بحث هذه المدونة الإلكترونية

الاثنين، 28 يونيو 2021

الدليل الكافي في تفسير بعض الايات المتشابهه

قال االله تعالى: [وما قدروا الله حق قدره والارض جميعا قبضته يوم القيامه والسماوات مطويات بيمينه سبحانه .........]الزمر (آية:67)

 

وفي حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم:[قلب ابن آدم بين اصبعين من اصابع الرحمن...]

 

 قال الإمام أبو جعفر الطحاوي في عقيدته التي ذكر أنها بيان عقيدة أهل السنة والجماعة ما نصه: "تعالى الله عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات" اهـ.

 

 فأهل السنة والجماعة -سلفا وخلفا- نزّهوا الله عن الأعضاء والجوارح والأعداد فلم يقل قائل منهم إن "اليد" في حق الله "عضو" ولا قالوا "جارحة" ولا قاسوها بعدد

 

الحمد لله الذي جعل العربية افضل اللغات وجعلها لغة اهل الجنة ولغة القرءان ولغة النبي صلى الله عليه وسلم فلا يجوز تفسير القرءان بغير لغة العرب 

 

قال النووي في شرحه على صحيح مسلم 

 

 ...والمقصود أن يد الجارحة مستحيلة ( يعني الله لا يجوز ان يوصف بالجارحة والجارحة هي التي لدينا ولا ينفع ان يقال له يد يعني عضو ولكن لا يشبه اعضائنا فهذا من الفساد والتجسم وهو كفر ) قوله فضحك رسول صلى الله عليه وسلم تعجبا مما قال الحبر تصديقا له ثم قرأ وما قدروا الله حق قدروه ولأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه ظاهر الحديث أن النبى صلى الله عليه وسلم صدق الحبر فى قوله إن الله تعالى يقبض السموات والأرضين والمخلوقات بالأصابع ثم قرأ الآية التى فيها الاشارة الى نحو ما يقول

 

 

قال القاضى وقال بعض المتكلمين ليس ضحكه صلى الله عليه وسلم وتعجبه وتلاوته للآية تصديقا للحبر بل هو رد لقوله وانكار وتعجب من سوء اعتقاده فان مذهب اليهود التجسيم

 

وقال ايضا 

 

وأما إطلاق اليدين تعالى فمتأول على القدرة وكنى عن ذلك باليدين لأن أفعالنا تقع باليدين فخوطبنا بما نفهمه ليكون أوضح وأوكد فى النفوسوذكر اليمين والشمال حتى يتم المثال لأنا نتناول باليمين ما نكرمه وبالشمال ما دونه ولأن اليمين فى حقنا يقوى لما لا يقوى له الشمال ومعلوم أن السموات أعظم من الأرض فأضافها الى اليمين والأرضين الى الشمال ليظهر التقريب فى الاستعارة وان كان الله سبحانه وتعالى لا يوصف بأن شيئا أخف عليه من شىء ولا أثقل من شىء هذا مختصر كلام المازرى فى هذا قال القاضى وفى هذا الحديث ثلاثة ألفاظ يقبض ويطوى ويأخذ كله بمعنى الجمع لأن السموات مبسوطه والأرضين مدخوة وممدودة ثم يرجع ذلك الى معنى الرفع والازالة وتبديل الأرض والسموات فعاد كله الى ضم بعضها الى بعض ورفعها وتبديلها تغيرها قال فأتى النبى صلى الله عليه وسلم أصابعه وبسطها تمثيل لقبض هذه المخلوقات وجمعها بعد بسطها وحكاية للمبسوط والمقبوض وهو السموات والارضون لا اشارة الى القبض والبسط الذى هو صفة القابض والباسط سبحانه وتعالى ولا تمثيل لصفة الله تعالى السمعية المسماة باليد التى ليست بحارحة

 

 وقال النووي قال عياض 

 

قال والله أعلم بمراد نبيه صلى الله عليه وسلم فيما ورد فى هذه الأحاديث من مشكل ونحن نؤمن بالله تعالى وصفاته ولا نشبه شيئا به ولا نشبهه بشىء ليس كمثله شىء وهو السميع البصير وما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم وثبت عنه فهو حق وصدق فما أدركنا علمه فبفضل الله تعالى وما خفى علينا آمنا به ووكلنا علمه اليه سبحانه وتعالى وحملنا لفظه على ما احتمل فى لسان العرب الذى خوطبنا به ولم نقطع على أحد معنييه بعد تنزيهه سبحانه عن ظاهره الذى لا يليق به سبحانه وتعالى وبالله التوفيق . انتهى كلام النووي

 

ان كلام العلماء هو تنزيه الله تعالى عن هذا الظاهر المتبادر الى بعض اذهان الناس وما هذا الا من تمويهات الوهابية فانه يصفون الله تعالى بالجارحة ولكن يقولون ليس كجوارحنا

 

 

قال الحافظ السيوطي في كتابه: "الإتقان": "من المتشابه آيات الصفات، ولابناللَّبَّان فيها تصنيف مُفْرد، نحو: "الرحمن على العرش استوى"، "كل شيء هالك إلاوجهه"، "ويبقى وجه ربك"، "ولتصنع على عيني"، "يد الله فوق أيديهم"، "لما خلقتبيدي"، "والسموات مطويات بيمينه". وجمهور أهل السنة، منهم السلف وأهل الحديث: علىالإيمان بها، وتفويض معناها المراد منها إلى الله تعالى، ولا نُفَسِّرها مع تنزيهناله عن حقيقتها" ا.هـ المراد

 

فلو نظرنا الى كلام الامام عن قوله تنزيهنا له عن حقيقتها وحقيقة قبضة اليد اي الجسم اي العضو فالله منزه عن العضو وقد قال الامام الطحاوي ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر

 

 اما بالنسبة للصورة يعني الهيئة يعني الشكل والعياذ بالله فالله تعالى منزه عن هذه الاشياء لان من كان له صورة او شكل حتى لو كنا لا نعلم هذا الشكل ولا هذه الصورة فانه لا شك محتاج لمن خصه بهذا الشكل وهذه الصورة عن غيرها من الاشكال والصور ومن كذلك فهو مخلوق ولا حول ولا قوة الا بالله

 

قال الإمام الجوزي عقب حديث قلب ابن آدم بين اصبعين: ولما كان القلب بين إصبعين ذليلا مقهورا دلَّ بهذا على أن القلوب مقهورة لمقلِّبها

 

وقال البيهقي عقب ذكره الحديث: فقد قرأت بخط أبي حاتم أحمد بن محمد الخطيب في تأويل هذا الخبر قيل: معناه تحت قدرته وملكه وفائدة تخصيصها بالذكر أن الله تعالى جعل القلوب محلا للخواطر والإيرادات والعزوم والنيات وهي مقدمات الأفعال ثم جعل سائر الجوارح تابعة لها في الحركات والسكنات ودل بذلك على أن أفعالنا مقدورة لله تعالى مخلوقة لا يقع شىء دون ارادة الله

 

فالعلماء اثبتوا ان الله تعالى يستحيل عليه ان يكون له اعضاء بل السلف قالوا هذا ومنهم الامام الطحاوي رضي الله عنه فقال في عقيدته تعالى الله عن الغايات والاركان والاعضاء .... فالسلف ينزهون الله عن الاعضاء ولكن الوهابية مدعي السلفية يثبتون لله الاعضاء

 

اللغة العربية فيها المجاز  

 

ففي لسان العرب ما نصه: "ابن الأَعرابي: اليَدُ النِّعْمةُ، واليَدُ القُوَّةُ، واليَدُ القُدْرة، واليَدُ المِلْكُ، واليَدُ السُلْطانُ، واليَدُ الطاعةُ، واليَدُ الجَماعةُ، واليَدُ الأَكْلُ" اهـ.

 

وفيه: "واليَدُ النَّدَمُ، ومنه يقال: سُقِط في يده إِذا نَدِمَ، وأُسْقِطَ أَي: نَدِمَ. وفي التنزيل العزيز: {وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ} [الأعراف] أَي: نَدِمُوا، واليَدُ الغِياثُ، واليَدُ مَنْعُ الظُّلْمِ، واليَدُ الاسْتِسلامُ، واليدُ الكَفالةُ في الرَّهْن؛ ويقال للمعاتِب: هذه يدي لكَ" اهـ.

 

وفيه: "وفي الحديث: "أَنه -صلى الله عليه وسلم- قال في مناجاته ربه وهذه يدي لك". أَي: اسْتَسْلَمَتُ إِليك وانْقَدْت لك، كما يقال في خلافِه: نزَعَ يدَه من الطاعة. ومنه حديث عثمان -رضي الله تعالى عنه-: "هذه يَدي لعَمَّار". أَي: أَنا مُسْتَسْلِمٌ له مُنْقادٌ فليَحْتَكِمْ عليَّ بماشاء" اهـ.

 

وفيه: "ويقال: اليَدُ لفلان على فلان أَي: الأَمْرُ النافِذُ والقَهْرُ والغَلَبةُ، كما تقول: الرِّيحُ لفلان. 

 

وقوله عز وجل: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ} [التوبة]. قيل: معناه عن ذُلٍّ وعن اعْتِرافٍ للمسلمين بأَن أَيْدِيَهم فوق أَيْدِيهم، وقيل: عن يَدٍ أَي: عن إِنْعام عليهم بذلك لأَنَّ قَبول الجِزْية وتَرْكَ أَنْفُسهم عليهم نِعمةٌ عليهم ويَدٌ من المعروف جَزِيلة، وقيل: عن يَدٍ أَي: عن قَهْرٍ وذُلٍّ واسْتِسْلام، كما تقول: اليَدُ فيهذا لفلان أَي: الأَمرُ النافِذُ لفُلان" اهـ.وفيه: "وفي حديث الهجرة: "فأَخَذَ بهم يَدَ البحرط. أَي: طريق الساحل" اهـ.

 

وفي الحديث: "المُسْلِمُونَ تتَكافَأُ دماؤُهم ويَسْعَى بذِمَّتهم أَدْناهم وهم يَدٌ على مَن سِواهم" أَي: كَلِمَتُهم واحدة، فبعضُهم يُقوّي بَعْضًا، والجمع أَيْدٍ، قال أَبو عبيد: معنى قوله: يَدٌ على مَن سواهمأَي: هم مجتمعون على أَعدائِهم وأَمرُهم واحد، لا يَسَعُهم التَّخاذُل بليُعاوِنُ بعضُهم بعضًا، وكَلِمَتُهم ونُصْرَتُهم واحدةٌ على جميع المِلَلِ والأَدْيانِ المُحاربةِ لهم، يتَعاوَنون على جميعهم ولا يَخْذُل بعضُهم بعضًا، كأَنه جعل أَيْدِيَهم يَدًا واحدةً وفِعْلَهم فِعْلاً واحدا.

 

.وقوله تعالى: {بَل يَداهُ مَبسوطَتانِ} [المائدة].قالوا: نعمته وقدرته.

 

 ففي لسان العرب: "يقال: فلان طَوِيلُ اليَدِ وطويلُ الباعِ إِذا كان سَمْحاً جَوادا" اهـ.

 

وفيه: "واليَدُ: الغِنَى والقُدْرةُ، تقول: لي عليه يَدٌ أَي: قُدْرة" اهـ.*وقوله تعالى: {لِمَا خَلَقتُ بِيَديَّ} [ص].

 

قالوا: نعمته وإحسانه.

 

وفي لسان العرب ما نصه: "والعرب تقول: ما لي به يَدٌ أَي: ما لي به قُوَّة، وما لي به يَدانِ، وما لهم بذلك أَيْدٍ أَي: قُوَّةٌ، ولهم أَيْدٍ وأَبْصار وهم أُولُو الأَيْدي والأَبْصار" اهـ.

 

وفيه: "يقال: فلان طَوِيلُ اليَدِ وطويلُ الباعِ إِذا كان سَمْحاً جَوادا" اهـ.*وقوله تعالى: {وَالسَماء بَنَيناها بِأَيْدٍ} [الذاريات].

 

قالوا: أي بقوة.

 

وفي التنزيل العزيز: {أُولِي الأيْدِي وَالأَبْصَارِ} [ص] قيل: معناه أُولي القُوَّة والعقول.

 

*وقوله تعالى: {خَلَقنا لَهُم مِمَّا عَمِلَت أَيدينا أَنعامًا} [يس] 

 

قالوا: أي مما عملنا نحن أي مما أبدعناه وعملناه من غير واسطة ولا وكالة ولا شركة، كما في [الجامع لأحكام القرءان للقرطبي].

 

 وفي حديث يأْجُوجَ ومأْجُوجَ: "قد أَخْرَجْتُ عِبادًا لِي لا يَدانِ لأَحَدٍ بِقِتالِهمْ". أَي: لا قُدْرَةَ ولا طاقَة.

 

{ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ } (171) سورة النساء

 

 ومعنى روح منه اي انها اي روح المسيح عليه السلام صادرة خلقا وتكوينا من الله وليس المعنى ان لله روح وعيسى عليه السلام جزء من الله 

 

 ان من اعتقد ان لله يد بمعنى العضو يعني الجارحة او قبضة بمعنى العضو يعني الجارحة او غير ذلك مما ورد بالحديث او الايات فاعتقد انها عضو فهذا مشبه ولو زعم وقال انا لست مشبه ولو قال انا انفي ان اقول هي كاعضائنا لانه بمجرد وصف الله بالعضو صار تشبيه

 

وهذا القول اي نسبة العضو لله في نسبة الجزء من الكل وفيه نسبة التجسيم لله تعالى

 

ومعتقد هذا الكلام كافر بربه عليه الرجوع للاسلام بالنطق بالشهادتين بقول لا اله الا الله محمد رسول الله


الأحد، 20 يونيو 2021

القرءان يتعاضد ولا يتناقض


اعلم رحمك الله تعالى أن الله تعالى جعل ءايات القرءان وكلام الرسول صلى الله عليه وسلم فيه المحكم وفيه المتشابه ومعنى المحكم: ماكان واضح الدلالة على المعنى المراد نحو قوله تعالى:{ليس كمثله شئ} فهذه الآية معناها أن الله لايشبه شئ ولا شئ يشبه الله. وأما المتشابه: فهو ما يحتمل أوجهاً عديدةً بحسب اللغة العربية ويحتاج للنظر للوصول إلى معناه المراد وحمله على ما يوافق الآيات المحكمات. وقد جعل الله تعالى الآيات المحكمات الأصل والمرجع الذي لا يجوز الخروج عنه عند تفسير أي نص قرءاني أو حديثي قال تعالى:{هو الذي أنزل عليك الكتاب منه ءايات محكمات هن أم الكتاب} معناها: أن الآيات المحكمات هن المرجع والأصل الذي لا يخرج عنه في تفسير أي آية أو حديث. والله تعالى له أن يبتلي عباده بما شاء ومن جملة ما ابتلاهم به أن جعل في القرءان والحديث المحكم والمتشابه فضلّ أناسٌ حملوا المتشابه على ظاهره وجعلوا القرءان متناقضاً والحديث كذلك وهدى الله أهل السنة والجماعة للحق والصواب ففهموا الآيات المتشابهات على وجهها المراد وفسروها على وجه ينسجم مع الآيات المحكمات فقالوا في قول الله تعالى:{الرحمن على العرش استوى} هو إخبار عن قهر الله للعرش وأنه مسيطر عليه ففي لغة العرب يقال: استوى فلان على الممالك بمعنى القهر والغلبة وليس ذلك نقصا في حق الله ولا يفيد المغالبة كما أنك إذا قلت خلق الله الخلق ليس معناه أن الله كان عاجزا ثم صار قادرا بل المعنى أوجد الله الخلق بتخليقه الأزلي ففعل الله أزلي والمفعول حادث وفائدة تخصيص العرش بالذكر دون سائر المخلوقات مع كون الله قاهر كل شئ أن العرش هو أكبر جسم خلقه الله فإذا فهم أن الله مسيطر عليه فهم أن الله مسيطر على كل شئ كما قال الله تعالى: {وهو رب العرش العظيممع أنه ربُ كل شئ ثم كلمة استوى في لغة العرب قال الحافظ المتبحر أبوبكر بن العربي:إن لها خمسة عشر معنى فلماذا ترك المشبهة المجسمة نفاة التوسل المعاني اللائقة بالله وحملوها على معاني الخلق من الجلوس والاستقرار والكون في جهة فوق العرش تعالى الله عن ذلك. فمن جملة معاني استوى قهر وحفظ وأبقى وهذه تليق بالله ومن جملة معانيها تم وجلس واستقر ومال عن الاعوجاجِ ونضِج وهذه المعاني تليق بالخلق ولا تليق بالخالق قال الإمام أبو جعفر الطحاوي المتوفى سنة ثلاثمائة وسبع وعشرين للهجرة عن الله: تعالى عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات وقال: ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر . ومعاني البشر كثيرة وهي صفاتهم منها الجلوس والاستقرار والقعود والكون في مكان وجهة فكل هذا لا يجوز على الله. ثم المحدود في لغة العرب معناه ماله حجم إن كان صغيرا أو كبيرا والجالس على شئ له حجم إما بقدر ماجلس عليه أو أوسع أو أقل وفي كل هذه الأحوال لا يكون إلا مخلوقا تعالى الله عن ذلك. وقوله لا تحويه الجهات الست معناه الله موجودٌ بلا مكان روى الحافظ أبو نعيم عن علي رضي الله عنه أنه قال: من زعم أن إلهنا محدود فقد جهل الخالق المعبود.
أما قوله تعالى:{إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش} فثم هنا بمعنى الواو المعنى الله خلق السموات والأرض وما بينهما وهو قاهرٌ العرش الذي خلقه قبل السموات والأرض. قال الشاعر العربي:
إن من ساد ثم ساد أبوه * ثم قد ساد قبل ذلك جده
فظاهر هنا أن ثم هنا جاءت لمعنى الواو وليس لمعنى الترتيب.
وأما قوله تعالى:{إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} فليس معناه أن الله يسكن في جهة فوق إنما المعنى أن الكلام الطيب كذكر الله والعمل الصالح تسجله الملائكة وترفعه إلى السماء التي هي محل كرامة الله. ثم يقال لهؤلاء المشبهة المجسمة لم لم تأخذوا بظاهر الآية {وهو معكم أين ماكنتم} فتقولوا إن الله مع كل إنسان في كل مكان والعياذ بالله ولم لم تأخذوا بظاهر قوله تعالى:{فأينما تولوا فثم وجه الله} وتقولوا إن الله يحيط بالعالم يحدق به ولم لم تأخذوا بظاهر قوله تعالى: {وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله} فتقولوا إن الله يسكن الأرض كما يسكن السماء بزعمكم ولم لم تأخذوا بظاهر قوله تعالى:{والله من ورائهم محيطولم لم تأخذوا بظاهر قوله تعالى: {ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رؤوسهم عند ربهم} فتجعلوا بزعمكم الكفار في مكان مع الله فإن قلتم لا يليق بالله أن يكون في جهة الأرض فلذلك أولنا هذه الآيات فيقال لكم: لا يليق بالله أن يكون في جهة من الجهات لا جهة فوق ولا جهة تحت فارجعوا عن تشبيهكم لله بخلقه وإثبات جهة فوق له وإثبات الجلوس له وإثبات النزول والصعود الحقيقيين له واعتقدوا عقيدة أهل السنة والجماعة عقيدة الرسول والصحابة ومن تبعهم بإحسان أن الله ليس جسما وأنه موجود بلا مكان ولا جهة.
وأما قوله تعالى: {وهو العلي العظيمفمعناه علو القدر لا المكان والجهة والعظيم أعظم من كل شئ قدرا لا حجما.
وأما قوله تعالى:{سبح اسم ربك الأعلى} فمعناه الذي هو أعلى من كل شئ قدرا.
وأما قوله تعالى: {يخافون ربهم من فوقهم} فمعناه فوقية القهر لا فوقية الجهة والمكان.
وأما ماحصل مع الرسول في المعراج فلم يقل أحد من المسلمين إن الرسول وصل إلى مكان ينتهي إليه وجود الله أو أن الرسول التقى بالله كما يلتقي المخلوق بالمخلوق بل المراد بالمعراج تشريف الرسول وتعظيم مكانته بإطلاعه على عجائب العالم العلوي ووصوله إلى مكان لم يصله أحد من البشر وإلا فإن الله تعالى كان موجودا قبل المكان قبل الجهات قبل السموات والأرض والعرش والكرسي كان موجودا بلا مكان وهو الذي يغير ولا يتغير فمازال موجودا بلا مكان. ثم المكان هو الفراغ الذي يشغله الحجم فلو كان الله في مكان لكان حجما تعالى الله عن ذلك قال تعالى: {وكل شئ عنده بمقدار} معناه خلق الله المخلوقات على مقادير مختلفة من الأحجام الكبير والصغير وما بين ذلك فهل يعقل أن يكون الخالق كشئ من خلقه تعالى الله عن ذلك.
وأما ما جاء في حديث المعراج أن موسى قال للرسول ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف فليس معناه ارجع إلى المكان الذي فيه ربُك إنما معناه ارجع إلى المكان الذي تتلقى فيه الوحي من ربك لاستحالة المكان والجهة على الله. وأما قوله تعالى: {ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى} فمعناه دنا جبريل من محمد وتدلى إليه حتى كان ما بينهما قدر ذراعين بل أقرب.
وأما حديث: لما خلق الله الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش إلى ءاخره فمعناه عنديةُ التشريف لا المكان والجهة فهل يقول هؤلاء المجسمة والمشبهة في قوله تعالى: {مسومة عند ربك} إن تلك الحجارة في مكان فيه الله بزعمهم وهل يقولون في قوله تعالى: {ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رؤوسهم عند ربهمإن الكفار في مكان مع الله والعياذ بالله.
واما حديث الصحيحين: ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء فالمقصود به جبريل عليه السلام الذي هو رسول الوحي.كما في قول الله تعالى ءأمنتم من في السماء فقد فُسر بالملائكة كما قال الحافظ العراقي الذي روى حديث الراحمون يرحمهم الرحيم ارحموا أهل الأرض يرحمكم أهل السماء فأهل السماء هم الملائكة وهذه الرواية تفسر الرواية المشهورة الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء أي الملائكة. ورحمة الملائكة لنا تكون باستغفارهم لنا والدعاء.
وأما حديث مسلم والذي فيه أن الرسول قال للجاريةِ أين الله فقالت في السماء فمعناه رفيع القدر جداً إذ لا يجوز أن يحكم الرسول بالإسلام على إنسان يجعل لله مكاناً لأن المكان من صفات الخلق وهذا الحديث كما قال الحافظ النووي من الأحاديث المتشابهة التي لا يجوز حملها على الظاهر لأن حمل النصوص المتشابهة على الظاهر يؤدي إلى التناقض والتناقض في كلام الله مستحيل.
فالحق الذي عليه الرسول والصحابة وكل المسلمين أن الله تعالى خالق كل شئ خالق الحجم اللطيف كالنور والريح والملائكة وخالق الحجم الكثيف كالإنسان والحجر والعرش وخالق صفات الأحجام كالحرارة والبرودة والحركة والسكون وهو تعالى لا يشبهها ولا يتصف بصفاتها فهو موجود بلا مكان ولا جهة أزلا وأبدا ولا يتغير.
وليحذر من المشبهة المجسمة نفاة التوسل الذين يكفرون المسلمين بلا حق ويعتقدون في الله الجسمية والجهة والمكان والجلوس والحركة والسكون تعالى الله عما يقولون وهم بذلك كذبوا قوله تعالى ليس كمثله شئ وليحذر من الحافظ الذهبي المجسم المشبه ومن كتابه المسمى العلو للعلي الغفار الذي حشاه بالتشبيه والتجسيم. كما يجب الحذر من ابن القيم الجوزية الذي هو تلميذ ابن تيمية وكلاهما مشبهان مجسمان يعتقدان في الله الجهة والمكان وقد صرحا بذلك في كتبهما فلا يجوز الاعتماد عليهما بل يجب الحذر منهما ومن كتبهما ومن اتباعهما.
نسأل الله أن يثبتنا على الحق ما أحيانا وأن يحفظنا من فتنة التشبيه وأن يكف شر هذه الفتنة عن المسلمين والله أعلم وأحكم.


الجمعة، 7 مايو 2021

المقام المحمود


قال الله تعالى (عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا) المقامُ المحمودُ في الآيةِ الشَرِيفَةِ فهو الشفاعةُ العُظْمَى كما صحَّ في الحديثِ مِن روايةِ البخاريِّ ومسلمٍ والتِرْمِذِيِّ وغيرِهم

وما يُرْوَى عن مُـجاهِدٍ مِنْ أنَّهُ صلى الله عليه وسلمَ يَقْعُدُ على العرشِ لا يصِحُّ ومخالف لنصّ النبيِّ صلى الله عليه وسلم في أنه الشفاعةُ، ويزعُمُه بعضُهم بزيادةِ لفظِ (معَ اللهِ)، فهٰذا باطلٌ جدًّا، قلتُ وهو رِوايَةُ ليثِ بنِ أبي سُلَيْمٍ عنه، وفيه ضَعْفٌ لِنَقْصٍ في حِفْظِهِ، وَلَسنا مُكلَّفِينَ بقَبُولِها مِنْ أجلِ رجلٍ في الاحتجاجِ بهِ في أحاديثِ أحكامِ الفقهِ كلامٌ طويلٌ، فكيفَ بمِثْلِ هٰذا الأمرِ العظيمِ، وقدْ رَوَى مَنْ هو أضبَطُ مِنْهُ عن مُجاهِدٍ وهو ابنُ أبي نَجِيْحٍ أنّ المقامَ المحمودَ هو الشفاعةُ العُظْمَى، قال الذهبي في سير أعلام النبلاءِ (6 – 126) قال علي (أما التَفْسِيرُ فهو فيهِ ثِقَةٌ يَعْلَمُهُ قَدْ قَفَزَ القَنْطَرَةَ واحْتَجَّ بهِ أَرْبابُ الصِّحَاحِ). انتهى

قال الحافظ ابن حجر في شرح البخاري (11 – 426 – 427) قال ابن بطال أنكرت المعتزلة والخوارج الشفاعة في إخراج من أدخل النار من المذنبين وتمسكوا بقوله تعالى (فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ) وغير ذلك من الآيات، وأجاب أهل السنة بأنها في الكفار، وجاءت الأحاديث في إثبات الشفاعة المحمدية متواترة ودل عليها قوله تعالى (عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا) والجمهور على أن المراد به الشفاعة وبالغ الواحدي فنقل فيه الإجماع ولكنه أشار إلى ما جاء عن مجاهد وزيفه، وقال الطبري (قال أكثر أهل التأويل المقام المحمود هو الذي يقومه النبي صلى الله عليه وسلم ليريحهم من كرب الموقف، ثم أخرج عدة أحاديث بعضها التصريح بذلك وفي بعضها مطلق الشفاعة). اهـ

قال الحافظ ابن عبد البر(463) في التمهيد (19 – 63 – 64) على هذا أهل العلم في تأويل قول الله عز وجل (عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا) أنه الشفاعة، وقد روي عن مجاهد أن المقام المحمود أن يقعده معه يوم القيامة على العرش وهذا عندهم منكر في تفسير هذه الآية، والذي عليه جماعة العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الخالفين أن المقام المحمود هو المقام الذي يشفع فيه لأمته، وقد روي عن مجاهد مثل ما عليه الجماعة من ذلك، فصار إجماعا في تأويل الآية من أهل العلم بالكتاب والسنة، ذكر ابن أبي شيبة عن شبابة عن ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى (عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا) قال شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم. انتهى

وفِي شَرْح صَحِيح مُسْلِمِ لِلقَاضِى عِيَاض (المتوفى 544 هـ) المُسَمَّى إِكمَالُ المُعْلِمِ بفَوَائِدِ مُسْلِم، كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها (وذكر مسلم من حديث جابر المقام المحمود أنه الذى يُخرِجُ الله به من يُخرجَ من النار، ومثله عن أبى هريرة وابن عباس وابن مسعود وغيرهم، وقد روى فى الصحيح عن ابن عمر ما ظاهره أنها شفاعةُ المحشر، قال فذلك يوم يبعثه الله المقام المحمود وعن حذيفة وذكر المحشر وكون الناس فيه سكوت لا تكلم نفسٌ إلا بإذنه، فينادى محمداً فيقول لبيك وسَعْديك والخير فى يديك .. إلى آخر كلامه، قال فذلك المقام المحمود. وعن كعب بن مالك يُحشر الناس على تلّ فيكسونى ربى حُلةً خضراء ثم نودى بى، فأقول ما شاء اللهُ أن أقول فذلك المقام المحمود، وعن عبد الله بن سلام محمد عليه السلام على كرسى الرب بين يدى الله عز وجل وقد روى عن مجاهد فى ذلك قولاً منكراً لا يصح……) إلى آخر كلامه.

وذكر الحافظ السيوطي (ت 911 هـ) في كتابه تحذير الخواص من أحاديث القصاص(مخطوط 15) وفي بعض المجاميع أن قاصا جلس ببغداد فروى في تفسير قوله تعالى (عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا) أنه يجلسه معه على عرشه فبلغ ذلك الإمام محمد بن جرير الطبري فاحتد من ذلك وبالغ في انكاره وكتب على باب داره:

سبحان من ليس له أنيس *** ولا له في عرشه جليس

وفي ترجمة الإمام محمد بن جرير الطبري شيخ المفسرين (310هـ) ذكر ياقوت الحموي (626 هـ) في كتابه معجم الأدباء (6 – 2450) أن الإمام الطبري قال وأما حديث الجلوس على العرش فمحال، ثم أنشد:

سبحان من ليس له أنيس *** ولا له في عرشه جليس

وقال الحافظ ابن الجوزي في دفع شبه التشبيه (ص – 68) روي عن عائشة رضي الله عنها قالت سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المقام المحمود قال وعدني ربي بالقعود على العرش، قلت هذا حديث مكذوب لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال ابن حامد المجسم يجب الإيمان بما ورد من المماسة والقرب من الحق لنبيه في إقعاده على العرش، قال وقال ابن عمر (وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى) قال ذكر الله الدنو منه حتى يمس بعضه، قلت وهذا كذب على ابن عمر، ومن ذكر تبعيض الذات كفر بالإجماع). اهـ

قال ابن كثير في تاريخه (15 – 42) وقعت فتنة ببغداد بين أصحاب أبي بكر المروذي الحنبلي وبين طائفة من العامة اختلفوا في تفسير قوله تعالى (عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا) فقالت الحنابلة يجلسه معه على العرش وقال الآخرون المراد بذلك الشفاعة العظمى، فاقتتلوا بسبب ذلك وقتل بينهم قتلى، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وقد ثبت في صحيح البخاري أن المراد بذلك مقام الشفاعة العظمى، وهي الشفاعة في فصل القضاء بين العباد، وهو المقام الذي يرغب إليه فيه الخلق كلهم، حتى إبراهيم، ويغبطه به الأولون والآخرون). اهـ

وقال الكوثري في تكملته (ص – 105) (جزى اللهُ الواحديَّ خيرا حيث رد تلك الأخلوقة ردا مشبعا وكذا ابن المعلم القرشي) أقول ويكفي لعدم ثبوت صفة لله تعالى بهذه الرواية وأمثالها العمل بقاعدة لا تثبت الصفة لله إلا بكتاب ناطق أو خبر مقطوع بصحته كما نقل الإمام البيهقي في الأسماء والصفات (ص 317) عن الإمام الخطابي، فهذه القاعدة تريح من تكلف الجواب عن بعض ما يروى عن أفراد الصحابة والتابعين.

فضيحة:

ذكر الخلال في كتابه المسمى بالسنة (1 – 232) نقلا عن بعض المجسمة من رد حديث محمد بن فضيل عن ليث عن مجاهد في قوله (عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا) قال يقعده على العرش فهو عندنا جهمي يهجر ونحذر عنه، ثم قال (1 – 238) نقلا عن بعض المجسمة ومن رد حديث مجاهد فقد دفع فضل رسول الله ومن رد فضيلة الرسول فهو عندنا كافر مرتد عن الإسلام، ثم قال والذي ندين الله عز وجل به حديث مجاهد يقعده على العرش فمن رد هذا فهو عندنا جهمي كافر. اهـ

وأما الذهبي فقد قال في كتابه العلو (1 – 170) فأما قضية قعود نبينا على العرش فلم يثبت في ذلك نص، وقال أيضا (1 – 131) ويروى مرفوعا وهو باطل. اهـ

وأما الألباني الوهابي فقال في مقدمة مختصر العلو (ص – 17) في بيان أنه ثبت في الصحاح أن المقام المحمود هو الشفاعة العامة الخاصة بنبينا صلى الله عليه وسلم، قلت وهذا هو الحق في تفسير المقام المحمود دون شك ولا ريب للأحاديث التي أشار إليها المصنف رحمه الله تعالى وهو الذي صححه الإمام ابن جرير في تفسيره (15 – 99) ثم القرطبي (10 – 309) وهو الذي لم يذكر الحافظ ابن كثير غيره وساق الأحاديث المشار إليها، بل هو الثابت عند مجاهد نفسه من طريقين عنه عند ابن جرير، وذاك الأثر عنه ليس له طريق معتبر). اهـ

أقول فيا لها من فضيحة على المشبهة فقد رمى بعضهم البعض بما يرمون به غيرهم، بالكفر تارة، وبمذهب الجهمية تارة أخرى، قال تعالى (وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ). اهـ

فائدة:
ليث بن أبي سليم: قال عبد الله بن أحمد عن أبيه مضطرب الحديث، وقال عثمان بن أبي شيبة سألت جريرا عن ليث ويزيد بن أبي زياد وعطاء ابن السائب فقال كان يزيد أحسنهم إستقامة ثم عطاء وكان ليث أكثر تخليطا، قال عبد الله بن أحمد سألت أبي عن هذا، فقال أقول كما قال، وقال إبراهيم بن سعيد الجوهري عن يحيى بن معين كان يحيى بن سعيد لا يحدث عنه، وكذا قال عمرو بن علي وابن المثنى وعلي بن المديني وزاد عن يحيى مجالد أحب إلي من ليث وحجاج ابن أرطاة، وقال أبو المعتمر القطيعي كان ابن عيينة يضعف ليث بن أبي سليم، وقال ابن أبي حاتم سمعت أبي وابا زرعة يقولان ليث لا يشتغل به هو مضطرب الحديث، قال وقال أبو زرعة ليث بن أبي سليم لين الحديث لا تقوم به الحجة عند أهل العلم بالحديث، وقال الحاكم أبو عبد الله مجمع على سوء حفظه، وقال الجوزجاني يضعف حديثه. اهـ

راجع ترجمته في تهذيب التهذيب (8/465-468)، والجرح والتعديل (3/2/177-179)، وميزان الاعتدال (3/420-423)، وغيرهم.


معنى قوله تعالى يوم يكشف عن ساق

 روى الحاكم في المستدرك على الصحيحين ج2 ص499

حدثنا أبو زكريا العنبري ، ثنا الحسين بن محمد القباني ، ثنا سعيد بن يحيى الأموي ، ثنا عبد الله بن المبارك ، أنبأ أسامة بن زيد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس رضي الله عنهم ، أنه سئل عن قوله عز وجل :
( يوم يكشف عن ساق ) قال : « إذا خفي عليكم شيء من القرآن فابتغوه في الشعر ، فإنه ديوان العرب » أما سمعتم قول الشاعر : اصبر عناق إنه شر باق قد سن قومك ضرب الأعناق وقامت الحرب بنا عن ساق قال ابن عباس : هذا يوم كرب وشدة
قال الحاكم : هذا حديث صحيح الإسناد وهو أولى من حديث روي عن ابن مسعود بإسناد صحيح لم أستجز روايته في هذا الموضع
وقال الذهبي : صحيح .
قال ابن حجر في فتح الباري ج13 ص359
قَالَ : وَأَمَّا السَّاق فَجَاءَ عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى ( يَوْم يُكْشَف عَنْ سَاق ) قَالَ عَنْ شِدَّة مِنْ الْأَمْر ، وَالْعَرَب تَقُول : قَامَتْ الْحَرْب عَلَى سَاق إِذَا اِشْتَدَّتْ ،
وَمِنْهُ : قَدْ سَنَّ أَصْحَابك ضَرْب الْأَعْنَاق وَقَامَتْ الْحَرْب بِنَا عَلَى سَاق
وَجَاءَ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ فِي تَفْسِيرهَا عَنْ نُور عَظِيم قَالَ اِبْن فَوْرَكٍ : مَعْنَاهُ مَا يَتَجَدَّد لِلْمُؤْمِنِينَ مِنْ الْفَوَائِد وَالْأَلْطَاف . وَقَالَ الْمُهَلَّب : كَشْف السَّاق لِلْمُؤْمِنِينَ رَحْمَة وَلِغَيْرِهِمْ نِقْمَة .
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : تَهَيَّبَ كَثِير مِنْ الشُّيُوخ الْخَوْض فِي مَعْنَى السَّاق ، وَمَعْنَى قَوْل اِبْن عَبَّاس إِنَّ اللَّه يَكْشِف عَنْ قُدْرَته الَّتِي تَظْهَر بِهَا الشِّدَّة . وَأَسْنَدَ الْبَيْهَقِيُّ الْأَثَر الْمَذْكُور عَنْ اِبْن عَبَّاس بِسَنَدَيْنِ كُلّ مِنْهُمَا حَسَن ، وَزَادَ : إِذَا خَفِيَ عَلَيْكُمْ شَيْء مِنْ الْقُرْآن فَأَتْبِعُوهُ مِنْ الشِّعْر وَذَكَرَ الرَّجَز الْمُشَار إِلَيْهِ ، وَأَنْشَدَ الْخَطَّابِيُّ فِي إِطْلَاق السَّاق عَلَى الْأَمْر الشَّدِيد " فِي سَنَة قَدْ كَشَفَتْ عَنْ سَاقهَا " وَأَسْنَدَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ وَجْه آخَر صَحِيح عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : يُرِيد يَوْم الْقِيَامَة
وقال النووي في شرحه على صحيح مسلم ج9 ص331
قَوْله : ( فَذَلِكَ يَوْم يُكْشَف عَنْ سَاق )
قَالَ الْعُلَمَاء : مَعْنَاهُ وَمَعْنَى مَا فِي الْقُرْآن { يَوْم يُكْشَف عَنْ سَاق } يَوْم يُكْشَف عَنْ شِدَّة وَهَوْل عَظِيم أَيْ يُظْهِر ذَلِكَ . يُقَال : كَشَفَتْ الْحَرْب عَنْ سَاقهَا إِذَا اِشْتَدَّتْ ، وَأَصْله أَنَّ مَنْ جَدَّ فِي أَمْره كَشَفَ عَنْ سَاقه مُسْتَمِرًّا فِي الْخِفَّة وَالنَّشَاط لَهُ .
وقال ابن حجر في فتح الباري ج8 ص508
قَوْله : ( بَاب يَوْمَ يُكْشَف عَنْ سَاقٍ )
أَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى بِسَنَدٍ فِيهِ ضَعْف عَنْ أَبِي مُوسَى مَرْفُوعًا فِي قَوْله : ( يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ ) قَالَ " عَنْ نُور عَظِيم ، فَيَخِرُّونَ لَهُ سُجَّدًا " وَقَالَ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْله ( يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ ) قَالَ : عَنْ شِدَّة أَمْر ، وَعِنْد الْحَاكِم مِنْ طَرِيق عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : هُوَ يَوْم كَرْب وَشِدَّة قَالَ الْخَطَّابِيُّ : فَيَكُون الْمَعْنَى يَكْشِفُ عَنْ قُدْرَته الَّتِي تَنْكَشِف عَنْ الشِّدَّة وَالْكَرْب وَذَكَرَ غَيْر ذَلِكَ مِنْ التَّأْوِيلَات كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه عِنْد حَدِيث الشَّفَاعَة مُسْتَوْفًى فِي كِتَاب الرِّقَاق إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَوَقَعَ فِي هَذَا الْمَوْضِع " يَكْشِف رَبّنَا عَنْ سَاقه " وَهُوَ مِنْ رِوَايَة سَعِيد بْن أَبِي هِلَال عَنْ زَيْد بْن أَسْلَم فَأَخْرَجَهَا الْإِسْمَاعِيلِيّ كَذَلِكَ ثُمَّ قَالَ فِي قَوْله " عَنْ سَاقه " نَكِرَة . ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيق حَفْص بْن مَيْسَرَة عَنْ زَيْد بْن أَسْلَم بِلَفْظِ " يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ " قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ : هَذِهِ أَصَحّ لِمُوَافَقَتِهَا لَفْظ الْقُرْآن فِي الْجُمْلَة ، لَا يُظَنّ أَنَّ اللَّه ذُو أَعْضَاء وَجَوَارِح لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ مُشَابَهَة الْمَخْلُوقِينَ ، تَعَالَى اللَّه عَنْ ذَلِكَ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء .
وقال بدر الدين العيني في عمدة القاري ج25 ص129
قوله يكشف على صيغة المجهول والمعروف عن ساقه فسر الساق بالشدة أي يكشف عن شدة ذلك اليوم وأمر مهول وهذا مثل تضربه العرب لشدة الأمر كما يقال قامت الحرب على ساق وجاء عن ابن عباس في قوله يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون قال عن شدة من الأمر وقيل المراد به النور العظيم وقيل هو جماعة من الملائكة يقال ساق من الناس كما يقال رجل من جراد وقيل هو ساق يخلقه الله خارجا عن السوق المعتادة وقيل جاء الساق بمعنى النفس أي تتجلى لهم ذاته قوله رياء أي ليراه الناس قوله وسمعة أي ليسمعه الناس
وقال الحميدي صاحب الجمع بين الصحيحن في كتابه تفسير غريب ما في الصحيحين البخاري ومسلم ص211
) يوم يكشف عن ساق (
قال أهل اللغة يكشف عن الأمر الشديد وروي عن ابن عباس ومجاهد ويقال كشف الرجل عن ساق إذا جد وشمر في أمر مهم قد طرقه لتداركه .
وقال الملا علي القاري في مرقاة المفاتيح ج16 ص78
(( يوم يكشف عن ساق أي شدة عظيمة يقال كشفت الحرب عن الساق إذا اشتد فيها وكان أصله أن الولد يموت في بطن الناقة فيدخل المدمر يده في رحمها فيأخذ ساقه فجعل لكل أمر عظيم وخطب جسيم قال الخطابي هذا مما هاب القول فيه شيوخنا فأجروه على ظاهر لفظه ولم يكشفوا عن باطن معناه على نحو مذهبهم في التوقف عن تفسير كل ما لا يحيظ العلم بكنهه من هذا الباب أما من تأوله فقال ذلك يوم يكشف عن شدة عظيمة وبلية فظيعة وهو اقبال الآخرة وظهورها وذهاب الدنيا وادبارها ويقال للأمر إذا اشتد وتفاقم وظهر وزال خفاؤه كشف عن ساقه وهذا جائز في اللغة .))
وقال القاضي عياض في مشارق الانوار على صحاح الاثار ج2 ص458
( س و ق ) قوله كم سقت إليها أي كم أمهرتها وقيل للمهر سوق لأن العرب كانت أموالهم المواشي فكانت تسوقها للزوجة وقوله وسواق يسوق بهن أي حاد يحدوا بهن ويسوقهن بحدائه أمامه وسواق الإبل الذي يقدمها ويسوقها أمامه للمرعى والماء ومنه رويدا سوقك بالهوادي وريدك سوقك بالقوارير أي ارفق في سوقك وتقدم في القاف منه وسائق الدابة مثله الذي يقدمها أمامه في السير وقوله يرى مخ سوقها جمع ساق وقوله ذو السويقين تصغير ساقين صغرهما لرقتهما وحموشتهما وهي صفة سوق السودان غالبا وقوله في الحشر هل بينكم وبينه علامة قالوا الساق وهو قوله فيكشف عن ساق وعن ساقه قال ابن عباس وغيره في قوله يوم يكشف عن ساق وهو الأمر الشديد وقاله أهل اللغة .))
تفسير البحر المديد لابن عجيبة جج6 ص390
{ يومَ يُكشَفُ عن ساقٍ } ، وجمهور المفسرين على أن الكشف عن ساق عبارة عن شدة الأمر ، وصعوبة الخطب ، أي : يوم يشتد الأمر ويصعب ، وقيل : ساق الشيء : أصله الذي به قوامه ، كساق الشجرة وساق الإنسان ، أي : يوم يُكشف عن أصل الأمر ، فتظهر حقائق الأمور وأصولها ، بحيث تصير عياناً . وتنكيره للتهويل العظيم . قال النسفي : ولا كشف ثمَّ ولا ساق ، ولكن كنّى به عن شدة الأمر؛ لأنهم إذا ابتلوا بالشدّة كَشفوا عن الساق ، وقال : كشفت الحرب عن ساقها ، وهذا كما تقول للشحيح : يده مغلولة ، ولا يد ثَمَّ ولا غل ، وإنما هو كناية عن البخل ، وأمّا مَن شبّه فلِضيق عِطفه وقلّة نظره في علم البيان ، ولو كان الأمر كما زعم المشبَّه؛ لكان من حقِّ الساق أن يُعرَّف؛ لأنها ساق معهودة عنده . ))
وفي التحرير والتنوير للطاهر ابن عاشور ج15 ص253
(( والكشف عن ساق : مثَل لشدة الحال وصعوبة الخطب والهول ، وأصله أن المرء إذا هلع أن يسرع في المشي ويشمر ثيابه فيكشف عن ساقه كما يقال : شمر عن ساعد الجد ، وأيضاً كانوا في الروع والهزيمة تشمر الحرائر عن سوقهن في الهرب أو في العمل فتنكشف سوقهن بحيث يشغلهن هول الأمر عن الاحتراز من إبداء ما لا تبدينه عادةً ، فيقال : كشفت عن ساقها أو شَمَّرت عن ساقها ، أو أبْدت عن ساقها ، قال عبد الله بن قيس الرقيات :
كيف نوْمي على الفراش ولما ... تشملْ الشامَ غارةٌ شَعْواء
تُذهل الشيخ عن بنيه وتبدي ... عن خِدَام العقيلة العذراء
وفي حديث غزوة أحد قال أنس بن مالك : «انهزم الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم ولقد رأيت عائشة وأم سليم وأنهما لمشمّرتان أرى خَدَم سوقهمَا تنقلان القِرَب على متُونهما ثم تُفْرِغَانها في أفواه القوم ثم ترجعان فتملآنها» الخ ، فإذا قالوا : كشف المرء عن ساقه فهو كناية عن هول أصابه وإن لم يكن كشف ساقه . وإذا قالوا : كشف الأمر عن ساق ، فقد مثلوه بالمرأة المروعة ، وكذلك كشفت الحرب عن ساقها ، كل ذلك تمثيل إذ ليس ثمة ساق قال حاتم :
فتى الحرب عضّت به لحرب الحرب عضها ... وإن شمرت عن سَاقها الحرب شمَّرا
وقال جد طرفة من الحماسة :
كشفتْ لهم عن ساقها ... وبدا من الشر البَواح
وقرأ ابن عباس { يوم تَكشف } بمثناة فوقية وبصيغة البناء للفاعل على تقدير تكشف الشدة عن ساقها أو تكشف القيامة ، وقريب من هذا قولهم : قامت الحرب على ساق .
والمعنى : يوم تبلغ أحوال الناس منتهى الشدة والروْع ، قال ابن عباس : يكشف عن ساق : عن كرب وشدة ، وهي أشد ساعة في يوم القيامة .
وروى عبد بن حميد وغيره عن عكرمة عن ابن عباس أنه سئل عن هذا ، فقال : «إذا خفي عليكم شيء من القرآن فابتغوه في الشعر فإنه ديوان العرب» ، أما سمعتم قول الشاعر :
صبراً عَنَاقُ إنه لشِرْباقْ ... فقد سنّ لي قومُككِ ضربَ الأعناقْ
وقامت الحرب بنا على ساق ... وقال مجاهد : { يكشف عن ساق } : شدّة الأمر .))

الثلاثاء، 27 أبريل 2021

شأن الدعاء والقضاء (والقدر المعلق )

قال تعالى {يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} [الرعد:39].
قال البيهقي "أصح ما قيل في تفسيرها عن الناسخ والمنسوخ يمحو الله ما يشاء أن ينسخه من القرءان ويثبت ما شاء أن لا ينسخه وكل أي الناسخ والمنسوخ في اللوح المحفوظ".
وأما بالنسبة للقدر المعلق فهو ما كتب في صحف الملائكة أن فلانا إذا وصل رحمه مثلا عاش ستين وإن لم يصل عاش أربعين.
والله تعالى عالم إن كان سيصل رحمه أم لا. وأما القدر المبرم فهو ما كتب من غير تعليق.
ليسَ مَعنى القضاءِ والقدَرِ الإجبارُ والقهرُ، وإنما المعنى إظهارُ ما عَلِمَ اللهُ تعالى أنه لا بدَّ كائنٌ، فالقدَرُ خيرُه وشرّه وحُلوُه ومرّه مِن الله لا خالقَ إلا هوَ سبحانه، لا يُسأل عمّا يفعلُ وهُم يُسألون.
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى أهل بيته الطيبين وصحبه الطاهرين وسلم، وبعد،
فقد رغّب الله تعالى عباده بالدعاء وجعله بابًا من أبواب الفرج ولا سيما في أيام الشدة التي يعانيها المسلم. وقد كان من سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم اللجوء إلى ربّه في شؤونه كلها وبخاصّة حين الشدائد بالدعاء والرّجاء ليستنّ به المسلمون من بعده وهو الذي أرسله الله ليبيّن للناس ما نزّل إليهم من ربّهم كما هو في كتاب الله تعالى.
وفي سنن الترمذي (279هـ.) عن أنس رضي الله عنه مرفوعًا "الدعاء مخّ العبادة"، وقال الله تعالى: [وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ]{غافر:60}، قال القرطبي (ت671هـ) في تفسيره: يفسر الآية حديث الترمذي وأبي داود عن النعمان بن بشير رضي الله عنه: "الدعاء هو العبادة"، فالمعنى وحّدوني واعبدوني أتقبل عبادتكم وأغفر لكم، وهو قول أكثر المفسرين. وقيل هو الذكر والدعاء والسؤال وأن المعنى أستجب لكم إن شئتُ كما في الأنعام [بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ] {الأنعام:41}، فهو من باب المطلق والمقيّد، وهو لا يقضي الاستجابة مطلقًا وإنما المعنى أنه يجيب دعاء الداعين في الجملة، وذلك بشروط منها ما ذكر في حديث الأشعث الأغبر يرفع يديه وفي آخره "وأنى يُستجاب لذلك" كما في مسلم وغيره. اهـ.
وقال الإمام الخطابي (388هـ.) في شأن الدعاء إن الآية من العام المخصوص، وإنه قيل إن معنى الاستجابة أن الداعي يعوّض من دعائه عوضًا ما، فربما كان ذلك إسعافًا بطلبته التي دعا لها وذلك إذا وافق القضاء، فإن لم يساعده القضاء فإنه يُعطى سكينة في نفسه وانشراحًا في صدره وصبرًا يسهُل معه احتمال ثقل الواردات عليه، وعلى كل حال فلا يعدم فائدة دعائه وهو نوع من الاستجابة. اهـ.
يدلّ على ذلك حديث مسلم وغيره عن ثوبان رضي الله عنه مرفوعًا قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوى لي منها، وأعطيت الكنـزين الأبيض والأحمر، وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسَـنة عامة وأن لا يسلط عدوًا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، وإن ربي قال يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يُردّ، وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسَـنة عامة وأن لا أسلط عليهم عدوًا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم مَن بأقطارها حتى يكون يهلك بعضهم بعضًا"، وفي رواية لمسلم "وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها"، وفي كتاب الله تعالى: [وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ] {الشُّورى:30}، وفيه كذلك [ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ] {الأنفال:53} ، وهو ما نراه اليوم ولا حول ولا قوة إلا بالله تعالى.
فدلّ ما تقدّم على أن الله تعالى لا يغيّر شيئًا مما شاء في الأزل حصوله سواء بدعاء سيدنا محمد فمَن دونه صلى الله عليه وسلم أو بالصدقة، ويدل على هذا الأمر حديث البزار والبيهقي: "لا ينفع حذر من قدر"، قال البيهقي: معناه في ما كتب الله من القضاء المحتوم (يعني القضاء المبـرم) كما لا ينفع الدعاء والدواء في ردّ الموت إن جاء الأجل المحتوم، ثم إن النفع يكون في الحذر والدعاء والدواء إذا كان القلم قد جرى بإلحاق النفع بأحد هؤلاء، والعبد ميسّر لما كتِب له أو عليه من جميع ذلك لا يستطيع أن يعمل غيره. وعلى هذا يُحمل حديث ابن ماجه "لا يردّ القدر إلا الدعاء" على ما في إسناده من لين، وهو أن الله تعالى قد كتب ما يُصيب عبدًا من عباده من البلاء والحرمان والموت وغير ذلك، وأنه إن دعا الله تعالى وأطاعه في صلة الرحم وغيرها لم يُصبه ذلك البلاء ورزقه كثيراً وعمّره طويلاً. ويدل عليه كذلك حديث عمر في الطاعون عند البخاري حين قيل له: أفرارًا من قدر الله؟ فقال رضي الله عنه: نعم، نـفِـرّ من قدر الله إلى قدر الله. أرأيتَ لو كان لك إبل فهبطت واديًا له عَدْوَتان إحداهما خصبة والأخرى جدبة، أليس إن رعيتَ الخصبة رعيتَها بقدر الله، وإن رعيتَ الجدبةَ رعيتَها بقدر الله؟ اهـ.
وفي صحيح مسلم بن الحجاج النيسابوري (261هـ.) عن يحيى بن يَـعمر عن أبي الأسود الدؤلي قال: قال لي عمران بن الحصين: أرأيتَ ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه، أشيء قضيَ عليهم ومضى عليهم من قدر قد سبق، أو فيما يستقبلون به مما أتاهم به نبيّهم وثبتت الحجةُ عليهم، فقلتُ بل شيء قضيَ عليهم ومضى عليهم، قال فقال أفلا يكون ظلمًا، قال ففزعتُ من ذلك فزعًا شديدًا وقلتُ كلّ شيء خلق الله ومِلك يده، فلا يُـسأل عما يَفعل وهم يُسألون، فقال لي يرحمك الله، إني لم أرد بما سألتك إلا لأحزرَ عقلك، إن رجلين من مزينة أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا: يا رسول الله أرأيتَ ما يعملُ الناسُ اليومَ ويكدحون فيه، أشيءٌ قضيَ عليهم ومضى فيهم من قدَر قد سبق، أو فيما يستقبلون به مما أتاهم به نبيّهم وثبتت الحجةُ عليهم، فقال: لا، بل شيءٌ قضيَ عليهم ومضى فيهم، وتصديقُ ذلك في كتاب الله عز وجل: [فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا] {الشمس:8} اهـ.
وهذا ما يدل عليه النقل والعقل إذ إن العقل يشهد أن للإنسان إرادةً لا يستطيع أن يفعل بها كل ما يريد إذ إنها تحت مشيئة الله تعالى، وهو ما يدل عليه قول الله تعالى: [وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ رَبُّ العَالَمِينَ] {التَّكوير:29}، والعقل يشهد كذلك أن للإنسان أفعالاً يفعلها باختياره تغاير ما يفعله بغير اختياره كحركة النائم والمرتعش، فما يفعله باختياره هو محل التكليف، وكل ذلك على أي حال لا يخرج عن علم الله الأزلي الذي لا يتغيّر، [أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ] {الملك:14} ولا عن إرادته الأزلية، [فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ] {البروج:16}، فالكل بإرادته تعالى وليس الكل بأمره عز وجلّ، ويوضح ذلك قول الله تعالى: [وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ وَمَنْ يَهْدِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ] {الزُّمر:36 37}،
فمَن اهتدى فبفضل مِن الله عليه، ومن أضله الله فلسابق علمه تعالى بما يكون منه، لا تبديل لكلماته تبارك وتعالى.
فالقدَر ليس معناه الإجبار والقهر، وإنما معناه إظهار ما سبق في علم الله تعالى من استعداد العبد، لا تبديل لحكمه ولا معقّب لأمره، فالعبد ينساق باختياره إلى ما علم الله أنه يكون منه. ولا يجوز اعتقاد أن الله تعالى يُعصى قهرًا، بل الله تعالى لا يجري في ملكه إلا ما يريد، من هداه فبفضله ومن أضله فبعدله، لا إله غيره، ولا خالق سواه. وفي حديث البخاري عن ابن مسعود وغيره مرفوعًا: أن الولد يُكتب وهو في بطن أمه ذكرًا أو أنثى وأجله ورزقه وشقيّ هو أو سعيد.
والقدر كما قال سيدنا علي رضي الله عنه: إنما هو أمر بين أمرين لا هو جبر ولا هو تفويض (رواه الحافظ ابن عساكر، 571 هـ
.)، أي أن الإنسان ليس كالريشة المعلقة التي يحركها الهواء يمنة ويسرة من غير اختيار ولا إرادة كما زعمت الجبرية، وليس مستقلاً عن مشيئة الله تعالى بحيث إنه يفعل كل ما يريده كما زعمت المعتزلة الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ما رواه أبو داود في سننه "مجوس أمتي الذين يقولون لا قدَر"، اهـ. وفي هذا تشبيه بليغ لقول المجوس بمدبرين، النور للخير والظلمة للشر، فأشبهت القدرية المجوس في الشرك بالله تعالى، وهو ما فهمه الإمام مالك بن أنس رضي الله عنه حين سئل عن تزويج القدري فقرأ قول الله تعالى:[وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ] {البقرة:221}، رواه البيهقي، ومثل ذلك قال الإمام الشافعي في حفص الفرد صريحًا لقول حفص بعد أن كفره الشافعي: أراد الشافعي ضرب عنقي، كما أفاده السيوطي (911هـ.) في كتاب تدريب الراوي شرح تقريب النواوي، وهو قول الإمام أحمد بن حنبل (241هـ.) في أبي شعيب المعتزلي وقد جاءه وهو في السجن رضي الله عنه يناظره كما في كتاب محنة أحمد للمقدسي (600هـ.) وهو قول من لا يحصى من السلف الصالح والأئمة المجتهدين كما ذكر الحافظ اللالكائي (418هـ.) في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة.
وفي فتح الباري شرح الحافظ ابن حجر العسقلاني (852هـ.) لصحيح الإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري (256هـ.) في باب "من بسِـط له في الرزق لصلة الرحم" من كتاب الأدب شارحًا مسألة القضاء المبرم والقضاء المعلق ما نصه عند حديث أبي هريرة مرفوعًا "مَن سرّه أن يبسَـط له في رزقه وأن يُـنسَـأ له في أثره فليصِل رحمِـَه" ما نصه: "قوله وينسأ بضم أوله وسكون النون بعدها مهملة ثم همزة أي يؤخر في أجله وسمي الأجل أثراً لأنه يتبع العمر قال زهير:والمرء ما عاش ممدود له أمل لا ينقضي العمر حتى ينتهي الأثر وأصله من أثر مشيه في الأرض فإن من مات لا يبقى له حركة فلا يبقى لقدمه في الأرض أثر، قال ابن التين ظاهر الحديث يعارض قوله تعالى: [فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ] {الأعراف:34}، والجمع بينهما من وجهين أحدهما أن هذه الزيادة كناية عن البركة في العمر بسبب التوفيق إلى الطاعة وعمارة وقته بما ينفعه في الآخرة وصيانته عن تضييعه ذلك. ومثل هذا ما جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم تقاصر أعمار أمته بالنسبة لأعمار من مضى من الأمم فأعطاه الله ليلة القدر، وحاصله أن صلة الرحم تكون سبباً للتوفيق للطاعة والصيانة عن المعصية فيبقى بعده الذكر الجميل فكأنه لم يمت، ومن جملة ما يحصل له من التوفيق العلم الذي ينتفع به من بعده والصدقة الجارية عليه والخلف الصالح وسيأتي مزيد لذلك في كتاب القدر إن شاء الله تعالى، ثانيهما أن الزيادة على حقيقتها وذلك بالنسبة إلى علم الملك الموكل بالعمر وأما الأول الذي دلت عليه الآية فبالنسبة إلى علم الله تعالى كأن يقال للملك مثلاً إن عُمْرَ فلان مائة مثلاً إن وصل رحمه وستون إن قطعها، وقد سبق في علم الله أنه يصل أو يقطع، فالذي في علم الله لا يتقدّم ولا يتأخر، والذي في علم الملك هو الذي يمكن فيه الزيادة والنقص، واليه الإشارة بقوله تعالى: [يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الكِتَابِ]{الرعد:39}، فالمحو والإثبات بالنسبة لما في علم الملك، وما في أم الكتاب هو الذي في علم الله تعالى فلا محو فيه ألبتة، ويقال له القضاء المبرم، ويقال للأول القضاء المعلق" اهـ. من فتح الباري في شرح البخاري للحافظ ابن حجر العسقلاني.
وعلى ما تقدّم يدل قول الله تعالى: [وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ] {الفاتحة:5}، وقوله تعالى: [اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ] {الفاتحة:6}، وقوله عز وجل: [رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا] {آل عمران:8}، فهذا كله يدل على أن الهداية والزيغ بيد الله لا بيد العبد، فلو كان الإنسان مستقلاً بإرادته عن إرادة الله تعالى فلأيّ غرض يستعين بالله في صلاته كل يوم سبع عشرة مرة، يقرأ الفاتحة في كل ركعة من الصلوات المفروضات سوى السنن والنوافل.
هذا وقد ثبت أن الإيمان بالقدر بمعنى ما قدّر الله تعالى على العباد من خير وشرّ وحلو ومرّ أنه بخلق الله تعالى وإرادته وعلمه لا يتغيّر من ذلك شيء، من أصول الإسلام وهو في كتاب الله تعالى: [وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ وَمَنْ يَهْدِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ] {الزُّمر:36 37}.
وفي حديث البخاري ومسلم مرفوعًا "اعملوا فكلٌّ ميسّـرٌ لما خلق له"، وفيه كذلك عن ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعًا: "فوالذي لا إله غيره إن أحدَكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدَكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها"، وفي حديث ابن عباس المشهور "رفعت الأقلام وجفت الصحف" رواه الترمذي.
وفي كتاب الله تعالى خطابًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أحبّ لعمه أبي طالب الهدى: [إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ] {القصص:56} أي الله تعالى، وليس العبد، إذ إن مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله وليست مشيئة الله تابعة لمشيئة العبد، يوضح ذلك ما في كتاب الله تعالى: [وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ المَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ المَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ] {الأنعام:111}، وكذلك قوله تعالى حكاية عن موسى: [إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ]{الأعراف:155}، وما في حديث جبريل الطويل الذي في آخره "هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم" وقد سأله عليه السلام عن الإيمان "وأن تؤمن بالقدر خيره وشره"، وفي رواية "وحلوه ومرّه"، وفي رواية "وأن تؤمن بالقدر كله" ذكرها جميعًا بالإسناد المتصل الإمام البيهقي في كتاب القدر.
فما كان وما يكون وما سـيكون إنما هو بخلق الله تعالى وبعلمه الذي لا يتغيّر وبإرادته التي لا يغلبها مغالب إذ هو تعالى القاهر فوق عباده والغالب على أمره والحافظ للعرش وما دونه، جميع الخلائق مقهورون بقدرته، لا تتحرّك ذرّة إلا بإذنه، ليس معه مدبّر في الخلق ولا شريك في الملك، [لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ] {الأنبياء:23} سبحانه، وهو المنـزّه عن الظلم، [وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ] {فصِّلت:46}، إذ الظلم وضع الشيء في غير موضعه كما في القاموس للفيروزآبادي (817هـ.)، والظلم فعل الجاهل بعواقب الأمور والله منـزّه عن ذلك إذ هو المتصرّف في ملكه ولا تخفى عليه خافية ولا ينازعه في ذلك منازع لأن فعله تعالى لا يخلو من حكمة إذ لم يخلق الله تعالى شيئًا عبثًا.
ثم إن الله تعالى بيّـن سبب إرسال الرسل بقوله عز وجل: [رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ] {النساء:165}، وذلك منه تعالى فضل وليس ذلك بواجب عليه تعالى، [قُلْ إِنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ] {آل عمران:73} [وَاللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ] {البقرة:105}، وذلك لقيام الدليل على وجوده عز وجل بما هو مشاهد من مخلوقاته على ما فيها من تباين ما يدلّ على كمال قدرته تبارك وتعالى، [إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ] {آل عمران:190} .
على أن كثيرًا من الناس يسأل بعضهم بعضًا هل الإنسان مخير أو مسيّر؟، وهو سؤال الجواب عنه سهل إذ يقال إن الإنسان مختار تحت مشيئة الله تعالى، فللعبد الكسب الذي لا خلق فيه، [لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ] {البقرة:286}، ولله الخلق الذي لا يشاركه فيه أحد إذ هو الله الخالق لكل شيء كما نص عليه القرآن [قُلِ اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ] {الرعد:16}، فمن خاصم في ذلك من المعتزلة عن الحق كان نصيبه ما في صحيح مسلم أن مشركي قريش جاؤوا يخاصمون رسول الله صلى الله عليه وسلم في القدر فأنزل الله تعالى:[يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ] {القمر:48 49}. وقد كان من أول من ألف في الرد عليهم سيدنا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه (101هـ.) في رسالة طويلة سردها الحافظ أبو نعيم الأصبهاني (430هـ.) في حلية الأولياء، وفيها قال رضي الله عنه: "لو أرادَ الله أن لا يُعصى ما خلق إبليس".
وفي شأن الدعاء للإمام أبي سليمان الخطابي (388هـ.):فإن قال قائل فإذا كان الأمر على ما ذكرتموه من أن الدعاء لا يدفع ضررًا ولا يجلب نفعًا لم يكن جرى به القضاء، فما فائدته وما معنى الاشتغال به؟، فالجواب أن هذا من جملة الباب الذي وقع التعبّد فيه بظاهر من العلم يجري مجرى الإمارة المبشّرة أو المنذِرة دون العلة الموجِبة، وذلك والله أعلم، لِتكون المعاملة فيه على معنى الترجّي والتعلق بالطمع الباعثَين على الطلب دون اليقين الذي يقع معه طمأنينة النفس، فيُفضي بصاحبه إلى ترك العمل والإخلاد إلى دَعة العُطلة، فإن العمل الدائر بين الظفر بالمطلوب وبين مخافة فوته يحرّك على السعي له والدأب فيه، وأما اليقين فيسكّن النفس ويريحها، كما اليأس يُبلّدها ويُطفئها. وقد قضى الله سبحانه أن يكون العبدُ ممتحَنًا ومعلّقًا بين الرجاء والخوف اللذين هما مدرَجتا العبودية ليُستخرج منه بذلك الوظائف المضروبة عليه التي هي سِمة كلّ عبد ونصبة كل مربوب مدبَّر، وعلى هذا بُنيَ الأمر في معاني ما نعتقده في مبادئ الأمور التي هي الأقدار والأقضية مع التزامنا الأوامر التي تعبّدنا اللهُ تعالى بها ووعدنا عليها في المعاد الثوابَ والعقابَ. ولما عرَض هذا الإشكال سألت الصحابة رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: أرأيتَ أعمالنا هذه، أشيء قد فُرغ منه أم أمرٌ نستأنِفه، فقال صلى الله عليه وسلم: بل هو أمر قد فُرِغ منه، فقالوا ففيمَ العمل إذًا؟، قال صلى الله عليه وسلم: اعملوا فكلٌّ ميسَّرٌ لما خلِق له، قالوا: فنعمل إذًا.
ألا تراه صلى الله عليه وسلم كيف علّقهم بين الأمرين، فرَهَنهم بسابق القدَر المفروغ منه، ثم ألزمهُم العملَ الذي هو مَدرَجة التعبّد لتكون تلك الأفعال أمائر مبشّرة ومنذرة فلم يَبطل الثوابُ الذي هو كالفرع بالعلة التي هي له كالأصل، ولم يَترك أحد الأمرين للآخر. وأخبر مع ذلك أن فائدة العمل هو القدر المفروغ منه، وهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم: "فكلّ ميسّـرٌ لما خلق له"، يريد أنه ميسّـر في أيام حياته إلى العمل الذي سبق له القدر به قبل وقت وجوده وكونه، إلا أن الواجب أن تعلم فرق ما بين الميسّر والمسخّر، فتفهّم ذلك. وكذلك القول في باب الرزق وفي التسبب إليه بالكسب وهو أمر مفروغ منه في الأصل لا يزيده الطلب ولا يُنقصه الترك، ونظير ذلك أمر العمر والأجل المضروب فيه في قوله عز وجلّ: [فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ]{الأعراف:34}، ثم قد جاء في الطب والعلاج ما جاء وقد استعمله عامة أهل الدين من السلف والخلف مع علمهم بأن ما تقدّم من الأقدار والأقضية لا يدفعه العلاج بالعقاقير والأدوية. فإذا تأملت هذه الأمور علمتَ أن الله سبحانه قد لطف بعباده فعلّل طباعهم البشرية بوضع هذه الأسباب ليأنسوا بها فيخفف عنهم ثقل الامتحان الذي تعبّدهم به وليتصرفوا بذلك بين الرجاء والخوف، وليستخرج منهم وظيفتي الشكر والصبر في طورَي السرّاء والضرّاء والشدة والرّخاء، ومِن وراء ذلك عِلمُ الله تعالى فيهم، ولله عاقبة الأمور وهو العليم الحكيم لا معقب لحكمه ولا رادّ لقضائه لا يُسأل عمّا يَفعلُ وهُم يُسألون. اهـ. كلام الخطابي وهو عجيبٌ لمن تأمله فرحمه الله من إمام بَرّ وعالم بحر.
وليُعلم أن مسألة القضاء والقدر مما يخشى فيه الزلل والزيغ إذ هي من أدق مسائل التوحيد التي أوضحها أهل العلم فلم يتركوا فيها مجالاً لشبهة لمعتزلي ولا لجبري، هذا ومن المهم التنبيه إلى أن القدَر بمعنى المقدور المخلوق ينقسم إلى خير وشرّ وحلو ومرّ، أما صفة الله تعالى، [وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا] {الفرقان:2} فلا تنقسم إلى خير وشرّ. فالتقدير والتدبير صفتان أزليّتان لله تعالى تفيدان أن اللهَ سبحانه دبّر الأشياء وقدّرها على وفق علمه الأزلي كما أفادت الآية الكريمة. وأما القضاء هنا فمعناه الخلق كما في قوله تعالى: [فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ] {فصِّلت:12}، [وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ] {البقرة:117}.
ولله درّ عالم قريش الذي ملأ طباق الأرض علمًا كما نص عليه حديث البيهقي (458 هـ.) وغيره، أعني الإمام محمد بن إدريس الشافعي (204هـ.) الذي قـال رضي الله عنه:
ما شـئتَ كان وإن لم أشـأ وما شئتُ إن لم تَشأ لم يَكن
خلقتَ العبـادَ على ما علمتَ ففي العلم يجري الفتى والمسِن
على ذا مننـتَ وهذا خذلتَ وهـذا أعنـتَ وذا لم تعِـن
فمنهم شـقيٌّ ومنهم سـعيدٌ ومنهم قبيـحٌ ومنهم حسَـن
ومنـهم غـنيّ ومنـهم فقيرٌ وكُـلّ بأعمـالـه مُرتـهن
والحمد لله رب العالمين

بيان معنى حديث يَنْزِلُ ربُّنا ، تباركَ وتعالى ، كُلَّ ليلةٍ إلى السَّماء

بسم الله الرحمن الرحيم الحمدلله الذي نصر عبده بالحجج البينات وأيده بالمعجزات الظاهرات وأظهره على خصومه وقواه بالادلة الدامغات ,الحمدلله المو...