله الشيخ الزاهد القدوة منصور البطائحي وقد رباه تربية دينية وأحسن تربيته .
نشأته العلمية ومشايخه :
نشأ الإمام أحمد الرفاعي منذ طفولته نشأة علمية وأخذ في الانكباب على العلوم الشرعية ، فقد درس القرءان العظيم وترتيله على الشيخ المقرىء والشيخ عبد السميع الحربوني في قريته وله من العمر سبع سنين ، وانتقل من خاله ووالدته وأخوته إلى بلدة " نهر دفلي " من قرى واسط في العراق وأدخله خاله على الإمام الفقيه الشيخ أبي الفضل علي الواسطي رضي الله عنه وكان مقرئا ومحدثا وواعظا عالي الشأن . فتولى هذا الإمام أمره وقام بتربيته وتأديبه وتعليمه ، فجدَّ السيد أحمد الرفاعي في الدرس والتحصيل للعلوم الشرعية حتى برع في العلوم النقلية والعقلية ، وأحرز قصب السبق على أقرانه وكان الإمام أحمد الرفاعي رضي الله عنه يلازم دروس العلم ومجالس العلماء ، فقد كان يلازم درس خاله الشيخ أبي بكر سلطان علماء زمانه كما كان يتردد على حلقة خاله الشيخ منصور البطائحي ، وتلقى بعض العلوم على الشيخ عبد الملك الحربوني وحفظ رضي الله عنه كتاب " التنبيه " في الفقه الشافعي للإمام أبي إسحق الشيرازي وقام بشرحه شرحا عظيما ، وأمضى رضي الله عنه أوقاته في تحصيل العلوم الشرعية على أنواعها ، وشمَّر للطاعة وجَدَّ في العبادة حتى أفاض الله عليه من لدنه علما خاصا حتى صار عالما وفقيها شافعيا وعالما ربانيا رجع مشايخه إليه وتأدب مؤدبوه بين يديه .
وكان الشيخ الجليل أبو الفضل علي محدث واسط وشيخها قد أجاز الإمام أحمد الرفاعي وهو في العشرين من عمره إجازة عامة بكل علوم الشريعة والطريقة وأعظم شأنه ولقبه " بأبي العلمين " أي الظاهر والباطن لما أفاض الله عليه من علوم كثيرة حتى انعقد الإجماع في حياة مشايخه واتفقت كلمتهم على عظيم شأنه ورفعة قدره .
وفي الثامن والعشرين من عمر الإمام أحمد الرفاعي الكبير عهد إليه خاله منصور بمشيخة المشايخ ومشيخة الأروقة المنسوبة إليه وأمره بالإقامة في أم عبيدة برواق جده لأمه الشيخ يحيى النجاري والد الشيخ منصور الذي تولى كفالته العلمية وتعليمه منذ طفولته .
*** جهاده في تعليم الناس أمور دينهم :
دأب الإمام الرفاعي كغيره من العلماء العاملين في تعليم الناس أمور دينهم وجَدَّ في الوعظ والإرشاد وعقد حلق العلم حتى كان نبراسا يستضيء به الناس فيما ينفعهم ، وكان رضي الله عنه لا يفتر عن تعليم الناس هدي الرسول صلى الله عليه وسلم وأسرار القرءان العظيم .
وفي رسالة " سواد العينين في مناقب أبي العلمين " للإمام الرافعي قال : أخبرني الفقيه العالم الكبير بغية الصالحين قال : كنت في " أم عبيدة " زائرا عند السيد أحمد الرفاعي في رواقه وحوله من الزائرين أكثر من مائة ألف إنسان منهم الأمراء والعلماء والشيوخ والعامة ، وقد احتفل بإطعامهم وحسن البشر لهم كلٌّ على حاله ، وكان يصعد الكرسي بعد الظهر ، فيعظ الناس ، والناس حلقا حلقا حوله ، فصعد الكرسي بعد ظهر خميس وفي مجلسه وعاظ واسط ، وجم كثير من علماء العراق وأكابر القوم ، فبادر القومَ باسئلة من التفسير وءاخرون بأسئلة من الحديث ، وجماعة من الفقه ، وجماعة من الأصول ، وجماعة من علوم أخرى ، فأجاب على مائتي سؤال من علوم شتى ولم يتغير حاله حال الجواب ، ولا ظهر عليه أثر الحدة ، فأخذتني الحيرة من سائليه ، فقمت وقلت : أما كفاكم هذا ؟ والله لو سألتموه عن كل علم دُوّن لأجابكم بإذن الله بلا تكلف، فتبسم وقال : " دعهم أبا زكريا يسألوني قبل أن يفقدوني ، فإن الدنيا زوال ، والله محول الأحوال " ، فبكى الناس وتلاطم المجلس بأهله وعلا الضجيج ، ومات في المجلس خمس رجال وأسلم من الصابئين ثمانية ءالاف رجل أو أكثر وتاب أربعون ألف رجل.
*** كتبه ومؤلفاته :
للسيد الإمام أحمد الرفاعي مؤلفات كثيرة أكثرها فقد في موقعة التتار ، ومما وصل إلينا من كتبه : " حالة أهل الحقيقة (اي الصوفية ) مع الله – الصراط المستقيم – كتاب الحكم شرح التنبيه ( فقه شافعي ) – البرهان المؤيد – معاني بسم الله الرحمن الرحيم – تفسير سورة القدر – البهجة – النظام الخاص لأهل الاختصاص – المجالس الأحمدية – الطريق إلى الله .
*** سيرته وأخلاقه :
كان رضي الله عنه يأمر في مجلس وعظه بالتزام حدود الشرع ، ويحذر الناس من أهل الشطح والغلو ويقول : " هؤلاء قطاع الطريق فاحذروهم " وكان يكره أصحاب القول بالحلول والوحدة المطلقة الذين يقولون إن الله تعالى يحل بالعالم ويقول : " هؤلاء قوم أخذتهم البدعة من سروجهم ، إياكم ومجالستهم " وكان يأمر باتباع هدى الشريعة والسير على طريقة المصطفى ويقول : " اتبع ولا تبتدع ، فإن اتبعت بلغت النجاة وصرت من أهل السلامة ، وإن ابتدعت هلكت " وبالجملة كان الإمام أحمد الرفاعي الكبير يسير على خطى جده عليه الصلاة والسلام في أقواله وأفعاله وأخلاقه وينهج طريقته حتى نال المقام العالي والدرجات السنية .
*** زهده وتواضعه :
كان الإمام أحمد الرفاعي الكبير متواضعا في نفسه ، خافضا جناحه لإخوانه غير مترفع وغير متكبر عليهم ، وروي عنه أنه قال : " سلكت كل الطرق الموصلة فما رأيت أقرب ولا أسهل ولا أصلح من الافتقار والذل والإنكسار ، فقيل له : يا سيدي فكيف يكون ؟ قال : تعظم أمر الله،
وتشفق على خلق الله ، وتقتدي سنة سيدك رسول الله صلى الله عليه وسلم " ، وكان رضي الله عنه يخدم نفسه ، ويخصف نعله ، ويجمع الحطب بنفسه ويشده بحبل ويحمله إلى بيوت الأرامل والمساكين وأصحاب الحاجات ، ويقضي حاجات المحتاجين ، ويقدم للعميان نعالهم، ويقودهم إذا لقي منهم أناسا إلى محل مطلوبهم ، وكان رضي الله عنه يمشي إلى المجذومين والزمنى ويغسل ثيابهم ويحمل لهم الطعام ، ويأكل معهم ويجالسهم ويسألهم الدعاء ، وكان يعود المرضى ولو سمع بمريض في قرية ولو على بعد يمضي إليه ويعوده ، وكان شفيقا على خلق الله يرأف باليتيم ، ويبكي لحال الفقراء ويفرح لفرحهم ، وكان يتواضع كل التواضع للفقراء .
وقد قال مشايخ أهل عصره : " كل ما حصل للرفاعي من المقامات إنما هو من كثرة شفقته على الخلق وذل نفسه رضي الله عنه ، وكان رضي الله عنه يعظّم العلماء والفقهاء ويأمر بتعظيمهم واحترامهم ويقول :
" هؤلاء أركان الأمة وقادتها " .
*** سخاؤه وزهده وسلامة طويته :
كان رضي الله عنه متجردا من الدنيا ، ولم يدخر أموالها ، بل كان لا يجمع بين لبس قميص وقميص لا في صيف ولا في شتاء ، مع أن ريع أملاكه كان أكثر من ريع أملاك الأمراء ، وكان كل ما يحصل منها ينفقه في سبيل الله على الفقراء والسالكين والواردين إليه ، وكان يقول :
" الزهد أساس الأحوال المرضية والمقامات السنية " ، وكان رضي الله عنه مقتديا بأخلاقه بجده الرسول صلى الله عليه وسلم فكان لا يجازي قط السيئة بالسيئة بل يعفو ويصفح ويصبر على المكاره .
وكان رضي الله عنه يقول : " طريقي دين بلا بدعة ، وعمل بلا كسل ، ونية بلا فساد ، وصدق بلا كذب ، وحال بلا رياء " .
*** تلاميذه والمنتسبون إليه بالطريقة :
كثُر تلاميذ الإمام أحمد الرفاعي الكبير في حياته وبعد مماته حتى قال ابن المهذب في كتابه : " عجائب واسط " : بلغ عدد خلفاء السيد أحمد الرفاعي رضي الله عنه وخلفائهم مائة وثمانين ألفا حال حياته ، ومن عظيم فضل الله على السيد الجليل أحمد الرفاعي أنه لم يكن في بلاد المسلمين مدينة أو بليدة أو قطر تخلو زواياه وربوعه من تلامذته ومحبيه العارفين المرضيين .
وكان غالب الأقطاب المشهورين في الأقطار الإسلامية ينتهون إليه من طريق الخرقة على الغالب ، لذلك لقب الإمام أحمد رضي الله عنه بشيخ الطرائق والشيخ الكبير وأستاذ الجماعة إلى ءاخر ما هنالك من الألقاب .
ومن الذين ينتمون إليه الشيخ الحافظ عز الدين الفاروقي ، والشيخ أحمد البدوي ، والعارف بالله أبو الحسن الشاذلي ، والشيخ نجم الدين الأصفهاني شيخ الإمام الدسوقي ، والشيخ أحمد علوان المالكي ، والحافظ جلال الدين السيوطي ، والشيخ عقيل المنبجي ، والشيخ علي الخواص ، وغيرهم كثيرون من الأقطاب والعلماء ومشايخ الطرق .
*** من كرامات السيد أحمد الرفاعي رضي الله عنه :
الكرامة هي أمر خارق للعادة تظهر على يد المؤمن المستقيم بطاعة الله وبذلك تفترق الكرامة عن السحر والشعوذة ، وتفترق الكرامة عن المعجزة بأن المعجزة تكون لإثبات النبوة ، وأما الكرامة فتكون للدلالة على صدق اتباع صاحبها لنبيه .
وكل ما يصح أن يكون معجزة لنبي صح أن يكون كرامة لولي الا ما كان من خصائص النبوة، ويجب الإيمان بوجود الأولياء وكراماتهم ، والولي هو المؤمن المستقيم بطاعة الله بأداء الواجبات واجتناب المحرمات والإكثار من نوافل العبادات ، لذلك لا ينكر الكرامات التي حصلت وتحصل مع أولياء الله الصالحين إلا الجاهل بأمور الدين ، لأن الله سبحانه نص في كتابه الكريم على كرامات أوليائه المتقين .
والشيخ أحمد الرفاعي الكبير المشهور بعلمه الغزير وزهده وورعه وعبادته وتقواه هو أحد أولياء الله العارفين الذين أنعم الله عليهم بكثير من الكرامات المشهورة والمدون كثير منها في الكتب ، ومن أشهر هذه الكرامات التي تكرم الله بها عليه وأعلاها شأنا تقبيله يد جده سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، وقد تلقاها الناس خلفا عن سلف حتى بلغت مبلغ التواتر ، ولا عبرة بعد ذلك بمن أنكرها وردها ، هذا وقد ذكرها وأثبتها كثير من العلماء في كتبهم منهم " الحافظ السيوطي ، والمحدث المناوي ، والإمام الشعراني وغيرهم من العلماء ، يقول الإمام عز الدين الفاروقي في كتابه " إرشاد المسلمين " : " أخبرني أبي الحافظ محي الدين أبو إسحق عن أبيه الشيخ عمر الفاروقي أنه قال : كنت مع سيدنا وشيخنا السيد أحمد الكبير الرفاعي الحسيني رضي الله عنه عام حجه الأول وذلك سنة خمس وخمسين وخمسمائة ، وقد دخل المدينة يوم دخوله القوافل إليها قوافل الزوار من الشام والعراق واليمن والمغرب والحجاز وبلاد العجم وقد زادوا على تسعين ألفا ، فلما أشرف على المدينة المنورة ترجل عن مطيته ومشى حافيا إلى أن وصل الحرم الشريف المحمدي ولازال حتى وقف تجاه الحجرة العطرة النبوية فقال : السلام عليك يا جدي ، فقال رسول الله له : " وعليك السلام يا ولدي " ، سمع كلامه الشريف كل من في الحرم النبوي ، فتواجد لهذه المنحة العظيمة والنعمة الكبرى وحنَّ وأنَّ وبكى وجثا على ركبتيه مرتعدا ثم قام وقال :
تقبل الأرض عني وهي نائبتي
في حالة البعد روحي كنت أرسلها
فامدد يمينك كي تحظى بها شفتي
وهذه دولة الأشباح قد حضرت
فمدَّ له رسول الله صلى الله عليه وسلم يده الشريفة النورانية من قبره الأزهر الكريم فقبلها والناس ينظرون ، وقد كان في الحرم الشريف الألوف حين خروج اليد الطاهرة المحمدية ، وكان من أكابر العصر فيمن حضر الشيخ حياة بن قيس الحراني ، والشيخ عدي بن مسافر ، والشيخ عقيل المنبجي ، وهؤلاء لبسوا خرقة السيد أحمد رضي الله عنه وعنهم في ذلك اليوم واندرجوا بسلك أتباعه ، وكان فيمن حضر الشيخ أحمد الزاهر الأنصاري ، والشيخ شرف الدين بن عبد السميع الهاشمي العباسي ، وخلائق كلهم تبركوا وتشرفوا برؤيا اليد المحمدية ببركته رضي الله عنه ، وبايعوه هم ومن حضر على المشيخة عليهم وعلى أتباعهم رحمهم الله " .
*** وفاته رضي الله عنه :
عندما بلغ الإمام أحمد السادسة والستين من عمره مرض بداء البطن ( الإسهال الشديد ) وبقي رضي الله عنه مريضا أكثر من شهر ، وكان مع خطورة مرضه يتحمل الآلام الشديدة بدون تأوه أو شكوى ، مستمرا وثابتا على تأدية الطاعات والعبادات التي اعتاد عليها بقدر استطاعته إلى أن وافته المنية يوم الخميس الثاني عشر من شهر جمادى الأولى عام 578 هجرية ، ودفن في قبة جده لأمه الشيخ يحيى البخاري في بلدته أم عبيده ، وكان يوما مهيبا ، رحم الله الإمام أحمد الرفاعي وأعلى مقامه في الجنة .


الجمعة، 1 يناير 2021

إبطال مزاعم القائلين بحرية المعتقد‏

 الحمد لله ربّ العالَمين وصلّى الله وسلَّمَ على سيّدنا محمد النبيّ الأمّيّ الأمين وعلى

ءاله وصحبه الطيّبين الطاهرين.
وبعد ,
قال الله عَزّ وجَل: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ.
اعلَم أنّ مِن جُملة مَن بُلِيَبت بهم هذه الأمّة في هذا الزمن أناسٌ يَقُولون بأنّ الإسلام يضمَن حريّة المعتَقَد ويَصُون ذلك ويُجِيز لأيّ إنسانٍ عِبادة ما يشاء،
ويستَنِدُون إلى جُملَة أمور مِنها ثلاثة:
1.تفسيرهم الباطل لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ.
2.تفسيرهم الباطل لآية: ﴿لَكُمْ دِيْنُكُم وَلِيَ دِينِ.
3.تَمَسُّكُهُم بآيات: ﴿لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ و﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ونحو ذلك وتفسيرها على هواهُم لإثبات شُبَهِهِم.
4.قصة نصارَى نَجْران وما زِيدَ فيها من الافتراء على الرسول.
ونقول في الرَدّ عليهم وبيانِ الحقّ:
أوّلا: في بيان معنَى قوله تعالَى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ.
لا يَجوز تفسير قوله تَعالَى ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ علَى مَعنى أنّ الإنسان له حريّة اختيار ما شاء إيمانًا كان أو كُفرًا ولا مؤاخذَة عليه في ذلك،
لأنّ في ذلك:
أ‌.رَدًّا للنصوص وإبطالًا للمعنى الآتي في سياق الآية وهو قولُه تعالَى: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا.
ب‌.وأيّ معنًى يكون لقوله تعالى: ﴿إنّ الدِينَ عِندَ اللهِ الإسْلامُ بعد ادّعائهم هذا؟!
ج‌.وماذا تكون وظيفة الأنبياء بعد هذا الادّعاء؟ وقد قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ.
د‌.وماذا فَعَل هؤلاء بقَول الله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ؟ فالبُشرَى بالجنّة والنعيم جزاءٌ علَى أيّ عَمَلٍ يكون؟
والإنذار والتخويف بالعقوبة والنار علَى أيِّ شىء يحصل؟
وقد فَسَّر العُلماء قول الله تعالَى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ بِما يُوافِقَ القرءانَ، لأنّ الآيات لا تَتَعارَض.




3)قال الثعلبي في "الكشف والبيان":
وقوله: ﴿فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ ليس بترخيص وتخيير، إنما هو وعيد وتهديد.

4)قال البَغَويّ في تفسيره:
﴿فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ هَذَا عَلَى طَرِيقِ التَّهْدِيدِ وَالْوَعِيدِ كَقَوْلِهِ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ.


5)قال أبو حنيفة في الفقه الأبسط:
وَقَوله تَعَالَى ﴿فَمن شَاءَ فليؤمن وَمن شَاءَ فليكفر فَهُوَ وَعِيد.


ثانيًا: في بيان معنَى قوله تعالَى: ﴿لَكُمْ دِيْنُكُم وَلِيَ دِينِ
ولا يجوز تفسير هذه الآية علَى معنَى أنّ كُلَّ إنسانٍ له الحريّة في اختيار ما شاء مِن الأديان الباطِلة دُونَ الإسلام.
1)قال ابن فُورَك في تفسيره:
معنى ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ لكُم جَزاؤكُم علَى عِبادةِ الأوثانِ – وهو النار - وَلِيَ جَزاءٌ على عِبادة رَبّي – وهو الجنّة - فانظروا ما مُقتَضَى كُلٍ مِن الأَمْرَين.
2)قال الماوَرديُّ في تفسيره:
وهذا تهديد منه لهم، ومعناه: وكَفَى بِجزاء عَمَلِي ثوابًا، قاله ابن عيسى. قال ابن عباس: ليس في القرءانِ سُورةٌ أَشَدّ لِغَيْظ إبليسَ مِن هذه السورةِ لأنها
تَوحِيدٌ وبراءةٌ مِن الشِرك.
3)قال الخازِن في تفسيره:
﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ أي لكم كُفْرُكُم وُلِيَ إخلاصِي وتَوْحِيدي، والمقصود منه التّهديدُ، فهو كقوله﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ.


وقد قال كثير من المفسِّرين بأنّ هذه الآية مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ الجِهَادِ ليس علَى أنّ اختيار غير الإسلام كان مُباحًا مَرضِيًّا ثم صارَ مُحَرَّمًا ممنوعًا، لا، إنما بَعدَ ذلك نَزَل الأمر بقِتال الكُفّار، فقال تَعالى: ﴿وقاتِلُوهُم حتى لا
تَكُونَ فِتنةٌ ويكونَ الدِينُ كُلُّهُ للهِ ومعنى ﴿حتى لا تَكُونَ فِتنةٌ: أي حتى لا يَمنع الكُفّارُ مَن أرادَ الدخولُ في الإسلام مِن الدُخولِ فِيه اتّباع الحق.
ومعنى ﴿ويكونَ الدِينُ كُلُّهُ للهِ: أي حتى يَدخل الناسُ في دين الإسلام، وهذه الآية صريحةٌ لكُلِ ذي بَصِيرة في أن المقصودَ مِن قتال الكُفّار إِدخالهُم في دين الله، دينِ الإسلام، ويدل على ذلك أيضًا الحديثُ
الذي رواه البخاري ومسلم وهو حديث متواتر في إسنادِه العَشَرةُ المبَشَّرُون بالجنة وهو قَولُه صلى الله عليه وسلم: "أُمِرتُ أن أقاتِلَ الناس حتى يَشهَدُوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإذا فَعَلُوا ذلك عَصَمُوا
مِنّي دِماءَهُم وأموالَهُم إلا بِحَقِّ الإسلامِ".
فَمَن رَدَّ هذا يكون رَادًّا لنَصِّ القرءان والحَدِيث. قال الإمام النَسَفِيُّ في عقيدته: وَرَدُّ النُصُوصِ كُفْرٌ.
ثالِثًا: في بيان معنَى قوله تعالَى: ﴿لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ وقولِه: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ

-قال تَعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤمنِينَ.
1)قال الإلبيري المالكي (ت399هـ) في تفسيره:
﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤمنِينَ أَيْ: لا تَسْتَطِيعُ فِعْلَ ذَلِكَ إِنَّمَا يُؤْمِنُ مَنْ يُرِيدُ اللَّهُ عَزّ وَجل أَن يُؤمِنَ.


2)قال الرازي في تفسيره:
وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ بَيَانُ أَنَّ الْقُدْرَةَ الْقَاهِرَةَ وَالْمَشِيئَةَ النَّافِذَةَ لَيْسَتْ إِلَّا لِلْحَقِّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
ثم قال الرازيوَالْمَعْنَى أَنَّكَ مَا أُمِرْتَ إِلَّا بِالتَّذْكِيرِ.
وأتبَعَ الرازي قائلًا: قَالُوا: ثُمَّ نَسَخَتْهَا آيَةُ الْقِتَالِ، هَذَا قَوْلُ جَمِيعِ الْمُفَسِّرِينَ.


-قال تَعالى: ﴿لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ.
نزلت قبل ءايات الجهاد ونُسِخَت بها، وقال بعد العلماء: هو خاصٌّ بأهل الكتاب الذين إذا امتَنعوا من القتال ودَفَعوا الجزية لإمام المسلمين تَرَكَ قِتالهَم.
1)قال الطبري في تفسيره:
ثُمَّ إِنَّهُ نَسَخَ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ، فَأُمِرَ بِقِتَالِ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي سُورَةِ بَرَاءَةَ.
ثم قال: وقال ءخَرُون: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: لا يُكْرَهُ أَهْلُ الْكِتَابِ عَلَى الدِّينِ إِذَا بَذَلُوا الْجِزْيَةَ، وَقَالُوا: الْآيَةُ فِي خَاصٍّ مِنَ الْكُفَّارِ، وَلَمْ يُنْسَخْ مِنْهَا شَيْءٌ.

2)قال ابن عادِل الحنبلي في تفسيره:
وقال ابن مسعود كان هذا في ابتداء الإسلام قبل أن يُؤمَرَ بالقتال، فصارت منسوخةً بآية السَّيف (وهي﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ
وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ).

3)قال الآلوسي في تفسيره:
وأما قوله تعالى ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ وأمثالُه فمَنسُوخٌ بالقِتال.

1)قال القرطبي في تفسيره:
عن ابن عباس: قوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ يقول: من شاء اللهُ له الإيمانَ ءامَنَ، ومَن شاء الله له الكُفْرَ كَفَرَ.
قال ابن زيد في قوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ وقوله:﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ، قال: هذا كُلُّه وَعِيدٌ.
2)قال الزَّجّاجُ اللغوي في "معاني القرءان":
ألا ترى أن قوله بعد: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا فهذا مما يؤكِّد أمرَ الوَعِيدِ.
﴿فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ، وهذا كلام يستعمله الناس في التهدد والوعيد.
تقول: متى أَسَأتَ إلى فلانٍ انتَقَمتُ مِنْكَ ومتى أحْسَنتَ إليه أَحسَنتُ إليك، فاعْمَلْ ما شِئْتَ واخْتَرْ.
رابِعاً: قصة نصارَى نَجران وبيان ما في بعض رواياتها من الافتراء على النَّبيّ
وهي قِصّة يَروِيها بعض أصحاب كُتُب الحديث والتاريخ يقولونه فيها:
إنَّ وفد نصارى نجران قدموا المدينة المنوّرة ودعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام فلم يُسلِموا ورَضُوا بالجزية.
فزاد بعض الحاكِين للقصة زاعِمِين أنّه كان قد حان وقتُ صلاتهم فقام النصارى متَّجِهِين إلى المشرِق، فعلَى زَعْم الراوي قال النبيّ لهم دَعُهم يؤدُّون صلاتَهم في مَسْجِدي!!!
فكيف يَصِحُّ هذا والله تعالى أرسَل النبيّ ءامِرًا بالمعروف ناهِيًا عن المُنكر، وقال تعالَى في كِتابِه العزيز: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ.
فالحَقُّ ظاهِرٌ بَيِّنٌ.
وكَثير مِمَّن يستدل بهذه الشُّبُهات والأباطيل ويُحَرِّف التفاسير يسعَى إلى ما يُسَمَّى بـ (حِوار الأديان) والتحريض على الخروج من دين الإسلام تحت عنوان "حريّة المعتَقَدَ" وإرضاءً للكافِرِين،
نسأل الله العافيةَ والثَّباتَ علَى التَّوحيد والوَفاةَ على كامل الإيمان بجاه النَّبيّ المصطفى عليه الصَّلاة والسَّلام.
والحمد لله ربّ العالَمِين.


بيان معنى حديث يَنْزِلُ ربُّنا ، تباركَ وتعالى ، كُلَّ ليلةٍ إلى السَّماء

بسم الله الرحمن الرحيم الحمدلله الذي نصر عبده بالحجج البينات وأيده بالمعجزات الظاهرات وأظهره على خصومه وقواه بالادلة الدامغات ,الحمدلله المو...