بحث هذه المدونة الإلكترونية

الجمعة، 2 أكتوبر 2026

ما حكم ارضاع الكبير و ماالمقصود بارضاع الكبير، ؟

 

الجواب:


        إرضاع الكبير أي الكبير في السن. وحكم هذا أنه لو وصل حليب إمرأة لمعدة كبير فلا تصير أمه بالرضاعة. وإنما الشرط للتحريم أي لتكون محرما له هو أن يكون الطفل دون السنتين وأن يرضع منها خمس رضعات متفرقات كما هو مذهب الشافعي رضي الله عنه . فالرضاع الذي يثبت به التحريم هو ما كان في الصغر دون الكبر، والحد الفاصل بين الصغر والكبر مختلف فيه: فيرى الشافعية والحنابلة والصاحبان من الحنفية: أن حد الصغر حولان.( أسنى المطالب للشيخ زكريا الأنصاري 3/416، ومغنى المحتاج للشيخ الخطيب الشربيني 5/127، 128، شرح منتهى الإرادات للبهوتي 3/215، وكشاف القناع له أيضًا 5/455 )  أما المالكية فالزيادة القريبة عن الحولين تدخل في التحريم، وحَدُّها شهر أو شهران على المعتمد عندهم.( شرح مختصر خليل للخرشي 4/178 ) بينما ذهب الإمام أبو حنيفة إلى أن حد الصغر ثلاثون شهرًا أي: عامين ونصف. وقال زفر بن الهذيل – من الحنفية -: إن حد الصغر ثلاثة أعوام.( بدائع الصنائع للكاساني 4/5، 6 بتصرف) .


        وقول الجمهور  – من أن الرضاع الذي يثبت به التحريم هو ما كان في الصغر دون الكبر – هو قول أكثر أهل العلم، روي نحو ذلك عن عمر، وعلي، وابن عمر، وابن مسعود، وابن عباس، وأبي هريرة، وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم سوى عائشة، وإليه ذهب الشعبي، وابن شُبْرُمة، والأوزاعي، وإسحاق، وأبو ثور (المغني لابن قدامة 8/142 ).


أدلة الجمهور:


         استدل جمهور الفقهاء لما ذهبوا إليه – من أن الرضاع المـحَرِم هو ما كان في الصغر دون الكبر – بعدة أدلة:


1. قوله تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ}[البقرة: 233]، فجعل الحق تبارك وتعالى تمام الرضاعة في الحولين، فأفهم بأن الحكم بعدهما بخلافه.


           وأخبرت هذه الآية الكريمة مع قوله تعالى: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا}[الأحقاف: 15] عن أقل مدة الحمل وكمال مدة الرضاع(كفاية الطالب الرباني لأبي الحسن علي بن خلف المنوفي المالكي 2/115، 116، أسنى المطالب للشيخ زكريا الأنصاري 3/416، ومغني المحتاج للشيخ الخطيب الشربيني 5/128، شرح منتهى الإرادات للبهوتي 3/215، وكشاف القناع له أيضًا 5/455).


2. ما روي عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها وعندها رجل، فكأنه تغير وجهه، كأنه كره ذلك، فقالت: إنه أخي، فقال: “انظرن من إخوانكن، فإنما الرضاعة من المجاعة“، فأشار صلى الله عليه وسلم إلى أن الرضاع في الصغر هو المـحَرِّم؛ لأنه حال الحاجة إلى الغذاء واللبن، وهو الذي يدفع الجوع، أما جوع الكبير فلا يندفع بالرضاع(بدائع الصنائع للكاساني 4/5، شرح منتهى الإرادات للبهوتي 3/215 – والحديث متفق عليه: صحيح البخاري (4814)، وصحيح مسلم (1455) واللفظ للبخاري ).


3. عن أم سلمة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا يحرم من الرضاعة إلا ما فتق الأمعاء في الثدي وكان قبل الفطام“، ورضاع الصغير هو الذي يفتق الأمعاء لا رضاع الكبير؛ لأن أمعاء الصغير تكون ضيقة لا يفتقها إلا اللبن؛ لكونه من ألطف الأغذية، أما أمعاء الكبير فمنفتقة لا تحتاج إلى الفتق باللبن (بدائع الصنائع للكاساني 4/5، أسنى المطالب للشيخ زكريا الأنصاري 3/416، شرح منتهى الإرادات للبهوتي 3/215، وكشاف القناع له أيضًا 5/455 – والحديث في سنن الترمذي (1152)، وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم: أن الرضاعة لا تحرم إلا ما كان دون الحولين، وما كان بعد الحولين الكاملين فإنه لا يحرم شيئًا).


4.   حديث: “لا رضاع إلا ما كان في الحولين“(أسنى المطالب للشيخ زكريا الأنصاري 3/416، ومغني المحتاج للشيخ الخطيب الشربيني 5/128، 215، وكشاف القناع للبهوتي 5/455 – قال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير (4/8): “حديث: “لا رضاع إلا ما كان في الحولين” رواه الدارقطني (4/174) من حديث عمرو بن دينار، عن ابن عباس، وقال: تفرد برفعه الهيثم بن جميل، عن ابن عيينة، وكان ثقة حافظًا، وقال ابن عدي في الكامل (7/104): يعرف بالهيثم، وغيره لا يرفعه، وكان يغلط، ورواه سعيد بن منصور، عن ابن عيينة، فوقفه، وقال البيهقي في السنن الكبرى (7/462): الصحيح موقوف. وروى البيهقي عن عمر، وابن مسعود التحديد بالحولين، قال: ورويناه عن سعيد بن المسيب، وعروة والشعبي، ويحتج له بحديث فاطمة بنت المنذر، عن أم سلمة: لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء، وكان قبل الفطام”).


5. ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “الرضاع ما أنبت اللحم وأنشر العظم“، وذلك هو رضاع الصغير دون الكبير؛ لأن إرضاعه لا ينبت اللحم ولا ينشر العظم (بدائع الصنائع للكاساني 4/5 – قال الحافظ بن حجر في التلخيص الحبير (4/8): “حديث:”الإرضاع ما أنبت اللحم وأنشر العظم“. أبو داود (السنن 2059) من حديث أبي موسى الهلالي، عن أبيه، عن ابن مسعود بلفظ: “لا رضاع إلا...”. وفيه قصة له مع أبي موسى في رضاع الكبير. وأبو موسى وأبوه; قال أبو حاتم (الجرح والتعديل 9/438): مجهولان. لكن أخرجه البيهقي (السنن الكبرى 7/461) من وجه آخر، من حديث أبي حصين، عن أبي عطية قال: جاء رجل إلى أبي موسى فذكر بمعناه”.).


         وقد روي هذا الأثر عن عبد الله بن مسعود، وذلك: أن رجلا من أهل البادية ولدت امرأته ولدًا فمات ولدها فورم ثدي المرأة فجعل الرجل يمصه ويمجه فدخلت جرعة منه حلقه فسأل عنه أبا موسى الأشعري رضي الله عنه، قال: قد حرمت عليك، ثم جاء إلى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فسأله فقال: هل سألت أحدًا، فقال: نعم سألت أبا موسى الأشعري فقال: حرمت عليك، فجاء ابن مسعود أبا موسى الأشعري رضي الله عنهما فقال له: أما علمت أنه إنما يحرم من الرضاع ما أنبت اللحم، فقال أبو موسى: لا تسألوني عن شيء ما دام هذا الحبر بين أظهركم(بدائع الصنائع للكاساني 4/5 – وهذا الأثر في سنن الدارقطني 4/173، وفي سنن البيهقي 7/460، 461 ).


6.   ما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: “لا رضاع بعد فصال“(بدائع الصنائع للكاساني 4/5 – قال الزيلعي في نصب الراية (3/416، 417): “قال عليه السلام: “لا رضاع بعد الفصال” قلت: روي من حديث علي، ومن حديث جابر. فحديث علي: رواه الطبراني في معجمه الصغير (2/158): عن علي, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا رضاع بعد فصال، ولا يتم بعد حلم” انتهى. طريق آخر: رواه عبد الرزاق في مصنفه (6/416): عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لا رضاع بعد الفصال” انتهى. ثم رواه عن الثوري عن جويبر به موقوفًا، قال العقيلي في كتابه الضعفاء (4/428): وهو الصواب – لكني لم أقف على الشاهد من الحديث فيه -، ورواه ابن عدي في الكامل (1/362، 363) – بلفظ: “لا رضاع بعد فطام” – من حديث أيوب بن سويد عن الثوري به مرفوعًا، وأعله بأيوب هذا، ثم قال: وهذا الحديث رواه عبد الرزاق: مرة عن معمر فرفعه، ومرة عن الثوري فوقفه – كما مر – انتهى. وأما حديث جابر: فرواه أبو داود الطيالسي في مسنده (1/243) حدثنا خارجة بن مصعب عن حرام بن عثمان عن أبي عتيق عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لا رضاع بعد فصال، ولا يتم بعد احتلام” انتهى. ورواه ابن عدي في الكامل (2/447)، وأعله بحرام، ونقل عن الشافعي، وابن معين أنهما قالا: الرواية عن حرام حرام.انتهى. واعلم أن تمام الدلالة من الحديث من قوله تعالى: {وفصاله في عامين} انتهى”).


7. ما روي عن عبد الله بن عمر أن رجلا جاء إلى عمر رضي الله عنه فقال: كانت لي وليدة أطؤها فعمدت امرأتي إليها فأرضعتها فدخلت عليها فقالت: دونك مقدور الله أرضعتها، فقال عمر رضي الله عنه: واقعها فهي جاريتك فإنما الرضاعة عند الصغر(بدائع الصنائع للكاساني 4/5 – و هذا الأثر في موطإ الإمام مالك 2/578، وفي سنن البيهقي 7/461).


الاثنين، 9 مارس 2026

بيان معنى حديث يَنْزِلُ ربُّنا ، تباركَ وتعالى ، كُلَّ ليلةٍ إلى السَّماء

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدلله الذي نصر عبده بالحجج البينات وأيده بالمعجزات الظاهرات وأظهره على خصومه وقواه بالادلة الدامغات ,الحمدلله الموجود أزلا وأبدا بلا مكان ,مهما تصورت ببالك فالله بخلاف ذلك ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر، والصلاة والسلام على سيد الكائنات وعلى اله وصحبه الطيبين الكرام أصحاب البراهين والارشاد 

قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم :" يَنْزِلُ ربُّنا ، تباركَ وتعالى ، كُلَّ ليلةٍ إلى السَّماء الدُّنيا حينَ يبقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرِ فيقولُ مَنْ يدعوني فأستجيبَ له مَنْ يسألُني فأعطيَه مَنْ يستغفرُني فأغفرَ له " .. رواه البخاريُّ في[(صحيحه)/كتاب الجُمُعَة].. 

ورَوَاهُ الإمامُ مسلم في[(صحيحه)/كتاب صلاة المسافرينَ وقَصْرِها]بلفظ :" إذا مضَى شَطْرُ اللَّيْلِ أو ثلثاهُ يَنْزِلُ الله ، تباركَ وتعالى ، إلى السَّماء الدُّنيا فيقولُ هل من سائلٍ يُعْطَى هل من داعٍ يُستجابُ له هل من مستغفرٍ يُغْفَرُ له حتَّى ينفجرَ الصُّبْحُ " .. 

ورَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ في[(سننه)/كتاب الدَّعَواتِ عن رسولِ الله]وصحَّحه بلفظ :" يَنْزِلُ ربُّنا كُلَّ ليلةٍ إلى السَّماء الدُّنيا حينَ يبقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرِ فيقولُ مَنْ يدعوني فأستجيبَ له ومَنْ يسألُني فأعطيَه ومَنْ يستغفرُني فأغفرَ له " .. 

أهلُ الحَقِّ يقولون :" المضافُ محذوف ، والتقديرُ : يَنْزِلُ مَلَكُ ربِّنا بأمرٍ من الله ، ولا يَتَّصِفُ الله بالحركةِ والسُّكُون " .. 

وممَّا استدلُّوا بهِ على تأويلِهم ما رواه النَّسَائِيُّ في (عَمَلِ اليومِ واللَّيلة) بإسنادٍ صحيحٍ عن رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم ، فقد رَوَى عنه أنه قال :" إنَّ الله يُمْهِلُ حَتَّى إذا مَضَى شَطْرُ اللَّيلِ الأَوَّلِ يأمرُ مناديًا فينادي .. " إلى ءاخرِ الحديث .. 

إنَّ روايةَ النَّسَائِيِّ فَسَّرَتْ معنى النزول .. فيكونُ معنى النُّزول أنَّ الْمَلَكَ يَنْزِلُ بأمرِ الله .

قالَ الإمامُ مالك :" معناه تَنْزِلُ رحمتُه وأمرُه وملائكتُه كما يقالُ فَعَلَ السُّلْطَانُ كَذَا إذا فَعَلَهُ أتباعُه " .. أنظر[(شرحَ صحيحِ مسلم)/ج6/ص279]للنَّوَوِيِّ ..


قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في شرحه لهذا الحديث:

قَوْلُهُ ﷺ (يَنْزِلُ رَبُّنَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا) اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ أَثْبَتَ الْجِهَةَ وَقَالَ: هِيَ جِهَة الْعُلُوّ، وَأنكر ذَلِك الْجُمْهُور لِأَنَّ الْقَوْلَ بِذَلِكَ يُفْضِي إِلَى التَّحَيُّزِ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ.

وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي مَعْنَى النُّزُولِ عَلَى أَقْوَالٍ، فَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَحَقِيقَتِهِ وَهُمُ الْمُشَبِّهَةُ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ قَوْلِهِمْ.

فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ٣/ ٣٠.

قال الإمام أبو جعفر ابن جرير الطبري (ت310هـ) :

اجتمعَ المُوَحِّدُون من أهل القبلة وغيرهم على فساد وَصْفِ الله تعالى بالحَرَكَةِ والسكون والألوان والطعوم والأراييح.

التبصير في معالم أصول الدين، ص ٢٠١.

قال الإمام الخطابي في كتابه “معالم السنن”:

وَقَدْ زَلَّ بَعْضُ شُيُوخِ أَهْلِ الْحَدِيثِ مِمَّنْ يُرْجَعُ إِلَى مَعْرِفَتِهِ بِالْحَدِيثِ وَالرِّجَالِ، فَحَادَ عَنْ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ حِينَ رَوَى حَدِيثَ النُّزُولِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى نَفْسِهِ، فَقَالَ: إِنْ قَالَ قَائِلٌ: كَيْفَ يَنْزِلُ رَبُّنَا إِلَى السَّمَاءِ؟ قِيلَ لَهُ: يَنْزِلُ كَيْفَ يَشَاءُ. فَإِنْ قَالَ: هَلْ يَتَحَرَّكُ إِذَا نَزَلَ؟ فَقَالَ: إِنْ شَاءَ يَتَحَرَّكُ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَتَحَرَّكْ. وَهَذَا خَطَأٌ فَاحِشٌ عَظِيمٌ، وَاللَّهُ تَعَالَى لَا يُوصَفُ بِالْحَرَكَةِ، لِأَنَّ الْحَرَكَةَ وَالسُّكُونَ يَتَعَاقَبَانِ فِي مَحِلٍّ وَاحِدٍ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ أَنْ يُوصَفَ بِالْحَرَكَةِ مَنْ يَجُوزُ أَنْ يُوصَفَ بِالسُّكُونِ، وَكِلَاهُمَا مِنْ أَعْرَاضِ الْحَدَثِ، وَأَوْصَافِ الْمَخْلُوقِينَ، وَاللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مُتَعَالٍ عَنْهُمَا، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ. فَلَوْ جَرَى هَذَا الشَّيْخُ عَلَى طَرِيقَةِ السَّلَفِ الصَّالِحِ وَلَمْ يُدْخِلْ نَفْسَهُ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ لَمْ يَكُنْ يَخْرُجُ بِهِ الْقَوْلُ إِلَى مِثْلِ هَذَا الْخَطَأِ الْفَاحِشِ.

معالم السنن للخطابي، ٤/ ٣٣٢.

وقال الإمام البيهقي في كتابه “الأسماء والصفات”:

وَالْمَجِيءُ وَالنُّزُولُ صِفَتَانِ مَنْفِيَّتَانِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى، مِنْ طَرِيقِ الْحَرَكَةِ وَالِانْتِقَالِ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، بَلْ هُمَا صِفَتَانِ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى بِلَا تَشْبِيهٍ، جَلَّ اللَّهُ تَعَالَى عَمَّا يَقُولُ الْمُعَطِّلَةُ لِصِفَاتِهِ وَالْمُشَبِّهَةُ بِهَا عُلُوًّا كَبِيرًا.

الأسماء والصفات للبيهقي، ٢/ ٣٧٨.

معنى المجيء في قوله تعالى وَجَاءَ رَبُّكَ

"وجاء ربك والملك صفًا صفًا"...وجاء ربُّك اي جاء امرُ ربِّك.

قولُ الله تعالى: (وجاء ربُّك ) هذا يقال له عند علماء البيانِ مجازُ الحذفِ ، يُقدَّرُ مضافٌ، ( وجاء ربُّك ) اي جاء امرُ ربِّك.

كما في الحديث القدسي الذي رواه مسلم: ( مرِضتُ فلم تعُدني وجُعتُ ولم تُطعِمْني ) معناه مرِضَ عبدي، وجاع عبدي، على تقدير مضاف

يوم القيامة ينزلُ ملائكةٌ كثير يُحيطون بالإنس والجنّ هم يكونون ضمن سبعة صفوف، الملائكةُ يكونون في سبعة صفوف في وقت من الأوقات الكافرُ يُنكرُ أنَّهُ كان يعبُدُ غيرَ الله. فإن قيل: فقد قال تعالى {كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ} [المطففين: 15] وقال {وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ} [القصص: 78] وقال: {وَلاَ يُكَلّمُهُمُ ٱللَّهُ} [البقرة: 174] وهذا يتناول بعمومه جميع الكفار. قلنا: القيامة مواطن، فموطن يكون فيه سؤال وكلام، وموطن لا يكون ذلك فلا تتناقض الآي والأخبار، والله المستعان.

قال عكرمة: القيامة مواطن يسأل في بعضها ولا يسأل في بعضها. وقال ابن عباس: لا يسألون سؤال شفاء وراحة، وإنما يسألون سؤال تقريع وتوبيخ لم عملتم كذا وكذا، والقاطع لهذا قوله تعالى {فَوَرَبّكَ لَنَسْـئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [الحجر: 92 - 93].

قال أهل التأويل: عن لا إلٰه إلاّ الله. وقد قيل إن الكفار يحاسبون بالكفر بالله الذي كان طول العمر دثارهم وشعارهم، وكل دلالة من دلائل الإِيمان خالفوها وعاندوها، فإنهم يبكتون عليها ويسألون عنها: عن الرسل وتكذيبهم إياهم لقيام الدلائل على صدقهم.

وقال تعالى {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَـٰيَـٰكُمْ وَمَا هُمْ بِحَـٰمِلِينَ مِنْ خَطَـٰيَـٰهُمْ مّن شَىْء إِنَّهُمْ لَكَـٰذِبُونَ وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْـئَلُنَّ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ عَمَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} [العنكبوت: 12 ـــ 13] والآي في هذا المعنى كثيرة، ومن تأمل آخر سورة المؤمنين {فَإِذَا نُفِخَ فِى ٱلصُّورِ} [المؤمنون: 101] إلى آخرها تبين له الصواب في ذلك، والحمد لله على ذلك.ففى موقف من مواقف القيامة اللهُ يَختمُ على فم الكافر فتنطقُ أعضاؤه، تشهَدُ عليه أعضاؤه بما كان يَعمَلُ من الكفر، هذا من العجائب التي يُظهرُها اللهُ يومَ القيامة كذلك الأرض التي كان عملَ عليها الانسانُ شرًّا أو خَيرًا، اللهُ يُنطقُها ، هذا الجزءُ من الأرض يشهَدُ عليه بما فَعَلَ من السيئات ويشهَدَ للمؤمن بما فَعلَ من الخيرات. الذهبُ الذي كان الشخصُ لا يُزكّيه يكونُ جَمرًا يُعيدُهُ اللهُ فيُحَمى في نار جَهَنَّم يصير مثل الجمر ثم يكوى به جنب وجبهة وظهر الذي كان لا يُزَكّيه. ويُعيدُ اللهُ البقرَ الذي كان لا يُزَكّيه الشَّخصُ فتنطحه بقرونها وكذلك الإبل تدوس بخفافها الشخص الذي كان لا يُزَكّيها وكذلك في ذلك اليوم تَظهَرُ عجائبُ أخرى. هذه العجائب اللهُ قالَ عنها {وجاء ربك والملَكُ صفًّا صفًّا}. وجاءَ ربُّكَ معناهُ تلك العجائب التي تَظهَرُ يوم القيامة. ثمَّ الملائكةُ يَجُرُّون جُزءًا من جَهَنَّم كبيرًا سبعون ألف ملَك بسبعين ألف سلسلة يَجُرُّونها إلى حيثُ يراها الكفار قبل أن يدخُلُوا جَهَنَّم. ولو كان يوجد موت هناك لمات الكفار من شدّة هول ذلك المنظر لكن هناك في الآخرة لا يوجد موت. في الدنيا مَن اشتَدَّ عليه الألم قد يموت أمَّا في الآخرة لا يموت. أهلُ السُّنَّة يقولون: {وجاء ربُّك والملَك}، وجاء ربُّك أي ظهَرَت عجائبُ قُدرة الله لا يقولون جاء الله من فوق إلى تحت لا، هذا كفر. الوهابيةُ يقولون الله يأتي من فوق إلى الأرض المبدلة ليُحاسب الخَلق جَعلوا اللهَ سبحانه وتعالى كالملِك الذي يُقابلُ الرعية. اللهُ يُحاسب الخَلقَ بكلامه الذي ليس حرفًا ولا صوتًا ليس مقابلة، اللهُ مُستحيل أن يكونَ بينَهُ وبين شىءٍ من خلقه مُقابلة، مُستحيل أن يكونَ بين الله وبين شىء من خلقه مُقابلة، إنّما يُحاسبهم بكلامه يُسمعُهم كلامَه الذي هو ليس حرفًا ولا صوتًا ولا لغةً فيَفهمون منه السُّؤال أعطيتك كذا وكذا أنت فعلت كذا وكذا يفهمون، أنت فعلت كذا وكذا يوم كذا أنا أنعمتُ عليك بكذا لم فعلتَ كذا. الوقوفُ بينَ يدي الله ليس مَعناه أنَّ الخَلقَ يكونون في مُقابلة مع الله يومَ القيامة، اللهُ موجودٌ بلا مكان ولا جهة لا هو قريبٌ بالمسافة ولا هو بعيدٌ بالمسافة. الجسمُ إمَّا أن يَكونَ قريبًا منك بالمسافة أو بعيدًا عنك بالمسافة، القُربُ بالمسافة للحجم ليس لله، الذي يَظُنُّ أنَّ الوقوفَ بين يدي الله يوم القيامة القرب منه بالمسافة هذا ما عَرَفَ الله. الوهابيةُ يُفَسّرُون ءايات القرءان على الظاهر وهذا لا يجوز، الذي يُفَسّر كُلّ ءايات القرءان على الظاهر يَكفر كما قالَ سيّدُنا أحمدُ الرّفاعي رَضيَ اللهُ عنه:صونوا عقائدكم من التّمسّك بظواهر ما تشابه من الكتاب والسّنّة فإن ذلك من أصول الكفر.ا.هـ أى أوقع كثيرا من الناس فى الكفر. كذلك أهلُ السُّنَّة يقولون المؤمنون بعد أن يستَقرّوا في الجنّة يَرَون الله، ليس مَعناه أنَّ الله مُستَقرٌّ في الجَنَّة، وليس مَعناهُ أنَّهم يرونَهُ ذاتًا قريبًا منهم وليس معناه أنَّهم يَرَونَهُ ذاتًا بعيدًا عنهم، يَرَونَهُ بلا كيف ولا جهة لا يَرَونَهُ هكذا إلى فوق ولا يَرَونَهُ هكذا مُتَحَيّزًا إلى يمينهم ولا يَرَونَهُ مُتَحَيّزًا إلى جهة تحت بل بلا كيفٍ ولا جهة يرونَهُ عندما يكونون في الجَنَّة، هُم في الجنَّة أمَّا اللهُ فَهُوَ مَوجُودٌ بلا مكان. الخلقُ تَراهُ وأنت تَنظُرُ إلى فوق أو تحت أو أمام أو إلى خلف ليس هكذا يرى المؤمنون الله. أهلُ السُّنَّة كُلُّ هذا فَهمُوه من حيثُ العقلُ أي أنَّ الخالقَ موجودٌ بلا جهة ولا مكان، القُربُ المسافيُّ والبُعدُ المسافيُّ هذا صفةُ الخَلق، أمَّا من القُرءان فمن قوله تعالى {ليس كمثله شىء}، نحنُ أَخَذنا من الدَّليل العَقلي ومن هذه الآية أنَّ اللهَ مَوجودٌ بلا مكان ولا جهة.

ثُمَّ أهلُ الجَنَّة لمّا يَرَونَ اللهَ بعد استقرارهم في الجَنَّة لا يَشُكُّون أنَّهُ الله لأنَّهم رَأَوا شيئًا لا مثلَ له لذلك لا يَشُكُّون أنَّهُ الله. ا.هـ


البيهقي روى في كتاب " مناقب أحمد " عن الحاكمِ عن أبي عمروٍ بن السمَّاكِ عن حنبلٍ عن أحمدَ بنِ حنبلٍ تأوَّلَ قولَ اللهِ ﴿ و جاءَ ربُّكَ ﴾  ( سورة الفجر / 22 ) أنه جاء ثوابُه ثم قال البيهقيُّ : " و هذا اسنادٌ لا غبارَ عليه " نقلَ ذلكَ ابنُ كثيرٍ في تاريخه ( ج 10 / 648 ) ( ق / 238 ) و كذلك في كتابِ  " البداية و النهاية " ( 10 / 327 ) و رُوُيَ عن الإمام أحمد أنه قال " جاء  أَمرُه " و هذا التأويلُ من الإمامِ أحمدَ ثابتٌ صحَّحه البيهقيُ في كتابه مناقبِ الإمامِ أحمد ( عمدة الكلام 50 ) 
الإمامُ أحمدُ أوَّلَ قوْلَ الله﴿ وجاء ربُّك ﴾.، قال: "وجاءت قدرتُه" رواه البيهقيُ يعني أثراً من آثارِ قدرتهِ كإنطاقِ الأعضاءِ وغيرهِ.

وقال ابن عبد البر:

وَقَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا. وَلَيْسَ مَجِيئُهُ حَرَكَةً وَلَا زَوَالًا وَلَا انْتِقَالًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ إِذَا كَانَ الْجَائِي جِسْمًا أَوْ جَوْهَرًا. فَلَمَّا ثَبَتَ أَنَّهُ لَيْسَ بِجِسْمٍ وَلَا جَوْهَرٍ لَمْ يَجِبْ أَنْ يَكُونَ مَجِيئُهُ حَرَكَةً وَلَا نَقْلَةً. وَلَوِ اعْتَبَرْتَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: جَاءَتْ فُلَانًا قِيَامَتُهُ، وَجَاءَهُ الْمَوْتُ، وَجَاءَهُ الْمَرَضُ، وَشِبْهُ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَوْجُودٌ نَازِلٌ بِهِ وَلَا مَجِيءَ، لَبَانَ لَكَ، وَبِاللَّهِ الْعِصْمَةُ وَالتَّوْفِيقُ.

📚التمهيد لابن عبد البر، ٧/ ١٣٧.

حديث "كان في عماء ما فوقه هواء وما تحته هواء، ثم خلق عرشه على الماء

 قال الحافظ ابن الجوزي في دفع شبه التشبيه [هذا حديث تفرد به يعلى بن عطاء عن وكيع بن عدس، وليس لوكيع راو غير يعلى والعماء السحاب.

إعلم أن الفوق والتحت يرجعان إلى السحاب لا إلى الله تعالى، 

وفي معنى فوق، فالمعنى: كان فوق السحاب بالتدبير والقهر،

ولما كان القوم يأنسون بالمخلومات، سألوا عنها، والسحاب من جملة خلقه، ولو سئل عما قبل السحاب،لأخبر أن الله تعالى كان ولا شئ معه،

كذلك روي عن عمران بن حصين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال

"كان الله ولا شئ معه"

هذا حديث لا يحتج به في أمور العقائد لأسباب منها أن حماد بن سلمة لا تقبل أخباره في الصفات البتة،

وكذلك يضعف هذا الحديث بوكيع بن عدس لأنه مجهول لم يرو عنه إلا يعلى بن عطاء،

قال الحافظ في "تهذيب التهذيب" (11 / 115)[قال: ابن قتيبة في اختلاف الحديث: غير معروف، وقال ابن القطان: مجهول الحال]اه‍

قال الترمذي رحمه الله تعالى في سننه (5 / 228) بعدما رواه [قال يزيد بن هارون: العماء أي ليس معه شئ]وأقره وبذلك يكون مؤولا عند يزيد بن هارون والترمذي.

وقال الحافظ ابن حبان في صحيحه (8 / 4) عقب روايته له [وهم في هذه اللفظة حماد بن سلمة . . . يريد به أن الخلق لا يعرفون خالقهم من حيث هم إذ كان ولا زمان ولا مكان ، 

ومن لم يعرف له زمان ولا مكان ولا شئ معه لانه خالقها كان معرفة الخلق إياه كأنه كان في عماء عن علم الخلق لا أن الله كان في عماء،إذ هذا الوصف شبيه بأوصاف المخلوقين]. اهـ


قَالَ الْقَاضِي: الْمُرَادُ بِالْعَمَاءِ مَا لَا تَقْبَلُهُ الْأَوْهَامُ وَلَا تُدْرِكُهُ الْعُقُولُ وَالْأَفْهَامُ، عَبَّرَ عَنْ عَدَمِ الْمَكَانِ بِمَا لَا يُدْرَكُ وَلَا يُتَوَهَّمُ، وَعَنْ عَدَمِ مَا يَحْوِيهِ وَيُحِيطُ بِهِ الْهَوَاءُ، فَإِنَّهُ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الْخَلَاءُ الَّذِي هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ عَدَمِ الْجِسْمِ، لِيَكُونَ أَقْرَبَ إِلَى فَهْمِ السَّامِعِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ السُّؤَالَ كَانَ عَمَّا خُلِقَ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ خَلْقَهُ فَلَوْ كَانَ الْعَمَاءُ أَمْرًا مَوْجُودًا لَكَانَ مَخْلُوقًا، إِذْ مَا مِنْ شَيْءٍ سِوَاهُ إِلَّا وَهُوَ مَخْلُوقٌ خَلَقَهُ وَأَبْدَعَهُ، فَلَمْ يَكُنِ الْجَوَابُ طِبْقَ السُّؤَالِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالْحَالِ.

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح
– ج: ٩ – ص: ٣٦٦١ –

قال ابن فورك:

فَفِي هَذَا الْخَبَر إِنَّمَا سَأَلَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَيْن الله

وَهَذَا أقرب من أَن يكون سؤالا عَن الْمَكَان على أَن قَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي عماء يحْتَمل أَن يكون فِي بِمَعْنى فَوق كَمَا قَالَ الله عز وَجل {فسيحوا فِي الأَرْض} أَي على الأَرْض وكما قيل فِي تَأْوِيل قَوْله {أأمنتم من فِي السَّمَاء} أَنه أَرَادَ من فَوْقهَا

وَقد رُوِيَ هَذَا الْخَبَر على وَجْهَيْن أَحدهمَا بِالْمدِّ وَهُوَ أَن يُقَال فِي عماء مَمْدُود والعماء فِي اللُّغَة هُوَ السَّحَاب الرَّقِيق وَرُوِيَ مَقْصُورا وَهُوَ أَن يُقَال فِي عَمَّا

فَإِذا رُوِيَ مَقْصُورا احْتمل أَن يكون الْمَعْنى أَنه كَانَ وَحده وَلم يكن سواهُ فَشبه الْعَدَم بالعمى توسعا لإستحالة أَن يرى مَا هُوَ عدم كَمَا يَسْتَحِيل أَن يرى بالعمى فَكَأَنَّهُ قَالَ أَنه لم يكن شَيْء سواهُ وَلَا فَوق وَلَا تَحت وَلَا هَوَاء

فَإِذا قيل إِنَّه كَانَ فِي عماء بِالْمدِّ كَانَ سَبِيل تَأْوِيله على نَحْو مَا تأولنا عَلَيْهِ قَوْله جلّ وَعلا {أأمنتم من فِي السَّمَاء} وَذَلِكَ بِمَعْنى الْقَهْر وَالتَّدْبِير والمفارقة لَهُ بالنعت وَالصّفة دون التحيز فِي الْمَكَان وَالْمحل والجهة
وَإِذا احْتمل مَا قُلْنَا وَلم يكن اللَّفْظ مِمَّا يخص معنى وَاحِدًا كَانَ جملَة على مَا قُلْنَاهُ أولى لِأَنَّهُ لَا يُؤَدِّي إِلَى التَّشْبِيه والتعطيل وتحديد مَا لَا يجوز أَن يكون محدودا فاعلمه إِن شَاءَ الله تَعَالَى

مشكل الحديث وبيانه
– ج: ١ – ص: ١٦٩ –

قال الفخر الرازي:

قيل: العماء بالمد : الغيم الرقيق وأما العمى بالقصر فهو عبارة عن الحالة المضادة للبصر. وقال بعض العلماء يجب أن تكون الرواية الصحيحة هى الرواية بالقصر، وخينئذ تدل على نفي الجهة لأن الجهة إذا لم تكن موجودة لم تكن مرئية فأمكن جعل العمى عبارة عن عدم الجهة ، ويتأكد هذا بقوله عليه السلام : ليس تحته ماء ولا فوقه هواء. واعلم : أن هذه الوجوه التي ذكرناها بعضها ( قوي ، وبعضها ضعيف) وكيفما كان الأمر فقد ثبت أن فى القرآن والأخبار : دلائل كثيرة تدل على تنزيه الله تعالى عن الحيز والجهة وبالله التوفيق ” أهـ

[ أساس التقديس ص30-47 ] ،

الأربعاء، 4 مارس 2026

دفع زعم الوهابية أن تصحيح الطبراني لحديث عثمان بن حُنيف وقوله (الحديث صحيح) يعني به الجزء المرفوع دون الموقوف

 إن قيل إن الطبراني لم يصحح بقوله: والحديث صحيح إلا الأصل المرفوع وأما الموقوف على عثمان بن حنيف فلا يُسمى حديثا لأنه حصل بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وإنما يُسمى موقوفا.


الـجـواب ما قاله شيخنا محدث الديار المغربية عبد الله الغماري في كتابه إرغام المبتدع الغبي بجواز التوسل بالنبي الذي ألفه بالرد على الألباني لتضعيفه الأثر الموقوف على عثمان بن حنيف ما نصه:


فإن الألباني صاحب غرض وهوى، إذا رأى حديثا أو أثرا لا يوافق هواه فإنه يسعى في تضعيفه بأسلوب فيه تدليس وغش ليوهم قُراءه أنه مصيب مع أنه مخطئ بل خاطئ غاش، وبأسلوبه هذا ضلل كثيرا من أصحابه الذين يـثـقـون به ويظنون أنه على صواب والواقع خلاف ذلك.


ومن المخدوعين به مَن يُـدعى حمدي السلفي الذي يحقق المعجم الكبير فقد أقدم بجرأة على تضعيف أثر صحيح لم يوافق هواه كما لـم يوافق هوى شيخه وكان كلامه في تضعيفه هو كلام شيخه نفسه فأردتُ أن أرد الحق إلى نصابه ببيان بطلان كلام الخادع والمخدوع به، وعلى الله اعتمادي وإليه تفويضي واستنادي.


روى الطبراني في المعجم الكبير (9/17) من طريق ابن وهب عن شبيب عن روح بن القاسم عن أبي جعفر الخطمي المدني عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن عمه عثمان بن حنيف رضي الله عنه أن رجلا كان يختلف إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه في حاجة له فكان عثمان لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته فلقي عثمان بن حنيف فشكا إليه ذلك فقال له عثمان بن حنيف:


ائت الميضأة فتوضأ ثم ائت المسجد فصل فيه ركعتين ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة يـا محمد إني أتوجه بك إلى ربي فتقضى لي حاجتي، وتذكر حاجتك، ورح حتى أروح معك، فانطلق الرجل فصنع ما قال له ثم أتى باب عثمان بن عفان فجاء البواب حتى أخذ بيده فأدخله على عثمان بن عفان فأجلسه معه على الطنفسة وقال له ما حاجتك فذكر له حاجته فقضاها له ثم قال ما ذكرت حاجتك حتى كانت هذه الساعة، وقال ما كانت لك من حاجة فأتنا.


ثم إن الرجل خرج من عنده فلقي عثمان بن حنيف فقال له: جزاك الله خيرا، ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إليّ حتى كلّمتَه فيَّ، فقال عثمان بن حنيف: والله ما كلمته ولكن شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتاه رجل ضرير فشكا إليه ذهاب بصره فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أوَتصبر؟ فقال يا رسول الله إنه ليس لي قائد وقد شق علي، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ائت الميضأة فتوضأ ثم صل ركعتين ثم ادع بهذه الدعوات. قال عثمان بن حنيف: فوالله ما تفرقنا وطال بنا الحديث حتى دخل علينا الرجل كأنه لم يكن به ضر قط. صححه الطبراني، وتعقبه حمدي السلفي بقوله لا شك في صحة الحديث المرفوع وإنما الشك في هذه القصة التي يستدل بها على التوسل المبتَدع وهي انفرد بها شبيب كما قال الطبراني، وشبيب لا بأس بحديثه بشرطين أن يكون من رواية ابنه أحمد عنه وأن يكون من رواية شبيب عن يونس بن يزيد. والحديث رواه عن شبيب ابن وهب وولداه إسماعيل وأحمد وقد تكلم الثقات في رواية ابن وهب عن شبيب وابنه إسماعيل لا يعرف وأحمد وإن روى القصة عن أبيه إلا أنها ليست من طريق يونس بن يزيد ثم اختلف فيها على أحمد فرواه ابن السني في عمل اليوم والليلة والحاكم من ثلاثة طرق (عن أحمد بن شبيب) بدون ذكر القصة ورواه الحاكم من طريق عون بن عمارة البصري عن روح بن القاسم به، قال شيخنا محمد ناصر الدين الألباني (أي في كتابه المجموع التوسل) وعون هذا وإن كان ضعيفا فروايته أولى من رواية شبيب لموافقتها لرواية شعبة وحماد بن سلمة عن أبي جعفر الخطمي. انتهى



قلت ثم قال الالباني وخلاصة القول ان هذه القصة ضعيفة منكرة ثم قرر أن الطبراني انما صحح الحديث فقط دون القصة بدليل قوله وقد سبق قد روى الحديث شعبة والحديث صحيح فهذا نص على انه أراد حديث شعبة وشعبة لم يرو هذه القصة فلم يصححها اذن الطبراني فلا حجة لهم في كلامه انتهى وفي هذا الكلام تدليس وتحريف نبينه فيما يلي:


أولا: هذه القصة رواها البيهقي في دلائل النبوة من طريق يعقوب بن سفيان حدثنا أحمد بن شبيب بن سعيد عن روح بن القاسم عن أبي جعفر الخطمي عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن عمه عثمان بن حنيف أن رجلا كان يختلف إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه، فذكر القصة بتمامها. (قلت وذكرها بتمامها اي رواية البيهقي ابن تيمية في كتابه قاعدة جليلة ص 81 مطبعة المسمى المكتب الاسلامي، قال البيهقي ورواه أحمد بن شبيب بن سعيد عن أبيه بطوله وساقه من طريق يعقوب بن سفيان عن أحمد بن أبي أمامة بن سهل عن عمه وهو عثمان بن حنيف ولم يذكر إسناد هذه الطرق) ويعقوب بن سفيان هو الفسوي الحافظ الإمام الثقة بل هو فوق الثقة وهذا إسناد صحيح. فالقصة صحيحة جدا وقد وافق على تصحيحها أيضا الحافظ المنذري في الترغيب (2/606) والحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد (2/279).


ثانيا: أحمد بن شبيب من رجال البخاري روى عنه في الصحيح وفي الأدب المفرد وثقه أبو حاتم الرازي وكتب عنه هو وأبو زرعة، وقال ابن عدي وثقه أهل البصرة وكتب عنه علي بن المديني. (قال أبو حاتم ثقة صدوق وقال ابن حجر في تهذيب التهذيب وقال ابن عدي قبله أهل العراق ووثقوه وكتب عنه علي بن المديني وذكره ابن حبان في الثقات وقال ابو الفتح الازدي منكر الحديث غير مرضي قلت: لم يلتفت أحد إلى هذا القول بل الازدي غير مرضي ثم رأيت في التمهيد في ترجمة سعد بن اسحاق قال أبو عمر: أحمد بن شبيب عن أبيه متروك فكأنه تبع الازدي فانه إنما أنكر عليه حديث سعد بن إسحاق الذي أشار أليه أبو عمر والله أعلم) وأبوه شبيب بن سعيد التميمي الحَبَطي البصري أبو سعيد من رجال البخاري أيضا روى عنه في الصحيح وفي الأدب المفرد. ووثقه أبو زرعة وأبو حاتم والنسائي والذهلي والدارقطني والطبراني في الأوسط.


قال أبو حاتم: كان عنده كتب يونس بن يزيد وهو صالح الحديث لا بأس به.


وقال ابن عدي: ولشبيب نسخة الزهري عنده عن يونس عن الزهري أحاديث مستقيمة.


وقال ابن المديني: ثقة كان يختلف في تجارة إلى مصر وكتابه كتاب الصحيح. (وقد كتبتها عن ابنه أحمد كما قال المزي في تهذيب الكمال قال أبو زرعة لا بأس به وقال النسائي لا بأس به) هذا ما يتعلق بتوثيق شبيب وليس فيه اشتراط صحة روايته بأن تكون عن يونس بن يزيد.


بل صرح ابن المديني بأن كتابه صحيح وابن عدي إنما تكلم عن نسخة الزهري عن شبيب فقط ولم يقصد جميع رواياته، (قال المزي وقال أبو أحمد بن عدي: ولشبيب نسخة الزهري عنده عن يونس عن الزهري أحاديث مستقيمة وحدث عنه ابن وهب بأحاديث مناكير وذكره ابن حبان في الثقات روى له البخاري وابو داود في الناسخ والمنسوخ والنسائي وقال الحافظ في تهذيب التهذيب وقال الدارقطني ثقة ونقل ابن خلفون توثيقه عن الذهلي وقال ابن عدي ولعل شبيبا لما قدم مصر في تجارته كتب عنه ابن وهب من حفظه فغلط ووهم وأرجو أن لا يتعمد الكذب وإذا حدث عنه ابنه أحمد فكأنه شبيب آخر [يعني يجود] وقال الطبراني في الاوسط ثقة.



أما روح بن القاسم قال المزي قال عبد الله بن أحمد عن أبيه وإسحاق بن منصور عن يحيى بن معين وأبو زرعة وأبو حاتم ثقة وقال أحمد في رواية أخرى: روح بن القاسم وأخوه هشام بن القاسم من ثقات البصريين وقال النسائي ليس به بأس وعن سفيان بن عيينة: لم أر أحدا طلب الحديث وهو مسن أحفظ من روح بن القاسم روى له الجماعة سوى الترمذي.


وقال ابن حجر في التهذيب في الثقات كان حافظا متقنا وأما عبد الله بن وهب قال المزي: قال أبو الحسن الميموني سمعت أبا عبد الله وذكر ابن وهب فقال رجل له عقل ودين وصلاح في بدنه وقال أبو طالب عن أحمد بن حنبل عبد الله بن وهب صحيح الحديث يفصل السماع من العرض والحديث من الحديث ما أصح حديثه وأثبته قيل له: أليس كان يسيء الاخذ؟ قال: يسيء قد يسيء الاخذ ولكن إذا نظرت في حديثه وما روى عن مشايخه وجدته صحيحا وقال أبو بكر بن أبي خيثمة عن يحيى بن معين وقال عبد الرحمن بن ابي حاتم قلت لابي عبد الله بن وهب أحب اليك او عبد الله بن نافع قال ابن وهب وقال صالح الحديث صدوق أحب الي من الوليد بن مسلم وأصح حديثا منه بكثير وقال أيضا سمعت أبا زرعة يقول نظرت في نحو ثلاثين ألف حديث من حديث ابن وهب بمصر وغير مصر لا أعلم أني رأيت له حديثا لا أصل له وهو ثقة وقال أبو أحمد بن عدي وعبد الله بن وهب من أجلة الناس ومن ثقاتهم وحديث الحجاز ومصر وما والى تلك البلاد يدور على رواية ابن وهب ولا أعلم له حديثا منكرا إذا حدث عنه ثقة من الثقات روى له الجماعة.


قلت انا مصنف هذه الرسالة وشبيب ثقة وما قاله ابن حجر في ترجمة شبيب بن سعيد التميمي والد أحمد بن شبيب قال لا بأس بحديثه من رواية ابنه أحمد عنه لا من رواية ابن وهب وكان ابن عيينة يعظمه وقال العجلي ثقة مصري صاحب سنة رجل صالح صاحب اثار وقال النسائي لا باس به وقال في موضع آخر ثقة ما اعلمه روى عن الثقات حديثا منكرا وقال الساجي صدوق ثقة وقال الخليلي ثقة متفق عليه وموطأه يزيد على كل من روى عن مالك.


فما ادعاه الألباني تدليس وخيانة يؤكد ذلك أن حديث الضرير صححه الحفاظ ولم يروه شبيب عن يونس عن الزهري!! وإنما رواه عن روح بن القاسم ودعواه ضعف القصة بالاختلاف فيها حيث لم يذكرها بعض الرواة عند ابن السني والحاكم لون ءاخر من التدليس لأن من المعلوم عند أهل العلم أن بعض الرواة يروي الحديث وما يتصل به كاملا وبعضهم يختصر منه بحسب الحاجة والبخاري يفعل هذا أيضا فكثيرا ما يذكر الحديث مختصرا ويوجد عند غيره تاما. والذي ذكر القصة في رواية البيهقي إمام فذ يقول عنه أبو زرعة الدمشقي: قدمَ علينا رجلان من نبلاء الناس أحدهما وارحلهما يعقوب بن سفيان يعجز أهل العراق أن يَرَو مثلَه رجلا. (قال النسائي لا باس به وذكره ابن حبان في الثقات وقال الحاكم أبو عبد الله يعقوب بن سفيان إمام اهل الحديث بفارس وقال عبد الرحمن بن ابي حاتم فانك لا تجد مثله وذكره ابن حبان في الثقات وقال مسلمة بن القاسم لا بأس به، قلت ولم يجرحه أحد).


وتقديمه رواية عون الضعيف على من زاد القصة لون ثالث من التدليس والغش، فإن الحاكم روى حديث الضرير من طريق عون مختصرا ثم قال: تابعه شبـيب بن سعيد الحَبَطي (كلاهما) عن روح بن القاسم (عن أبي جعفر المدني وهو الخطمي عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن عمه عثمان ابن حنيف) زيادات في المتن والإسناد والقول فيه قول شبيب فإنه ثقة مأمون، هذا كلام الحاكم وهو يؤكد ما تقرر عند علماء الحديث والأصول أن زيادة الثقة مقبوله وأن من حفظ حجة على من لم يحفظ والألباني رأى كلام الحاكم لكن لم يعجبه، لذلك ضرب عنه صفحا وتمسك بأولوية رواية عون الضعيف عنادا وخيانة.



ثالثا: تبين مما أوردناه وحققناه في كشف تدليس الألباني وغشه أن القصة صحيحة جدا رغم محاولاته وتدليساته وهي تفيد جواز التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد انتقاله، لأن الصحابي راوي الحديث فهم ذلك وفهم الراوي لـه قيمته العلمية وله وزنه في مجال الاستنباط. وإنما قلنا إن القصة من فهم الراوي على سبيل التنـزل.


والحقيقة أن ما فعله عثمان بن حنيف من إرشاده الرجل إلى التوسل كان تنفيذا لما سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم كما ثبت في حديث الضرير.


قال ابن أبي خيثمة في تاريخه: حدثنا مسلم بن إبراهيم ثنا حماد بن سلمة أنا أبو جعفر الخطمي عن عمارة بن خزيمة عن عثمان بن حنيف رضي الله عنه أن رجلا أعمى أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني أصبت في بصري فادع الله لي، قال: اذهب فتوضأ وصل ركعتين ثم قل: اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيي محمد نبي الرحمة يا محمد إني أستشفع بك على ربي في رد بصري اللهم فشفعني في نفسي وشفّع نبيي في رد بصري، وإن كانت حاجة فافعل مثل ذلك. إسناده صحيح. (وابو جعفر هو الخطمي كما صرح بذلك الطبراني وابن ابي خيثمة والحاكم والبيهقي وكذلك ابن تيمية الحراني فقد قال: قال سائر العلماء قالوا هو أبو جعفر الخطمي ثقة معروف) (وقد ذكر ابن تيميه رواية ابن ابي خيثمة هذه وقال عقبها وبالجملة فهذه الزيادة لو كانت ثابتة لم تكن فيها حجة وانما غايتها أن يكون عثمان بن حنيف ظن أن الدعاء يدعى ببعضه دون بعض فانه لم يأمره بالدعاء المشروع بل ببعضه وظن أن هذا مشروع بعد موته صلى الله عليه وسلم. قلت وهل يعلم الصحابي الجليل الثقة المامون الشرك او نصف الشرك كما يدعي هؤلاء المخرفون سبحان واهب العقول).


وقال ابن تيمية وهذه….أي الزيادة قد يقال انها توافق قول عثمان بن حنيف قلنا وعثمان علم ذاك الرجل بعد موت سيدنا رسول الله فقد دل على مشروعيته كما فهم ذلك ولما عنده من العلم بمشروعيته وقد أعل ابن تيمية رواية ابن ابي خيثمة من طريق حماد ابن سلمة بزيادة فان كانت حاجة فافعل مثل ذلك….وهي زيادة صحيحة اسنادها على شرط الصحيح قال ابن تيمية لم يرو هذه الزيادة شعبة وروح بن القاسم وهما أحفظ من حماد قلنا فكان ماذا؟ أليس حماد ثقة من رجال الصحيح؟ وزيادة الثقة مقبولة قال ابن تيمية اختلاف الالفاظ يدل على أن مثل هذه الرواية قد تكون بالمعنى قلنا تعبيرك بقد دليل على أنك لست متحققا من صحة دعواك ولن تستطيع تحقيقها (ولا من يقلدك) لانك تعلم أن أحدا من العلماء لم يجز أن يزاد في الحديث ما ليس منه سواء من أجاز الرواية بالمعنى ومن منعها (وخاصة حماد من رجال الصحيح) قال قد يكون مدرجا من كلام عثمان لا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم.


قلنا هذه دعوى كسابقتها والادراج لا بد من دليل يدل عليه وأين هو هذا الدليل؟ قال ولو ثبت لم تكن فيها حجة بل غايتها ان يكون عثمان بن حنيف ظن أن الدعاء يدعى ببعضه دون بعض قلنا بل هي حجة قاطعة لك ولاذنابك وما تقولته على عثمان مبني على ظنك أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا لذلك الضرير وظنك باطل ولو حصل كان حصل دعاء من النبي لنقله عثمان الذي شاهد القصة ونقلها ولو اراد عليه الصلاة والسلام ان يدعو للضرير لدعا له كما دعا لغيره من غير أن يحيله على الوضوء والصلاة والدعاء (ومن ذلك ما رواه البيهقي عن يزيد بن نوح بن ذكوان أن عبد الله بن رواحة قال يا رسول الله اني أشتكي ضرسي اذاني واشتد علي فوضع رسول الله يده على الخد الذي فيه الوجع وقال اللهم أذهب عنه سوء ما يجد وفحشه بدعوة نبيك المبارك المكين عندك) سبع مرات فشفاه الله تعالى قبل أن يبرح. ولو سلم أنه دعا فذلك لا يقتضي تخصيص الحديث ولا تقييده كما هو ظاهر قال هذه الزيادة تناقض الحديث قلنا في نظرك ونظر أذنابك أما عند العلماء المنصفين فهي منسجمة مع الحديث تمام الانسجام وعلى دعواك أنها مدرجة فهل كان عثمان من الغفلة والبلاهة بحيث يدرج في الحديث ما يناقضه وهو لا يشعر ؟ قال أعرض أهل السنن عنها قلنا فكان ماذا؟ وهل كل صحيح في السنن (فهذا مستدرك الحاكم فيه الصحيح وخلافه وهذا ابن الجارود له المنتقى واحاديثه لا تنزل عن رتبة الحسن كما قال الحافظ الذهبي وهذ كتاب ابي نعيم ايضا وتاريخ بغداد ايضا يروي ما هو صحيح وخلافه وهذا كتاب العاقبة لبعد الحق الاشبيلي وغيرها من الكتب المصنفة) هذا مع أنك اعترفت فيما سبق بأن الترمذي ومن معه لم يستوعبوا لفظ الحديث كما استوعبه سائر العلماء والان تجعل عدم استيعابهم حجة تعلل بها زيادة صح سندها فما هذا التناقض الغريب؟ انتهى كلام سيدي عبد الله رحمه الله.



والجملة الأخيرة من الحديث تصرح بإذن النبي صلى الله عليه وسلم في التوسل به عند عروض حاجة تقتضيه وقد أعل ابن تيمية هذه الجملة بعلل واهية بينت بطلانها في غير هذا المحل انظر كتابه مصباح الزجاجة.


وابن تيمية جريء في رد الحديث الذي لا يوافق غرضه ولو كان في الصحيح، مثال ذلك :


روى البخاري في صحيحه حديث: كان الله ولم يكن شىء غيره وهو موافق لدلائل النقل والعقل والإجماع المتيقن، لكنه خالف رأيه في اعتقاده قِدَمَ العالَم فعمد إلى رواية للبخاري أيضا في هذا الحديث بلفظ: كان الله ولم يكن شىء قبله فرجحها على الرواية المذكورة بدعوى أنها توافق الحديث الآخر: أنت الأول فليس قبلك شىء.


قال الحافظ ابن حجر: مع أن قضية الجمع بين الروايتين تقتضي حمل هذه الرواية على الأولى لا العكس والجمع مقدم على الترجيح بالاتفاق. انتهى كلام الحافظ في الفتح.


قلت أي عبد الله الغماري :


تعصبه لرأيه أعماه عن فهم الروايتين اللتين لم يكن بينهما تعارض لأن رواية: كان الله ولم يكن شىء قبله تفيد معنى اسمه الأول بدليل: أنت الأول فليس قبلك شىء ورواية: كان الله ولم يكن شىء غيره تفيد معنى اسمه الواحد بدليل رواية كان الله قبل كل شىء.


مثال ثان: حديث أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بسد الأبواب الشارعة في المسجد وترك باب علي عليه السلام، حديث صحيح، أخطأ ابن الجوزي بذكره في الموضوعات ورد عليه الحافظ في القول المسدد. وابن تيمية لانحرافه عن علي عليه السلام كما هو معلوم لم يكفه حكم ابن الجوزي بوضعه فزاد من كيسه حكاية اتفاق المحدثين على وضعه وأمثلة رده للأحاديث التي يردّها لمخالفة رأيه كثيرة يعسر تتبعها.


رابـعا: ونقول على سبيل التنـزل لو فرضنا أن القصة ضعيفة وأن رواية ابن أبي خيثمة معلولة كما في محاولة ابن تيمية، قلنا: في حديث توسل الضرير كفاية وغناء لأن النبي صلى الله عليه وسلم حين علم الضرير ذلك التوسل دل على مشروعيته في جميع حالاته ولا يجوز أن يقال عنه: توسل مبتدع، ولا يجوز تخصيصه بحال حياته صلى الله عليه وسلم ومن خصصه فهو المبتدع حقيقة لأنه عطل حديثا صحيحا وأبطل العمل به وهو حرام. والألباني جريء على دعوى التخصيص والنسخ لمجرد خلاف رأيه وهواه، فحديث الضرير لو كان خاصا به لبينه النبي صلى الله عليه وسلم كما بين لأبي بردة أن الجذعة من المعز تجزئه في الأضحية ولا تجزئ غيره كما في الصحيحين وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.


قد يقال: الداعي إلى تخصيص الحديث بحال حياة النبي صلى الله عليه وسلم ما فيه من ندائه، وهو عذر مقبول.


الـجـواب إن هذا الاعتذار مردود لأنه تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم تعليم التشهد في الصلاة وفيه السلام عليه بالخطاب ونداؤه (السلام عليك أيها النبي) وبهذه الصيغة علمه على المنبر النبوي أبو بكر وعمر وابن الزبير ومعاوية واستقر عليه الإجماع كما يقول ابن حزم وابن تيمية، والالباني لابتداعه هذا خالف هذا كله وتمسك بقول ابن مسعود: فلما مات قلنا السلام على النبي، ومخالفة التواتر والإجماع هي عين الابتداع، مع أنه صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن أعمالنا تعرض عليه وكذلك صلاتنا عليه صلى الله عليه وسلم تعرض عليه وثبت أن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغونه سلام أمته وثبت بالتواتر والإجماع أن النبي صلى الله عليه وسلم حي في قبره وأن جسده الشريف لا يبلى فكيف يمتنع مع هذا نداؤه صلى الله عليه وسلم في التوسل به وهل هو إلا مثل ندائه في التشهد!!! ولكن الألباني عنيد شديد العناد.



خامـسـا: والذي أقرره أن الألباني غير مؤتمن في تصحيحه وتضعيفه بل يستعمل في ذلك أنواعا من التدليس والخيانة في النقل والتحريف في كلام العلماء ومع جرأته على مخالفة الإجماع وعلى دعوى النسخ بدون دليل وهذا يرجع إلى جهله بعلم الأصول وقواعد الاستنباط ويدعي أنه يحارب البدع مثل التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم وتسويده في الصلاة وقراءة القرءان على الميت على زعمه لكنه يرتكب أقبح البدع بتحريم ما أحل الله وشتم مخالفيه بأقذر الشتائم خصوصا الأشعرية والصوفية وحاله في هذا كحال ابن تيمية تطاول على الناس فأكفر طائفة من العلماء وبدع طائفة أخرى ثم اعتنق هو بدعتين لا يوجد أقبح منهما إحداهما قوله: بـقِـدَمِ العالـمِ وهي بدعة كفرية والعياذ بالله تعالى. انتهى كلام المحدث عبد الله الغماري


ثم إن علماء الحديث يطلقون لفظ الحديث على المرفوع والموقوف وقد نص على ذلك جمع من المحدثين والحفاظ كأمير المؤمنين بالحديث ابن حجر العسقلاني في نخبته وابن الصلاح في مقدمته وغيرهم.


وفي كتاب فتاوى الرملي الموجود بهامش الفتاوى الكبرى ما نصه: سئل عن تعريف الأثر فأجاب: إن تعريف الأثر عند المحدثين هو الحديث سواء كان مرفوعا أو موقوفا وإن قصره بعض الفقهاء على الموقوف.


قال العلامة الاصولي عبد الله بن محمد الغماري في مصباح الزجاجة:


قالوا ان النبي صلى الله عليه وسلم دعا لذلك الضرير فهو توسل بدعائه وهو جائز لا نزاع فيه وهذا ايضا باطل لان عثمان بن حنيف لم يذكر دعاء للنبي صلى الله عليه وسلم في هذا الموطن بل صرح بقوله فوالله ما تفرقنا ولا طال بنا الحديث حتى دخل الرجل كانه لم يكن به ضر قط. فهذا صريح في نفي حصول دعاء من النبي صلى الله عليه وسلم ولهذا ترجم البيهقي على الحديث بقوله باب ما جاء في تعليمه الضرير ما كان فيه شفاؤه حين لم يصبر. انتهى وأيضا فقد دعا صلى الله عليه وسلم لاناس كثيرين طلبوا منه الدعاء في عدة مناسابات ولم يرشدهم الى ما أرشد اليه هذا الضرير من الصلاة والدعاء فدل على انه أراد في حديث الضرير تشريعا جديدا يكون عاما لسائر الناس ولا يختص بالمدعو له فقط.


فان قيل فكيف تفعل بقوله صلى الله عليه وسلم للضرير ان شئت صبرت فهو خير لك وان شئت دعوت:


قلت هذا شبهة من قال أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا له لكن لما أرشده صلى الله عليه وسلم الى الصلاة ولقنه الدعاء علمنا أن في الكلام مجازا وأن المعنى وان شئت دعوت اي وان شئت علمتك دعاء تدعو به ولقنتك اياه وهذا التاويل واجب أي متعين ليتفق أول الحديث مع اخره.


الأربعاء، 7 يناير 2026

الرد المفحم على المجسّمة والمشبّهة، من القرءان والسنّة

 الحمدُ للهِ الذي لا يشبِهُ ذاتُهُ الذوات، ولا تشبِهُ صفاتُه الصفات، ولا تكتنفُهُ الأراضي ولا السماواتِ، 

الأول بلا ابتداءٍ، الآخر بلا انتهاءٍ، الذي جلَّ عنِ الصاحبةِ والأبناءِ، كانَ قبلَ الأمكنةِ والأرجاءِ، فكونَ الأكوانَ ودبَّرَ الزمانَ وَحَدَّهُ بلا ريبٍ ولا افتراء، 

فلا يحتاجُ إلى المكانِ، ولا يتقَيَّدُ بالزمانِ، 

ولا يشغله شأنٌ عن شأنٍ في المخلوقاتِ جمعاء، 

والصلاةُ والسلامُ الأتمانِ الأكمَلانِ، على سيدِنا ونبيِّنا وقائِدِنا وقرةِ أعينِنا محمدٍ سيدِ ولدِ عدنان أفصح العرب العرباء، 

وعلى ءالهِ وصحبهِ، ومنِ اهتدى بهديهِ ما أطلَّ فجرٌ وأضاءَ. 

أما بعدُ 

يقولُ ربُنا تباركَ وتعالى في محكمِ التنـزيلِ:{ كنتُم خيرَ أمةٍ أُخرجت للناسِ تأمرونَ بالمعروفِ وتنهون عنِ المنكَرِ} ( سورة ءال عمران /110) 

ويقولُ النبيُّ : (( منْ رأى منكُم منكراً فليغيرْهُ بيدِهِ فإنْ لمْ يستطِعْ فبلسانِهِ فإنْ لمْ يستطِعْ فبقلبِهِ وذلكَ أضعف الإيمانِ)) رواهُ مسلمٌ. 

وقدْ امتدَحَ اللهُ تعالى أمةَ سيدِنا محمدٍ بأنها أمة تأمرُ بالمعروفِ وتنهى عن المنكرِ كما أسلفنا في الآيةِ الكريمةِ والحديثِ الشريفِ، وكذلكَ فإنّ اللهَ تعالى قد ذمَّ الذينَ كفروا منْ بني إسرائيلَ بقولِهِ:{ كانوا لا يتناهوْنَ عن منكرٍ فعلوهُ لبِئسَ ما كانوا يَفعلون} ( سورة المائدة /79) 

وإن من أعظم ما ابتليت به هذه الأمة أناس دعاة على أبواب جهنم، انزلقت ألسنتهم بالباطل، واندلعت أصواتهم بالضلال، يروجون السلع الرديئة بحجج واهية فاسدة. وما كلامنا عن هؤلاء وأمثالهم إلا من باب البيان الواجب تبيانه للعامة والخاصة، ولا يظن ظان أن هذا من باب الغيبة المحرمة، فمن المعروف في تاريخنا أن السلف الصالح كانوا لا يسكتون عن الباطل، بل كانت ألسنتهم وأقلامهم سيوفا حداداً على أهل البدع والأهواء. 

فقد أخرج مسلم في صحيحه أن الرسول قال للخطيب الذي قال: من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى: (( بئس الخطيب أنت)) وذلك لأنه جمع بين الله والرسول بضمير واحد فقال له قل: (( ومن يعصِ اللهَ ورسولَهُ)). 

فإذا كان الرسول لم يسكت على هذا الأمر الخفيف الذي ليس كفرا ولا إشراكا فكيف بالذين ينشرون الكفر والضلال باسم الإسلام؟ 

وقد قال رسول الله : (( حتى متى تَرِعون عن ذكر الفاجر اذكروه بما فيه حتى يحذره الناس)). رواه البيهقي. 

وقد بين النبي افتراق أمته من بعده فقال فيما رواه الترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: 

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: 

(( لَيَأْتِيَنَّ عَلَى أُمَّتِي مَا أَتَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ حَتَّى إِنْ كَانَ مِنْهُمْ مَنْ أَتَى أُمَّهُ عَلانِيَةً لَكَانَ فِي أُمَّتِي مَنْ يَصْنَعُ ذَلِكَ وَإِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ تَفَرَّقَتْ عَلَى ثنيتين وَسَبْعِينَ مِلَّةً وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلاثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً كُلُّهُمْ فِي النَّارِ إِلا مِلَّةً وَاحِدَةً قَالُوا وَمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي)). 

وإنما عنى النبي بذكر الفرق المذمومة فرق أصحاب الأهواء الضالة الذين خالفوا الفرقة الناجية بمخالفتهم ما كان عليه النبي وأصحابه في المعتقد، وليس المراد منه الخلاف في الفروع. 

وقد ذكر الإمام المفسر النحوي أبو حيان الأندلسي رحمه الله تعالى وجوب التحذير من أهل الضلال والفساد حيث قال في تفسيره النهر الماد ( 1/564) ما نصه: 

ومن بعض اعتقادات غير المسلمين استنبط من تستر بالإسلام ظاهراً، وانتمى إلى الصوفية حلول الله تعالى في الصور الجميلة ومن ذهب من ملاحدتهم إلى القول بالاتحاد والوحدة ….. ثم سرد بعض الأسماء للتحذير منها …. 

ثم قال: وإنما سردت أسماء هؤلاء نصحاً لدين الله يعلم الله ذلك، وشفقة على ضعفاء المسلمين وليحذروا منهم أشد من الفلاسفة الذين يكذبون الله ورسوله ويقولون بقدم العالم وينكرون البعث، وقد أولع جهلة من ينتمي للتصوف بتعظيم هؤلاء وادعائهم أنهم صفوة الله وأولياؤه، والرد على النصارى والحلولية والقائلين بالوحدة هو من علم أصول الدين.اهـ 


عقيدة أهل السنة تنـزيه الله عن المكان 

اعلم وفقك الله إلى مرضاته أن عقيدة أهل السنة مبنية على تنـزيه الله عن مشابهة المخلوقات، فالله تبارك وتعالى لا يشبه شيئاً من المخلوقات ولا يشبهه شىء، كان قبل المكان بلا مكان وهو الآن على ما عليه كان، كان ولم يكن أين ولا كيف ولا مكان، فكون الأكوان ودبر الزمان فلا يحتاج إلى المكان ولا يتقيد بالزمان، فكما كان قبل المكان بلا مكان فهو الآن على ما عليه كان، أي موجود بلا مكان. وهذا ما ثبت عن سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه حيث قال: (كان الله ولا مكان وهو الآن على ما عليه كان) كما رواه الإمام أبو منصور البغدادي في الفرق بين الفرق. هذه هي العقيدة التي كان عليها رسول الله وصحابته الكرام والتابعون لهم بإحسان كما سنبين في هذا الرد. 

وسترى أن استدلال الكاتب ببعض الآيات والأحاديث على مدّعاه استدلالٌ فاسد كما سيظهر لك من ردنا هذا إن شاء الله تعالى، فلنشرع بالمقصود سائلين الله التوفيق فيما هنالك. 

واعلم أن الحافظ تاج الدين السبكي نقل في طبقاته ( 9/36) عن العلامة شهاب الدين ابن جهبل أنه قال: مذهب الحشوية في إثبات الجهة مذهبٌ واهٍ ساقطٌ، يظهرُ فسادُهُ من مجرّدِ تصورِهِ، حتى قالت الأئمة: لولا اغترار العامة بهم لما صرِفَ إليهم عنان الفكر، ولا قطر القلم في الرد عليهم.اهـ 

وقال الإمام أبو نصر القشيري في التذكرة الشرقية ما نصه: وقد نبغت نابغة من الرعاع لولا استنـزالهم للعوام بما يقرب من أفهامهم ويُتصورُ في أوهامهم لأجللت هذا الكتاب عن تلطيخه بذكرهم يقولون نحن نأخذ بالظاهر ونجري الآيات الموهمة تشبيها والأخبار المقتضية حدا وعضوا على الظاهر ولا يجوز أن نطرق التأويل إلى شئ من ذلك ويتمسكون ? على زعمهم ? بقول الله تعالى:{ وما يعلم تأويله إلا الله}. وهؤلاء والذي أرواحنا بيده أضر على الإسلام من اليهود وغير المسلمين والمجوس وعبدة الأوثان لأن ضلالات الكفار ظاهرة يتجنبها المسلمين وهؤلاء أَتوا الدينَ والعوامَّ من طريقٍ يغترُّ به المستضعَفون فأوحوا إلى أوليائهم بهذه البدع وأحلُّوا في قلوبهم وصفَ المعبود سبحانه بالأعضاء والجوارح والركوب والنـزول والاتكاء والاستلقاء والاستواء بالذات والتردد في الجهات فمن أصغى إلى ظاهرهم يبادر بوهمه إلى تخيل المحسوسات فاعتقد الفضائحَ فسالَ به السيلُ وهو لا يدري.اهـ نقلها الحافظ الزبيدي في الإتحاف 


بعض الآيات الدالة على التنـزيه 

أولا نذكر بعض الآيات الدالة على تنـزيه الله عن الجهة والمكان والحد والجسمية. 

قال الله تبارك وتعالى:{ ليس كمثله شىء} (سورة الشورى/11) أي أن الله تعالى لا يشبه شيئا من خلقه بوجه من الوجوه، فلو كان في مكان أو جهة لكان مشابها لبعض خلقه، فالله تعالى لا يحتاج إلى مكان يحل فيه ولا إلى جهة يتحيز فيها. 

وقال الله تعالى:{ ولله المثل الأعلى} ( سورة النحل/60) أي لله الوصف الذي لا يشبه وصف غيره. 

وقال الله تعالى:{ هو الأول والآخر والظاهر والباطن} ( سورة الحديد/3) قال الطبري في تفسيره ( 11/670) ما نصه: وهو الباطن، فلا شىء أقرب إلى شىء منه، كما قال:{ ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} ( سورة ?/16).اهـ أي أن الطبري نفى القرب الحسي الذي تقول به المجسمة، أما القرب المعنوي فلا ينفيه، وهذا دليل على تنـزيه الله عن المكان والجهة. 

وقال الله تعالى:{ فإن الله غني عن العالمين} (ءال عمران/98) أي أن الله تعالى مستغنٍ عن كل ما سواه، فلو كان في مكان لكان محتاجاً له، فكيف يكون غنياً عن العالمين من يكون محتاجاً للمكان؟ 

قال الشيخ شرف الدين بن التلمساني في شرح لمع الأدلة ما نصه: ومنها قوله تعالى:{ إن الله لغني عن العالمين} ( سورة العنكبوت/6) فأثبت لنفسه الاستغناء عن جميع العالمين، والجهات والأمكنة من أجزاء العالم، فوجب إثبات تعاليه واستغنائه عن العالمين وعن كل وصف من صفات المحدثين.اهـ 


وقال الله تعالى:{ وكلُّ شىءٍ عنده بمقدار} ( سورة الرعد/8) أي أن الله تبارك وتعالى ليس داخل العالم ولا خارجه لأنه لو كان داخل العالم لكان له مقدار ولو كان خارجه لكان له مقدار، فلا مهرب من إثبات المقدار له إلا بنفي التحيز بالكون داخل العالم أو خارج العالم، لأن أفراد العالم كل فرد له مقدار. 

قال الإمام أبو منصور التميمي البغدادي في أصول الدين ما نصه: لو كان الإله مقدراً بحد ونهاية لم يخلُ من أن يكون مقداره مثل أقل المقادير فيكون كالجزء الذي لا يتجزأ، أو يختص ببعض المقادير فيتعارض فيه المقادير فلا يكون بعضها أولى من بعض إلا بمخصص خصه ببعضها، وإذا بطل هذان الوجهان صح أنه بلا حد ولا نهاية.اهـ 


لا نريد الإطالة ففي هذه الآيات كفاية لمن هدى الله قلبه.

الثلاثاء، 16 سبتمبر 2025

كثيرا ما تستدلّ الوهابية المشبهة الخارجة عن الحق لتحريم قراءة القرآن على موتى المسلمين، بقول الله تعالى “وأن ليس للإنسان إلا ما سعى”

 كثيرا ما تستدلّ الوهابية المشبهة الخارجة عن الحق لتحريم قراءة القرآن على موتى المسلمين، بقول الله تعالى “وأن ليس للإنسان إلا ما سعى”


قال ابن عباس رضي الله عنه إن هذه الآية منسوخة بقول الله تعالى "وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ"
(سورة الطور، الآية 21) ذكره في تفسير القرطبي (ت 671 هـ.)،
وفي تفسير القرطبي كذلك: "وقال الربيع بن أنس "وأن ليس للإنسان إلا ما سعى" أي الكافر، وأما المؤمن فله ما سعى وما سعى له غيره"، اهـ.
والربيع بن أنس هذا من أعيان التابعين من السلف الصالح توفي سنة 139 هـ. 
ولقي أنس بن مالك رضي الله عنه، قال الذهبي في سير أعلام النبلاء كان الربيع بن أنس عالم مرو في زمانه.
قال القرطبي بعد الذي نقله عن الربيع بن أنس رضي الله عنه، أن الإنسان هنا يراد به الكافر خصوصاً، قال: قلت وكثير من الأحاديث يدلّ على هذا القول وأن المؤمن يصل إليه ثواب العمل الصالح من غيره. اهـ.
انظروا إلى خبث الوهابية تحمل هذه الآية الواردة في الكافر على ما قاله الربيع رضي الله عنه، تجعلها في المسلم والعياذ بالله تعالى،
وقال الإمام أبو منصور الماتريدي وهو من أعيان علماء السلف الصالح توفي سنة 333 رضي الله عنه، إن اللام هنا بمعنى على، فيكون معنى الآية أنه ليس على الإنسان إلا ما سعى، أتت اللام بمعنى على، فالجزاء على السيئة لا يكون إلا بالمثل قال الله تعالى"فلا يجزى إلا مثلها" (سورة الأنعام، الآية 160)،
وجائز في اللغة أن تكون له بمعنى عليه كقوله تعالى "إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها" أي فعليها، أما المؤمن فالله تعالى يثيبه ويعطيه الزيادة على ما سعى بفضله وكرمه،
قال الله تعالى "من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها" (سورة الأنعام، الآية 160)، (من تفسير الماتريدي).
وفي لسان العرب لابن منظور: "والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم" (سورة المؤمنون، الآية 5) 
قال الفراء (وهو أحد كبار اللغويين من السلف توفي سنة207 هـ.) أراد على فروجهم يحافظون فجعل اللام بمعنى على". اهـ.
وفيه: "وروى المنذر يعني أبي العباس أنه سئل عن قوله عزوجل "إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها" أي عليها جعل اللام بمعنى على".
واللام بمعنى على كذلك في قوله تعالى: "وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا"(سورة الكهف، الآية 100)، يدلّ على ذلك قول الله تعالى: "ويوم يعرض الذين كفروا على النار" (سورة الأحقاف، الآية 20).
فلا تصغوا للوهابية الجهلة وحذروا منها تدّعي كذباً أنها سلفية وهي في الحقيقة تحرّف كتاب الله وتكذب كلام النبيّ صلى الله عليه وسلم وكلام السلف الصالح رضي الله عنهم.

الاثنين، 8 سبتمبر 2025

ما هي البدعة؟

 ما هي البدعة؟                                                                     


البِدْعَةُ لُغَةً مَا أُحْدِثَ علَى غَيرِ مِثَالٍ سَابِقٍ، وشَرعًا الشّىءُ المُحدَثُ الذي لم ينُصَّ عليهِ القرءانُ أي لم يُذكَر في القرءانِ ولا في الحديثِ.ثم هذا الأمر ينقسم إلى قسمين قسم يخالف ما نصَّ عليه الله ورسولُه وقسم لا يخالفه بل يوافقه في نظر أهلِ العلمِ.

 

2-ما أُحدث وكان مخالفًا للقرءان والحديث يسمى بدعة ضلالة وهو إما اعتقادي وإما عمليّ بيّن ذلك مع الأمثلة .

ما أحدث وكان مخالفًا للقرءان والحديث يسمى بدعة ضلالة وهو إما اعتقادي وإما عمليّ.


فالاعتقادي كعقيدةِ المشبهةِ القدماءِ والمُحْدَثِينَ من الكرّاميةِ من المشبهةِ القدماءِ والوهابية من المُحْدَثينَ والمعتزلةِ القدريةِ والخوارجِ المتقدمينَ منهم والمتأخرينَ كأتباعِ سيد قطب المُسَمَّيْنَ الجماعة الإسلامية فإن من الخوارجِ القدماءِ كان أناس يقال لهم البيهسية يقولون إذا حكم الملك بغير الشرعِ كفر وكفرَت الرعية مَن تابعه في الحكم ومَن لم يتابعه، وفرقة سيد قطب أحيَوْا في هذا العصر هذه العقيدة المبتَدَعة فاعتقدوا أن من حَكَمَ بغيرِ الشرعِ ولو في حكمٍ واحدٍ كفرَ والرعية التي تعيش تحت حكمهِ كفرت ولا يستثنون أحدًا إلا من قام ليثور عليه وعلى ذلك يستحلون قتل غيرهم كما تشهد عليهم أعمالهم في مصر والجزائر والشيشان وغير ذلك.


وكلٌّ من هؤلاء يتعلقون بآيات فهموها على غير وجهها وظنوا أن ما هم عليه حق موافقٌ للقرءانِ ولم يدروا أن القرءانَ ذو وجوه كما قال عمر رضي الله عنه تأتي الكلمةُ الواحدةُ لمعنَيَين ولأكثر من حيث لغةُ العربِ فبعض هذه المعاني يصحُّ تفسيرُ القرءانِ به والبعضُ الآخرُ لا يصحُّ تفسيرُ القرءانِ به، فهؤلاء الفرق أخذوا بالمعاني التي لا يصحُّ أن تكون مرادة أي مَرْضيَّة لله ورسوله.


وأما العملية فهي مثل بدعةِ المتشبهين بالصوفية صورةً بلا حقيقة فإنهم حرَّفوا اسمَ الله في مجالس الذكرِ يقولون ءاه ويعتبرون ءاه اسمًا لله حتى إن بعضَهم غَلَا فقال ءاه أقرب للفتوحِ من الله. فإن هذا العملَ مبتدعٌ لم يكن عند الصوفية القدماءِ، قال بعض هذه الفرقة الشاذلية هذا التحريف لم يكن عند شيخ الطريقة أبي الحسن الشاذلي رضي الله عنه وإنما أحدثه شاذلية فاس. ومن البدعةِ العمليةِ المحدثَةِ على خلافِ القرءانِ والحديثِ معاقبة مَن طبَعَ كتابًا ألفه غيره بدون إذنهِ بالتغريمِ أو الحبسِ يكتبونَ في النسخةِ التي يطبعها المؤلفُ أو من أذن له المؤلف “حقوقُ الطبعِ محفوظة للمؤلفِ أو الناشرِ” وهذه البدعةُ مخالفةٌ لكتابِ الله وسنةِ رسولهِ لم يفعلها أحدٌ من السلفِ ولا من الخلفِ إنما أُحدثت منذ نحو مائتي سنة تخمينًا اتباعًا للأوروبيين، ولو كان جائزًا لكان السلف أحوج للعمل به لأنهم كانوا يتعبون عند تأليفهم تعبًا كبيرًا. كان المؤلف يستعمل القلم الذي يبريه بيده كلما انكسرَ قلمٌ يبري غيرَه حتى إنه كان يتكوم عندهم من بُراية الأقلامِ شىءٌ كثيرٌ وكانوا يعملون الحبر بأيديهِم ومع ذلك لم يفعل أحدٌ منهم هذا الحَجْرَ. كانوا لا يعترضون على من استنسخ نسخًا من مؤلفاتهم للتجارة أو لغير ذلك، وقد احتج بعضُ هؤلاء المبتدعين من أهل عصرنا هذا بأنه أتعب أفكارَه في تأليفهِ.


 3-اذكر ما أحدثه أهلُ العلمِ مما لا يخالفُ القرءانَ والحديثَ ؟


وأما ما أحدثه أهلُ العلمِ مما لا يخالفُ القرءانَ والحديثَ كإحداثِ المَحاريبِ المجوفةِ والمآذنِ وشَكْلِ القرءان ونَقْطِهِ فإنه أحدثه بعضُ العلماءِ ممن كان في القرنِ الأولِ كعمر بن عبد العزيز وابن يعمر وطرق أهل الله القادرية والرفاعية وغيرهما وعمل المولد فهذه سنة حسنة تدخل تحت حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها لا ينقص من أجورهم شىء” ومن عدّ هذه بدعة ضلالة فهو جاهل لا يعتد بكلامه وقد يحتج بعض هؤلاء بحديث: “من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رَدٌّ” ولم يدرِ أن معنى الحديث إحداث ما ليس من الدين أي ما لا يوافقه لأن ذلك مردود. هؤلاء يقال لهم المساجد مسجد الرسول وغيره ما كان له مِحراب مجوف في حياةِ رسولِ الله ولا كان له مئذنة وقد أُحدِثَ في ءاخرِ القرنِ الأولِ أَحدَثَ ذلك الخليفة الراشد عمر ابن عبد العزيز وأقره المسلمون على ذلك وأنتم لا تعترضون على ذلك بل توافقون فكيف تنكرون الطريقةَ والمولدَ وأمثال ذلك بدعوى أن هذا لم يُذكر في القرءانِ أو الحديثِ تُقِرون ما أعجبَكُم وتنفون ما لم يعجبكم بلا دليلٍ. وحديثُ “من سنَّ” إلخ أخرجه مسلمٌ أما الحديثُ الآخرُ “من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد” فأخرجه البخاري.

 

4-ما الدليل على أن البدعة تَنْقَسِمُ إلى قِسْمَين؟


تَنْقَسِمُ البدعة إلى قِسْمَين كَما يُفهَمُ ذلكَ مِن حَديثِ عائِشَةَ رضِيَ الله عنْها قالَت: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: “مَن أَحْدَثَ في أمْرِنا هَذا مَا لَيسَ منْهُ فَهُوَ رَدٌّ”، أي مَردُودٌ. والحديث رواهُ البخارِيُّ ومسلمٌ، وفي رِوايةٍ لمسْلمٍ: “مَن عمِلَ عَملاً لَيْسَ عَليْهِ أمْرُنا فَهُوَ رَدٌّ”. فأفهَمَ رسولُ الله بقوله: “ما ليسَ منهُ” أنَّ المحدَثَ إنَّما يكونُ ردًّا أي مردودًا إذا كانَ على خلافِ الشّريعةِ، وأنَّ المحدَثَ الموافِقَ للشّريعةِ ليسَ مردودًا.


وهَذا التَّقْسِيْمُ مَفْهُومٌ أيضًا مِنْ حَدِيثِ جَرِيرِ بنِ عَبد الله البَجَليّ رَضيَ الله عنهُ، قالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: “مَنْ سَنَّ في الإسلام سُنَّةً حسَنَةً فَلَهُ أجرُها وأجرُ مَن عَمِلَ بها بعدَهُ مِن غير أن يَنْقُصَ من أجُورِهم شَىءٌ، ومَن سَنَّ في الإسْلامِ سُنَّةً سَيّئةً كانَ عليه وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بِها مِنْ بَعْدِه مِن غَيرِ أن يَنْقُصَ مِن أَوزَارِهم شَىءٌ” رَواهُ مسلمٌ.

 

5-ما هي البدعة الحسنة؟

 

 البِدْعَةُ الحَسَنَةُ: وتُسَمَّى السُّنَّةَ الحسَنَةَ، وهي المُحدَثُ الذي يُوافِقُ القُرءانَ والسُّنَّةَ.

 

6-ما هي البدعة السيئة؟


البدْعَةُ السَّيّئَةُ: وتُسَمَّى السُّنَّةَ السَّيّئةَ، وهي المُحْدَثُ الذي يُخَالِفُ القُرءانَ والحَدِيثَ.

 

7-ما الدليلُ من القرءان على أنَّ البدعةَ منها ما هو حسن؟


الدَّليلُ القرءانيُّ على أن البدعةَ منها ما هو حسنٌ قولُهُ تعالى: {وَجَعَلنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوُه رَأفَةً وَرَحمَةً وَرَهبَانِيَّةً ابتَدَعُوهَا مَا كَتَبنَاهَا عَلَيهِم إِلاَّ ابتِغَاءَ رِضوَانِ اللهِ ِِ} [سورة الحديد].

ففي هذه الآيةِ مدحُ المؤمنينَ من أمّةِ عيسى لأنّهم كانوا أهل رحمةٍ ورأفةٍ ولأنهم ابتدعوا الرَّهبانيّةَ وهي الانقطاعُ عن الشَّهواتِ المباحَةِ زيادةً على تجنبِ المحرماتِ حتَّى إنّهم انقطعوا عن الزّواجِ وتركوا اللّذائِذَ من المطعوماتِ والثّيابِ الفاخرةِ وأقبلوا على الآخرةِ إقبالا تامًّا.فقوله تعالى:{مَا كَتَبنَاهَا عَلَيهِم إِلاَّ ابتِغَاءَ رِضوَانِ اللهِ} فيه مدحٌ لهم على ما ابتدعوا أي ممَّا لم ينصّ لهم عليهِ في الإنجيلِ ولا قالَ لهم المسيحُ بنصّ منهُ افعلوا كذا، إنَّما هم أرادوا المبالغةَ في طاعةِ الله تعالى والتَّجردَ لطاعتِهِ بتركِ الانشغالِ بما يتعلَّقُ بالزّواجِ ونفقةِ الزوجةِ والأهلِ. ثم هؤلاءِ الذين مدحهم الله كانوا من أتباعِ عيسى على الإسلامِ مع التمسكِ بشريعةِ عيسى كانوا يبنونَ الصّوامِعَ أي بيوتًا خفيفةً من طينٍ أو من غير ذلكَ على المواضع المنعزلةِ عن البلدِ ليتجرَّدوا للعبادةِ، ثم جاءَ بعدَهم أناسٌ قلدوا أولئكَ مع الشّركِ أي مع عبادةِ عيسى وأمّهِ وتشبَّهوا بأولئكَ بالانقطاع عن الشهواتِ والعكوفِ في الصَّوَامِعِ لقولِهِ تعالى: {فَمَا رَعَوهَا حَقَّ رِعَايَتِها} [سورة الحديد] لأن هؤلاء ما التزموا بالرهبانيةِ الموافقة لشرعِ عيسى كما التزمَ أولئكَ السابقونَ، فيؤخَذُ من هذه الآيةِ أن مَن عَمِلَ عملًا لا يخالفُ الشرعَ بل يوافقهُ ليس بدعةً مذمومةً بل يُثَابُ فاعلُه ويسمَّى سنةً حسنةً وسنةَ خيرٍ، ويسمَّى بدعةً حسنةً أو بدعةً مستحبَّةً.

 

 8-ما معنى قوله صلى الله عليه وسلم:” من أحدَثَ في أمرِنا هذا ما ليسَ منهُ فهو رد”؟


قوله عليه الصلاة والسلام: “من أحدَثَ في أمرِنا هذا ما ليسَ منهُ” إشعارٌ بأنَّ من أحدَثَ ما هوَ منهُ أي ما هو موافقٌ لهُ فليس مردودًا، كما أحدَثَ عمرُ رضي الله عنه في التلبيةِ شيئًا زائدًا على تلبيةِ رسولِ الله، وتلبيةُ رسولِ الله هي: “لبيكَ اللهمَّ لبَّيكَ، لبيكَ لا شريكَ لكَ لبّيكَ، إنَّ الحمدَ والنعمةَ لكَ والمُلكَ لا شريكَ لكَ”. فزادَ عمرُ: “لبيكَ اللهم وسعدَيكَ، الخيرُ في يديكَ، والعملُ والرَّغباءُ إليكَ”، فلم يعِبْ عليهِ أحدٌ من الصحابةِ لأنه زادَ على تلبيةِ رسولِ الله شيئًا يوافِقُها، وكذلكَ مَن بَعدَ الصحابةِ زادوا أشياءَ موافقةً للشرعِ ككتابةِ صلى الله عليه وسلم عند ذِكرِ اسمِ الرسول عَقبَه فإن الرسولَ لم يكتب صلى الله عليه وسلم عقبَ اسم محمدٍ في كتابهِ إلى هِرَقل وفي كتابهِ إلى كِسرَى وغيرِ ذلك ثم جَرَى عَمَلُ المسلمينَ على كتابةِ صلى الله عليه وسلم عقبَ اسمِهِ حتى إن هؤلاء الذين ينكرونَ على الناسِ البِدَعَ الحسنةَ من عَمَلِ المولِدِ في شهرِ ربيعٍ والصلاةِ على النبي جهرةً عقبَ الأذانِ يعملونَ هذه البدعَةَ أي كتابة صلى الله عليه وسلم عقبَ اسمِ محمد في مؤلفاتِهم فما لهم يناقضونَ أنفسَهُم يقولونَ: ما لم يفعلهُ رسولُ الله أو يأمرْ به نصًّا بدعةٌ محرمةٌ، وهم مرتكبونَ ما يعيبونه على الناسِ من ذلكَ. هذا الذي ذُكِرَ هنا بعضُ الأمثلةِ عن البدعةِ الحسنةِ ويتبيَّنُ من هذا أنَّ من خَالَفَ هذا فهو شاذٌّ مكابرٌ لأنَّ مؤدَّى كلامِهِ أنَّ الصّحابَةَ الذين بشَّرَهم رسولُ الله بالجنّةِ كعمرَ بنِ الخطَّابِ وعثمانَ بن عفَّان كانوا على ضلالٍ.


9-ما الدليل من الحديث على أن البدعة منها ما هو حسن؟


وأمّا الدليلُ من الحديثِ على أن البدعةَ منها ما هو حَسَنٌ فهو قولُهُ عليه الصَّلاةُ والسّلامُ: “من سنَّ في الإسلامِ سنّةً حسنةً فلهُ أجرُهَا وأجرُ من عَمِلَ بها”.

فإن قيلَ: هذا معناهُ من سنَّ في حياةِ رسولِ الله أمَّا بعدَ وفاتِهِ فلا، فالجوابُ أن يُقالَ: “لا تثبُتُ الخصوصيَّةُ إلا بدليلٍ” وهنا الدّليلُ يعطي خلافَ ما يدَّعونَ حيثُ إنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: “من سنَّ في الإسلامِ”، ولم يَقُل من سنَّ في حياتي ولا قالَ من عَمِلَ عملاً أنا عملتهُ فأحياهُ، ولم يكن الإسلامُ مقصورًا على الزّمنِ الذي كانَ فيه رسول الله، فَبَطَلَ زَعمُهُم. فإن قالوا: الحديثُ سببهُ أن أناسًا فقراءَ شديدي الفَقرِ يلبسونَ النّمارَ جاؤوا فتمعَّرَ وجهُ رسولِ الله لما رأى من بؤسهم فتصدَّقَ الناسُ حتى جمعوا لهم شيئًا كثيرًا فتهلَّلَ وجهُ رسولِ الله فقال: “من سنَّ في الإسلامِ سنةً حسنةً فلهُ أجرُهَا وأجرُ من عَمِلَ بها”، فالجوابُ أن يُقالَ: العبرةُ بعمومِ اللفظِ لا بخصوصِ السببِ كما ذَكَرَ الأصوليونَ.

 

10-ما الدليل على أن البدعة الحسنةلا تدخل في حديث: وكلُّ محدثَةٍ بدعةٌ وكلُّ بدعةٍ ضلالةٌ”؟


أمّا الحديثُ الذي فيه: “وكلُّ محدثَةٍ بدعةٌ وكلُّ بدعةٍ ضلالةٌ” فلا يدخُلُ فيه البدعةُ الحسنةُ، لأنَّ هذا الحديثَ من العامّ المخصوصِ، أي أن لفظَهُ عامٌّ ولكنَّهُ مخصوصٌ بالبدعَةِ المخالِفَةِ للشّريعةِ بدليلِ الحديثِ الذي رواهُ مسلمٌ: “من سَنَّ في الإسلامِ سنةً حسنةً فلهُ أجرُهَا” الحديث، وذلكَ لأنّ أحاديثَ رسولِ الله تتعاضَدُ ولا تتناقَضُ، وذلكَ لأنّ تخصيصَ العامّ بمعنًى مأخوذٍ من دليلٍ نقليّ أو دليلٍ عقليّ مقبولٌ عند جميعِ العلماءِ، فلو تركَ ذلكَ لضاعَ كثيرٌ من الأحكامِ الشّرعيةِ ولحَصَلَ تناقضٌ بين النُّصوصِ، فأهلُ العِلمِ هم الذين يعرفونَ أنَّ هذا العموم مخصوصٌ بدليلٍ ءاخر عقليّ أو نقليّ.


11-تكلم عن الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم.


المحدَثَاتُ التي توافِقُ الشريعةَ كانت في الصّحابةِ والتابعينَ ومن بعدَهم ووافقَ عليها العلماءُ في مشارِقِ الأرضِ ومغارِبِهَا، ومن هذه المحدَثاتِ الاحتفالُ بمولِدِ النَّبي صلى الله عليه وسلم الذي أحدَثَهُ الملكُ المظفَّرُ في أوائلِ السّتّمائةِ للهجرةِ وكان عالمًا تقيًّا شجاعًا ووافَقَهُ على ذلكَ العلماءُ والصّوفيةُ الصّادقونَ في مشارِقِ الأرضِ ومغارِبها منهم الحافظُ أحمدُ بن حجرٍ العسقلانيُّ وتلميذُهُ الحافظُ السَّخاويُّ وكذلك الحافظُ السّيوطيُّ، وللحافظِ السّيوطيّ رسالة سمَّاهَا: “حُسنُ المَقصِدِ في عَمَلِ المَولِدِ”.

 

12-ما الدليل على أن المصحف لَم يكُن مُنَقَّطًا عِنْدَما أَمْلَى الرَّسُولُ علَى كتَبَةِ الوَحْي؟


مِنَ المُحدَثَاتِ الموافقةِ للشّريعةِ أيضًا تنقيطُ التَّابعيّ الجليلِ يحيى بن يَعمر المُصحَفَ، فالصّحابةُ الذين كتبوا الوحيَ الذي أملاهُ عليهم الرَّسولُ كانوا يكتبونَ الباءَ والتاءَ ونحوهما بلا نقطٍ.

وكانَ مِن أهْلِ العِلْمِ والتَّقْوى، وأقَرَّ ذَلِكَ العُلَماءُ مِن مُحَدّثينَ وغَيْرِهم واسْتَحْسَنُوهُ ولَم يكُن مُنَقَّطًا عِنْدَما أَمْلَى الرَّسُولُ علَى كتَبَةِ الوَحْي، وكذَلِكَ عُثمانُ بنُ عَفّانَ لمّا كتَبَ المصَاحِفَ الخَمْسَةَ أو السّتَّة لم تَكُن مُنَقَّطَةً، ومُنْذُ ذَلك التَّنقِيطِ لم يَزَل المُسلِمونَ على ذَلكَ إلى اليَوم، فَهلْ يُقالُ في هَذا إنَّه بِدْعَةُ ضَلالةٍ لأَنَّ الرَّسُولَ لَم يَفْعَلهُ؟ فإنْ كانَ الأمْرُ كذَلِكَ فليَتْركُوا هذِهِ المصَاحِفَ المُنَقّطَةَ أو لِيَكْشِطُوا هَذَا التَّنقِيْطَ مِنَ المَصَاحِفِ حتَّى تعودَ مجرَّدَةً كما في أيّامِ عُثمانَ. قالَ أبو بكر بنُ أبي دَاودَ صَاحِب السُّنَنِ في كِتَابِه المَصَاحِف: “أَوّلُ مَن نَقَطَ المَصَاحِفَ يَحيى بنُ يَعْمَرَ”.اهـ، وهوَ مِنْ عُلَماءِ التَّابِعينَ رَوَى عَن عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ وغَيرِه.

 

13-لِمَ قال عمر “نِعمَت البِدعَةُ هَذِهِ” ؟


عمرُ بن الخطَّابِ رضي الله عنه جَمَعَ النّاسَ على صلاةِ التَّراويحِ في رمضانَ وكانوا في أيّامِ رسولِ الله يصلُّونها فُرَادَى وقالَ عُمَرُ عن ذلكَ: “نِعمَت البِدعَةُ هَذِهِ”، وقد روى ذلكَ عن عمرَ البخاريُّ في صحيحِهِ.


14-ما الدليل على أن عثمان بن عفان أحدث أذتا ثانيا يوم الجمعة ؟


عثمانُ بن عفّان أحدثَ أذانًا ثانيًا يومَ الجمعةِ ولم يكن هذا الأذانُ الثَّاني في أيّامِ رسولِ الله، وما زالَ النّاسُ على هذا الأذان الثَّاني يوم الجمعةِ في مشارِقِ الأرضِ ومغارِبِهَا، وقد روَى ذلكَ عن عثمانَ البخاريُّ في صحيحِه أيضًا.

 

15-ما الدليل على أن الصّحابيّ الجليل خبيب بن عديّ أحدَثَ صلاةَ ركعتينِ عند القتلِ ؟


وكذلكَ أحدَثَ الصّحابيُّ الجليلُ خبيبُ بن عديّ صلاةَ ركعتينِ عند القتلِ، فقد رَوَى البخاريُّ في صحيحِهِ عن أبي هريرةَ رضي الله عنه أنه قالَ: “فكانَ خبيبٌ أوَّلَ من سنَّ الرَّكعتينِ عندَ القَتلِ”.

 

16-ماذا قال الحافظ النووي عن البدعة ؟


قالَ النّوويُّ في كتابِ تهذيبِ الأسماءِ واللُّغاتِ ما نصُّهُ: “قال الإمامُ الشَّيخُ المجمَعُ على إمامتِهِ وجلالته وتمكُّنِهِ في أنواعِ العلومِ وبراعتِهِ أبو محمَّدٍ عبدُ العزيزِ بن عبد السَّلام رحمَه الله ورضيَ عنه في ءاخرِ كتابِ القواعِدِ: البدعةُ منقسمَةٌ إلى: واجبةٍ ومحرَّمةٍ ومندوبةٍ ومكروهةٍ ومباحةٍ. قالَ: والطَّريقُ في ذلكَ أن تُعرَضَ البدعَةُ على قواعِدِ الشَّريعةِ فإن دَخَلَت في قواعدِ الإيجابِ فهي واجبةٌ، أو في قواعدِ التَّحريمِ فمحرَّمةٌ، أو النَّدبِ فمندوبةٌ، أو المكروهِ فمكروهَةٌ، أو المباحِ فمباحةٌ” انتهى كلامُ الحافظ  النووي.

 

17-ماذا قال ابن عابدين الحنفىّ عن البدعة ؟


قالَ ابن عابدين في رَدّ المحتارِ على الدُّرّ المُختَارِ ما نصُّهُ: “فقد تكونُ البدعَةُ واجبةً كنصبِ الأدلَّةِ للرَّدّ على أهلِ الفِرَقِ الضالَّةِ، وتعلُّمِ النَّحو المُفهِمِ للكتابِ والسُّنَّةِ، ومندوبةً كإحداثِ نحو رباطٍ ومدرسةٍ، وكلّ إحسانٍ لم يكن في الصَّدرِ الأوَّلِ، ومكروهةً كزخرفَةِ المساجِدِ، ومباحةً كالتَّوسُّعِ بلذيذِ المآكلِ والمشاربِ والثّيابِ” ا.هـ


18-ما  الدليل على  أن الوهابية متحكمينَ بآرائِهِم فما استحسنته نفوسُهُم أقرّوه وما لم تَستَحسِنهُ نفوسُهم أنكروهُ ؟


من جملةِ البِدَعِ المباحَةِ الأكلُ بالملاعِقِ فإنه في أيامِ الصحابَةِ ما كانوا يأكلونَ بها وكانوا يأكلونَ على الأرضِ ما كانوا يأكلونَ قاعدينَ على الكراسي ،وكتابة صلى الله عليه وسلم بعدَ كتابةِ اسمِ النبي لم تكن في أيامِ النبي فإنَّ الرسولَ لما كَتَبَ كتابًا إلى هِرقل كتبَ فيه “من محمدٍ عبدِ الله ورسولِهِ إلى هِرقل عظيمِ الرومِ”، من دونِ كتابةِ صلى الله عليه وسلم عقبَ اسم النبي كما أوردَهُ البخاريُّ في أولِ صحيحِهِ، فما للوهابيةِ لا يُنكرونَ هذا بل يفعلونَهُ كما يفعلهُ غيرُهم وينكرونَ أشياءَ كالمولِدِ والطريقةِ بدعوَى أن الرسولَ لم يفعلهُ، فظهرَ أنهم متحكمونَ بآرائِهِم فما استحسنته نفوسُهُم أقرّوه وما لم تَستَحسِنهُ نفوسُهم أنكروهُ ليسَ عندَهُم ميزانٌ شرعيٌّ.

 

19-ماذا قال العلماء عن بدعة المعتزلة والخوارج ؟


قد تكونُ البدعةُ نوعًا من أنواعِ الكُفرِ كبدعَةِ المعتزلةِ القائلينَ بأنّ العبدَ يَخلُقُ أفعالَهُ، والخوارجِ القائلينَ بكفرِ من سِوَاهُم، وغيرِهم مِن نحو هذه الفِرَقِ الضَّالَّة.

 

20-تكلم عن الطرق التي أحدثها بعض أهل الله .

 

من البِدَعِ الحَسَنَةِ الطُّرق التي أحدَثَها بعض الصّالحينَ ومنها الطرقُ التي أحدَثها بعضُ أهلِ الله كالرّفاعيَّةِ والقادريَّةِ وهي نحو أربعينَ، فهذه الطرقُ أصلُهَا بِدَعٌ حسنةٌ، ولكن شذَّ بعضُ المنتسبينَ إليها وهذا لا يَقدَحُ في أصلِهَا.

 

21-ما الدليل على جواز الصلاة على النبي؟


نقولُ بعونِ الله: ثَبَتَ حديثانِ أحدُهما حديثُ مسلمٍ: “إذا سَمِعتُم المؤذّنَ فقولوا مثلما يقولُ ثم صلّوا عليَّ”، وحديثُ: “من ذَكَرَني فليصلّ عليَّ” أخرجهُ الحافظُ أبو يعلى والحافظُ السَّخاويُّ في كتابهِ القول البَديع في الصلاةِ على النبي الشفيعِ، وقال: لا بأسَ بإسنادِهِ، فيؤخَذُ من ذلك أن المؤذّنَ والمُستَمِعَ كليهما مطلوبٌ منه الصلاةُ على النبي، وهذا يحصُلُ بالسّرّ والجَهرِ، فماذا تقولُ الوهابيةُ بعدَ هذا؟!.

فَمِن أينَ لهؤلاءِ المُتَنَطّعينَ المُشَوّشِينَ أن يقولوا عن عَمَلِ المولدِ بدعَةٌ محرّمةٌ وعَن الصَّلاةِ على النَّبي جَهْرًا عقِبَ الأذانِ إنَّهُ بدعةٌ محرّمةٌ بدَعْوَى أن الرسولَ ما فعلَهُ والصَّحابةَ لم يفعَلُوهُ.فإنهم قد حَرَّفوا الشريعةَ فكانَ من بِدَعِهم التي سَنَّها لهم محمدُ بن عبدِ الوهاب تحريمُ الصلاةِ على النَّبي جهرًا من المؤذّنِ عَقِبَ الأذانِ، وهم يبالغونَ في ذلكَ حتى قالَ أحدُهُم في الشامِ في جامِعِ الدَّقَّاقِ حين سَمِعَ المؤذنَ يقولُ الصلاةُ والسلامُ عليكَ يا رسولَ الله: هذا حرامٌ هذا كالذي ينكحُ أمَّهُ، بل أَمَرَ زعيمُهم محمدُ بن عبد الوهاب بِقَتلِ المؤذنِ الأعمَى الذي صَلَّى على النبي عَقِبَ الأذانِ جهرًا.

 

22-ماذا قال العلماء في تحريف اسمِ الله إلى ءاهٍ ونحوِه كما يَفعَلُ ذلكَ كثيرٌ من المنتسبينَ إلى الطُّرُقِ ؟


مِن البِدَعِ المحرَّمَةِ تحريفُ اسمٍ من أسماءِ الله كالذين يحرّفونَ اسمَ الله إلى ءاهٍ فإن ءاه ليسَ من أسماءِ الله بالاتّفَاقِ بل هو لفظٌ من ألفاظِ الأنين، والأنينُ ليسَ من أسماءِ الله، وما يرويهِ بعضُهم حديثًا وفيهِ أن الرسولَ قالَ عن مريضٍ يئنُّ “دعوهُ يئنُّ فإنَّ الأنينَ اسمٌ من أسماءِ الله” فهو مكذوبٌ على الرسولِ ولا يصحُّ نسبتُهُ إليهِ، قال تعالى:{وَللهِ الأَسمآءُ الحُسنَى فَادعُوهُ بِهَا} [سورة الأعراف].

 

23-أذكر قول الشافعي في أن البدعة منها ما هو حسن ومنها ما هو سيىء.


قَالَ الإمامُ الشَّافِعيُّ رضيَ الله عنهُ: “المُحدَثاتُ مِنَ الأمُورِ ضَربانِ، أحَدُهُما مَا أُحدِثَ ممّا يُخَالِفُ كِتابًا (أي القرءان) أَو سُنَّةً (أي الحديث) أو إجْماعًا (أي إجماع مجتهدي أمّةِ محمَّدٍ) أَو أثَرًا (أي أثر الصَّحابةِ، أي ما ثَبَتَ عن الصّحابةِ ولم يُنكر عندَهُم) فَهذِه البِدْعَةُ الضّلالَةُ، والثّانِيةُ مَا أُحْدِثَ مِنَ الخَيرِ ولا يُخَالِفُ كِتَابًا أو سُنَّةً أو إجْماعًا، وهَذه مُحْدَثَةٌ غَيرُ مَذْمُومَةٍ”، رَواهُ البَيْهقيُّ بالإسْنادِ الصّحيح في كتابِه “مَنَاقِبُ الشَّافِعيّ”. وكلامُ الشَّافعي هذا يؤيّدُ ما ذكرنَاهُ من تقسيمِ البدعَةِ إلى قسمينِ.

 

24-ما هو الإجماع ؟


الإجماعُ معناهُ اتّفاقُ مجتهدي أمّةِ محمد على أمرٍ مِن أمورِ الدّينِ فى عصر من العصور، فغيرُ المجتهدينَ هُنَا لا عبرةَ بِهِم فإن الإجماعَ يَثبُتُ بالمجتهدينَ، فالمجتهدونَ في عصرِ التّابعينَ إذا اتفقوا على شىءٍ فهو إجماعٌ حجةٌ كذلكَ في العصرِ الذي يليهِ إن اتَّفقَ مجتهدو ذلكَ العصرِ على شىءٍ هذا يُعَدُّ إجماعًا، كذلكَ الذين بعدَهُم.


الجمعة، 30 مايو 2025

تفرغ لعبادة الله والا شغلتك الدنيا

 قال رسول الله صَلَّى اللهُ عليهِ وسلم :” قالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: يا ابْنَ ءادَمَ تَفَرَّغْ لِعِبَادَتي أَمْلأْ صَدْرَكَ غِنًى وَأَسُدَّ فَقْرَكَ وَإِلا تَفْعَلْ مَلَأتُ يَدَكَ شُغْلاً وَلَمْ أَسُدَّ فَقْرَكَ“.

إن الحمد لله نحمده ونستغفره ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا مثيل له ولا ضدَ ولا ندَّ له، وأشهد أن سيدنا وحبيبنا وقائدنا وقرّة أعيننا محمدا عبده ورسوله وصفيه وحبيبه، بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة، فجزاه الله عنا خير ما جزى نبيا من أنبيائه، صلوات الله وسلامه عليه وعلى كل رسول أرسله.

أمّا بعدُ عبادَ اللهِ، فإنِّي أوصيكُمْ ونَفْسِي بتقوَى اللهِ العليِّ القديرِ، وبالتمَسُّكِ بنهجِ سيّدِ المرسلينَ سيِّدِنا محمّدٍ صلّى اللهُ عليهِ وسلّمَ، فقد قال الله تعالى: [وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ] {القصص:60} وقال سبحانه: [وَالآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى] {الأعلى:17}

وقال رسول الله صَلَّى اللهُ عليهِ وسلم :” قالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: يا ابْنَ ءادَمَ تَفَرَّغْ لِعِبَادَتي أَمْلأْ صَدْرَكَ غِنًى وَأَسُدَّ فَقْرَكَ وَإِلا تَفْعَلْ مَلَأتُ يَدَكَ شُغْلاً وَلَمْ أَسُدَّ فَقْرَكَ“. رواه أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم وحسنه السيوطي.

إخوة الإيمان والإسلام مَنِ اشْتَغَلَ بِطَاعَةِ اللهِ مَلأ اللهُ قَلْبَهُ غِنًى مَعْنَوِيًّا وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا مِنْ حَيْثُ الْمَالُ. فالفطن الذكي هو من دان نفسه وعمل لما بعد الموت وعمل بخصال الخير التي حث عليها رسول الله صَلَّى اللهُ عليهِ وسلم.

 وما أجمل أن يتعاون المسلم مع أخيه المسلم على طاعة الله تعالى، ولا سيما أن يتعاون الزوجان على طاعة الله، فقد روى سيدنا عَلِيٌّ رضي الله عنه أَنَّ السيدة فَاطِمَةَ رضي الله عنها شَكَتْ مَا تَلْقَى مِنْ أثر الرَّحَى فِي يَدِهَا  ( في الماضي كانوا يطحنون ويعجنون في البيوت ليس كاليوم ) فَأَتَت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَسْأَلُهُ خَادِمًا فَلَمْ تَجِدْهُ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ رضي الله عنها فَلَمَّا جَاءَ أَخْبَرَتْهُ، قَالَ علي: فَجَاءَنَا وَقَدْ أَخَذْنَا مَضَاجِعَنَا فَذَهَبْتُ أَقُومُ فَقَالَ: “مَكَانَكَ” فَجَلَسَ بَيْنَنَا حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ قَدَمَيْهِ عَلَى صَدْرِي فَقَالَ:” أَلا أَدُلُّكُمَا عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ ؟ ( أي جاريةٍ لأن لفظ الخادم يطلق على الذكر والانثى ) أَلا أَدُلُّكُمَا عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ ؟ إِذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا فَسَبِّحَا ثَلاثًا وَثَلاثِينَ وَاحْمَدَا ثَلاثًا وَثَلاثِينَ وكَبِّرَا أربعا وَثَلاثِينَ فَهُو خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ. رواه البخاري ومسلم والبيهقي.

قال بعض العلماء :” يحصُلُ لها بسببِ هذه الأذكارِ قوةٌ فتقدِرُ على الخدمةِ أكثرَ مما يقدِرُ الخادمُ “.

 وما أجمل أن يُذَكِّرَ كل منهما الآخرَ بما ينفعه في الآخرة، كقيام الليل مثلا، فقد قَالَ رَسولُ الله صَلَّى الله عليهِ وسلَّم :” قالت أمُّ سليمانَ بنِ داودَ لسليمانَ: يا بُنَيَّ، لا تُكْثِرِ النومَ بالليل، فإنَّ كثرةَ النومِ بالليل تتركُ الإنسانَ فقيًرا يومَ القيامة “رواه النسائي وابن ماجه والبيهقي.

فقُمْ في الليل وأيقِظِ امرأتكَ للصلاةِ، فالأنفاسُ معدودةٌ، والعمُرُ لا بد أن ينقضي، وقد قَالَ رَسولُ الله صَلَّى الله عليهِ وسلَّم: ” رحم اللهُ رجلا قامَ من الليل فصلى وأيقظَ امرأتَه فصلتْ، فإنْ أبتْ نضحَ في وجهها الماء ( أي رشَّهُ رشًّا خفيفا) وقال عليه الصلاة والسلام: رحِم الله امرأةً قامتْ من الليل فصلتْ وأيقظتْ زوجَها فصلى، فإنْ أبى نضحتْ في وجهِه الماءَ “. رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:” مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَبِيتُ عَلى ذِكْرٍ طَاهِرًا فَيَتَعارَّ مِنَ اللَّيْلِ فَيَسْأَلُ اللهَ تعالى خَيْرًا مِنْ أَمْرِ الدُّنيا والآخِرَةِ إِلا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ” رَواهُ أحمدُ وأَبو دَاودَ وحسَّنَهُ الحافِظُ السِّيوطيُّ. وَمَعْنَى يَتَعارَّ يَسْتَيْقِظَ أَثْنَاءَ تَقَلُّبِهِ في الْفِرَاشِ.

وورد  أيضا في الحديث الصحيح أن المرءَ إذا أخذ مَضجعه أتاه مَلَكٌ وشيطان، فيقول له الشيطان: اِختِم يَقَظَتَكَ بِشَرّ، ويقولُ له الملَك: اختم يقظتك بخير، فإذا ختمَ يقظتَه بخير، حرَسَهُ الملَكُ كلَّ الليلِ مِن أذى الجنِّ وغيرِ ذلك. والخيرُ إخوة الإيمان كأن يقول أستغفر الله أو لا إلهَ إلا الله ونحو ذلك من الخير.

اللهُمَّ أَعِنّا عَلى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ اللهُمَّ أَنْتَ السَّلامُ وَمِنْكَ السَّلامُ تبَارَكْتَ يا ذَا الْجَلالِ والإكْرَامِ.   


حديث: وَيْحَ عَمّار تَقتلُه الفئةُ الباغية

 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين و الصلاة والسلام علي سيدنا محمد الأمين و على ءاله و صحبه الطيبين الطاهرين. أما بعد:


 مجرّد أنّ إنسانًا كتَبَ الوَحي لرسولِ الله ليسَ معنى ذلكَ أنّ هذا الإنسانَ مُقَدّسٌ عندَ الله، ثلاثةٌ ممن كتَبُوا الوَحيَ لرسول الله ارتَدُّوا وكفَرُوا، أحَدُهم جاءَ إلى الشّام بعدَ أن حَفِظَ سُورَتين، أعظَم سُورتَين في القرآن البقرة وآل عمران، وكانَ مِن أهلِ المدينة يُصلّي خَلفَ الرّسول، فتَنَ اللهُ قَلبَهُ فهَربَ مِنَ المدينة وجاءَ إلى النّصارى إلى ناحيةِ بَرِّ الشّام، ناحيةُ برِّ الشّام كلُّهم كانوا نصَارى ما فيهِِم واحِدٌ يقولُ لا إله إلا الله، صارَ يَسُبُّ الرّسولَ معَهُم فَرحُوا بهِ قالوا هذا جَاءنا مِن عندِ محمّدٍ وهرَبَ منهُ ولجَأ إلينا وهَذا الرّجُل كانَ مِن الأنصار ثم ماتَ فدفَنُوه فلَفظَتْهُ الأرضُ ما قَبِلَتْهُ وجَدُوه على وجهِ الأرض، قالوا هذا فِعلُ محمّدٍ وأصحابِه فلْنَحفِر لهُ ولنُعَمّق فحفَرُوا لهُ وعمَّقُوا فدَفنُوه ثم لما أَصبَحُوا وجَدُوه مَرمِيًّا على وجْهِ الأرض، وهذا الرّجُل أنس بنُ مالك ما سمّاهُ قال إنّ رجُلاً منَ الأنصار ما سمّى اسمَه، ثم في المرّةِ الثالِثة كذلك حفَرُوا لهُ مرّةً ثالثةً ثم وجَدُوه مَنبُوذًا فكرِهُوه قالوا هذا لهُ شَأنٌ لأجْلِه لفَظَتْهُ الأرض فرمَوا عليهِ الحِجارة، كوَّمُوا عليهِ الحِجارةَ وترَكُوه على حالِه مِن غيرِ دَفن، هذا أحَدُ الثّلاثةِ الذينَ كتَبُوا لرسولِ الله ثم ارتَدّوا، وآخَر عُبَيدُ الله بنُ جَحشٍ هذا أيضًا كانَ يَكتُب لرسولِ الله ثم هاجَرَ إلى الحبَشة عندَ هِجرةِ الصّحابةِ إلى الحبشَة ثم هناك فُتِنَ تنَصّرَ فارتَدَّ فماتَ كافرًا على رِدّته وآخَرُ ارتَدّ ثم بعدَ بُرهَةٍ هرَبَ إلى مكّةَ لأنّ مكّةَ كانت مَركزَ المشركينَ قَبلَ أن يَفتَحَها رسولُ الله بعدَ الهجرة، هذا رجَع إلى الإسلام فثبَتَ على الإسلام وحَسُنَت حَالُه، ليسَ معنى أنّ فُلانًا كتَبَ الوَحيَ لرسولِ الله صارَ مُقَدّسًا مِثل أبي بكر وعمر وعثمانَ وعليّ، معاويةُ كتَبَ مَرّةً مما ذُكِرَ في كتبِ الحديث أنّ الرّسولَ أَعطَى لفُلان أرضَ كذا وأرضَ كذَا إقْطاعًا مِن بابِ الإقطاع، مرّةً كتَب هذا باسمِ رسولِ الله، “وهذَا ما أعطَى رسول الله صلى الله عليه وسلم”


النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- أَقْطَعَ بِلاَلَ بْنَ الْحَارِثِ الْمُزَنِىَّ مَعَادِنَ الْقَبَلِيَّةِ جَلْسِيَّهَا وَغَوْرِيَّهَا – قَالَ ابْنُ النَّضْرِ وَجَرْسَهَا وَذَاتَ النُّصُبِ ثُمَّ اتَّفَقَا – وَحَيْثُ يَصْلُحُ الزَّرْعُ مِنْ قُدْسٍ. وَلَمْ يُعْطِ بِلاَلَ بْنَ الْحَارِثِ حَقَّ مُسْلِمٍ وَكَتَبَ لَهُ النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم– « هَذَا مَا أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- بِلاَلَ بْنَ الْحَارِثِ الْمُزَنِىَّ أَعْطَاهُ مَعَادِنَ الْقَبَلِيَّةِ جَلْسَهَا وَغَوْرَهَا وَحَيْثُ يَصْلُحُ الزَّرْعُ مِنْ قُدْسٍ وَلَمْ يُعْطِهِ حَقَّ مُسْلِمٍ”رواه أبو داود(.


كتَبَ مِثلَ هذا معاويةُ، هذا ليسَ معناهُ أنّ معاويةَ مُقَدّسٌ مثل أبي بكر وعمر، أليسَ قَتلَ عِشرينَ ألفَ نَفس مِن صَحابةٍ وتَابعِين لما حَارَب عليًّا ظُلمًا، وهذا كانَ في معركةِ صِفّين وكانَ فيهم أصحابُ رسولِ الله، فِيهم الذي قال فيه الرّسول “إنّ الجنّةَ تَشتاقُ إلى ثلاثةٍ عليّ وعمارٍ وبِلال” عمّار بنُ ياسر معاويةُ قتَلَه، يقولونَ عن معاويةَ كاتب الوَحْي، نَتْبَعُ صاحبَ الشّرع أم نَتبَعُ العاطفةَ والرأي، الرسولُ قال ” ويْحَ عَمّار تقتُلُه الفِئةُ الباغِيَة ” الفئةُ الباغيةُ هيَ معاويةُ وجيشُه، وهذا الحديثُ مِن أصَحِّ الصّحيح ويقال لهُ المتواتر عندَ أهلِ الحديث، ما يوجَد في الحديث أقوى منَ المتواتر، أمّا القرآن فكُلُّه مُتواتِر أمّا الحديثُ طبَقاتٌ، مُتواترٌ، وهذا أعلَى الحديث صِحّةً ثم المشهورُ ثم أفرادُ الصّحيح ثم بعدَ ذلكَ الحسَن ثم بعد ذلكَ الضِّعَاف والموضُوعات.


قالَ رسول الله :” وَيحَ عَمّارٍ تَقتلُه الفئةُ الباغيةُ يَدعُوهم إلى الجنّة ويَدعُوهم إلى النار ” رواه البخاري. لأنّ عمّارًا يَدعُو الناس إلى طاعةِ الخليفة الرّاشد علي بنِ أبي طالب الذي لا يجوز الاستعصاءُ والتّمرد عليه بحُكْم الشّرع، عمّارٌ يَدعُو إلى طَاعةِ الخليفةِ الرّاشِد وذلكَ في سبيلِ الجنّة، وأمّا الآخَرُونَ الذين قاتَلُوا عليًّا هؤلاء دُعاةُ النار، الرسولُ سمّاهم دعاةَ النار، كيفَ نقُول هؤلاء لهم أجرٌ وهؤلاء لهم أجْرٌ، هؤلاء اجتَهدُوا وهؤلاء اجتَهدوا، نَترُك كلامَ رسول الله وراءَ الظُّهور ونَتبع رأيًا فاسِدًا قالَهُ بعضُ الفقهاءِ مِنَ شافعيةٍ وحنَفِيةٍ، الإمامُ الشّافعيُّ ليسَ مع هؤلاءِ قالَ كُلُّ مَن قاتَل عَليًّا فهوَ باغِي، والباغِي في اللّغة هو المعتدِي الظّالم.


 عائشةُ وطَلحة والزّبير الله تعالى غفَرَ لهم، طلحةُ والزّبير غُفِرَ لهما لأنهما ما قُتِلا إلا بعدَ أن انصَرفا بنِيَّتهِما عن هذِه المعركة، لأنهما مِنَ الذينَ سبقَت لهم السعَادةُ عندَ الله، الزّبير أكبَرُ الناس درجَةً في الذينَ حضَرُوا وَقْعَة الجمل، طلحةُ والزّبير هذان مِنَ العشَرة المبشَّرين بالجنّة ومَع ذلك جرَى القدَر عليهما فوقعَا في هذه المعصية لكنْ ما ماتا حتى تابا.


روى البخاري في صحيحه من حديث أبي سعيد الخُدري رضي الله عنه أنّ الرّسول صلّى الله عليه وسلّم قال :” وَيْحَ عَمّار تَقتلُه الفئةُ الباغية يَدعُوهم إلى الجنّةِ ويَدعُونَهُ إلى النار.


تفسير الآية: وأشرقت الأرض بنور ربّها

 بسم الله الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد،

معنى قولِ اللهِ تعالى: ﴿وأشرقت الأرض بنور ربّها) .أي بِحُكْمِ الله، أي في يومِ القيامَة لا حُكْمَ لأحدٍ لا لِمَلِكٍ ولا لأميرٍ إلا لله. ا.هـ

هذه الآية مِنَ الآياتِ التي يذكرونها أمامَ العوامّ في التدريسِ، أنه مثل هذه الآية: ﴿وأشرقت الأرض بنور ربّها ﴾ من أين يعرف الشخص أن هنا معنى ﴿ بنور ربّها ﴾ بحكمِ الله؟! الذي يخطر في بالِ الجاهل النور (الضوء) وقد يظنُّ إذا كان مُشبّها أنه في يوم القيامة أنّ اللهَ ضوء يُنيرُ الأرض وإذا لَم يكن مُشبّهًا قد يخطر في بالِهِ أن الله يخلق نورًا تضاءُ به الأرض، هنا :بنور ربّها ﴾ معناه بِحكمِ الله. فالآيات التي تورد عند تعليمِ الناس حتى يُفهَّموا أنَّ القرءانَ لا يُفسَّر بِمجرّدِ ما يخطر في البال ولو كان الأمرُ قد يبدو ظاهرًا سهلاً لا يعرف الشخص التفسير  الصحيح بدون أن يتلقى من أهل المعرفة الثقات.


يومَ القيامَةِ بعدَ أنْ يُحيِ اللهُ الخلقَ ويَحشُرَهُم يُنادي مَلَكٌ بأمرِ اللهِ: ﴿لمن الملك اليوم ﴾ ثُمَّ الملَكُ يُجيبُ نفسَهُ: لله الواحد القهّار ﴾ أي لا مَلِكَ مِنَ البشرِ في ذلكَ اليوم يَحكُمُ بينَ الناس ويُديرُ شؤونَهم، إعلامًا بذلك يُنادِي هذا الملَك ويقولُ ذلك؛ اللهُ هو الذي يُديرُ شؤونَ الخلقِ يومَ القيامَةِ. في بعضِ التفاسيرِ مَكتوبٌ إنَّ اللهَ يَسألُ: ﴿لمن الملك اليوم﴾ ثم هو يُجيبُ نفسَهُ بنفسِهِ: لله الواحد القهّار ﴾ وهذا غيرُ صَحيحٍ.


تفسير الآية: ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين او ادنى

 تفسير الآية: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [سورة النجم/9.8].

اعلموا رحمكم الله ان المقصود في الآية:ثم دَنَا فتدلى فكان قاب قوسين او ادني ليس معناه ان الرسول قابل الله وصار بينهما قوسين او ادني فمن يعتقد هذا فهو مشبه اذ انه جعل الله في مكان ولكن معناه كما قال الرسول عندما سألته عائشة عن معنى هذه الآية فقال:هو جبريل.


 فقد روى مسلمٌ عنْ عائشةَ رضيَ اللهُ عنها في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [سورة النجم/9.8]. قالت: إنما ذاكَ جبريلُ كانَ يأتيهِ، وإنهُ أتاهُ في هذهِ المرةِ في صورتِهِ التي هي هيأتُهُ الأصليةُ فَسَدَّ أُفُقَ السماءِ.

 

 وليسَ معنى هاتينِ الآيتينِ: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [سورة النجم/9.8]. أن الله دنا منَ الرسولِ حتى قربَ منهُ بالمسافةِ قَدْر ذراعينِ أو أقلَّ، والذي يعتقدُ هذا يضِلُّ ويكفر. أما المعنى الصحيحُ فهو أنَّ جبريل دنا منْ سيدِنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم (فَتَدَلَّى) أي جبريلُ في دنوِهِ مِنْ سيدِنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم (فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ) أي ذراعين(أَوْ أَدْنَى) أي بلْ أقربَ. وهناكَ ظَهَرَ له بهيأتِهِ الأصليةِ وله سِتُّمائةِ جناحٍ، وكلُّ جناحٍ يَسُدُّ ما بين الأرضِ والسماءِ.

  

روى مسلمٌ عن الشَعْبِيّ عَن مَسْرُوقٍ قال: كنتُ مُتَّكِئًا عندَ عائشةَ فقالتْ: يا أبا عائشةَ ثلاثٌ مَنْ تكلمَ بواحدةٍ مِنهنَّ فقد أَعْظَمَ على اللهِ الفِريَةَ قلتُ: مَا هُنَّ؟ قالت: مَنْ زَعَمَ أن محمدًا صلى الله عليه وسلم رأى ربَّهُ فقدْ أعظمَ على اللهِ الفِرْيَةَ. قال وكنتُ متكئًا فجلستُ فقلتُ: يا أمَّ المؤمنينَ أَنْظِرِيني ولا تَعْجَليني، ألم يَقُلِ اللهُ عزَّ وجلَّ: (وَلَقَدْ رَءاهُ بِالأُفُقِ الْمُبِينِ) (وَلَقَدْ رَءاهُ نَزْلَةً أُخْرَى). فقالت: أنا أوّلُ هذهِ الأمةِ سألَ عَنْ ذلكَ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فقالَ: “إنما هو جبريلُ لَمْ أَرَهُ على صورتِهِ التي خُلِقَ عليها غيرَ هاتينِ المرتينِ، رأيتُهُ مُنْهَبِطًا مِنَ السماءِ سَادًّا عِظَمُ خَلْقِهِ ما بينَ السماءِ والأرضِ”. فقالت: أَوَلَمْ تَسْمَعْ أَنَّ اللهَ يَقولُ: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [سورة الأنعام] أوَ لَمْ تَسمعْ أَنَّ الله يقولُ: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء إِنِّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [سورة الشورى/51]. قالت: ومَنْ زَعَمَ أَنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَتَمَ شيئًا من كتابِ اللهِ فقدْ أعظَمَ على اللهِ الفِرْيَةَ، واللهُ يقولُ: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [سورة المائدة/67]. قالت: وَمَنْ زَعمَ أنهُ يُخْبِرُ بما يكونُ في غَدٍ فقدْ أعظمَ على اللهِ الفِرْيَةَ. واللهُ يقولُ: ﴿قُل لا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللهُ﴾ [سورة النمل/65].

   

تنبيهٌ:

على كل مَنِ اعتقدَ أَنَّ اللهَ جسمٌ وأَنهُ متحيزٌ في مكانٍ أو أنه دَنا مِنَ الرسولِ بذاتِهِ أو أنه جالس على العرش الرجوعُ عن هذا والنطقُ بالشهادتينِ، لأنهُ يكونُ بذلكَ قَدْ شَبَّهَ اللهَ بخَلْقِهِ وكَذّبَ القرءانَ قالَ تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ . وقالَ أبو جعفرٍ الطحاويُّ السَّلفي: تعالى (يعني اللهَ) عن الحدودِ والغاياتِ والأركانِ والأعضاءِ والأدواتِ.

ومعنى تعالى: تنزه الله.

عن الحدود: الحدّ هو الحجم فالله لا يوصف بأنه حجم لا حجم كبير ولا حجم صغير.

والغايات: النهايات وهذا من صفات الأجسام والله منزّهٌ عنها.

والأركان: الجوانب وهذا أيضًا من صفات الخلق.

والأعضاء: الأجزاء الكبيرة كالرأس واليد الجارحة والرِّجل الجارحة فكل ذلك الله منزه عنه.

والأدوات: الأجزاء الصغيرة كاللسان والأضراس والأسنان.


 وهذا تنزيه صريح صرح به إمام من أئمة السلف أئمة أهل السنة والجماعة الإمام أبو جعفر الطحاوي الذي كان أدرك جزءًا من القرن الرابع وعشرات من السنين من القرن الثالث الهجري في عقيدته التي هي عقيدة أهل السنة أي الذين هم على ما عليه الرسول والجماعة أي الذين هم مع جمهور الأمة العاملون بحديث الرسول: “عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة”. وبقوله: “فمن أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة” ويكون من خالف ذلك شاذًّا ومن شذ شذ في النار.


تدليس الوهابية

 الحمد لله رب العالمين واشهد ان لا اله الا الله وحده لاشريك له واشهد ان محمداً عبده ورسوله ارسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون صلى الله عليه وعلى آله الى يوم الدين اما بعد

من تجرأ على الكذب على الله ورسوله لا نستغرب منه أن يدلس كتب العلماء وأقوالهم حتى يموه على ضعاف العقول وقليلي الاطلاع وذلك هو مع الأسف دأب الهابية أدعياء السلفية ومثال ذلك ما فعله زهير الشاويش في تحقيقه لكتاب الرد الوافرلابن ناصر الدين الدمشقي حيث أفرط في ذم الإمام العلاء البخاري، وكذب على الحافظ السخاوي بزعمه أنه قال في العلاء البخاري في كتابه “الضوء اللامع” : (وكان شديد الالتصاق بالحكّام)!! ولبيان كذبه، فهذا نص كلام السخاوي في كتاب “الضوء اللامع” الجزء التاسع ص ٢٩١طبعة دار مكتبة الحياة بيروت لبنان : (وإذا حضر عنده أعيان الدولة بالغ في وعظهم والإغلاظ عليهم بل ويراسل السلطان معهم بما هو أشد وأغلظ ويحضُّه على إزالة أشياء من المظالم) اهـ.


ومن الأمثلة الكثيرة على تدليسهم أيضا ما قام به زهير الشاويش بأمر وتواطؤ من شيخه ناصر الألباني من تلاعب بكلام الإمام السبكي حيث كتب في مقدمته على ما أسموه “شرح الطحاوية” لابن أبي العز وبالتحديد في الحاشية من ص ٥من الطبعة التاسعة ١٤٠٨هـ ١٩٨٨ رللمكتب الإسلامي لصاحبه زهير الشاويش ما نصه: ومما يدلك على ذلك كلمة الشيخ عبد الوهاب السبكي في كتابه “معيد النعم ومبيد النقم” التي نقلنا ملخصها على غلاف الكتاب وهي: ” وهذه المذاهب الأربعة – ولله تعالى الحمد – في العقائد واحدة، إلا من لحق منها بأهل الاعتزال والتجسيم، وإلا فجمهورها على الحق يقرون عقيدة أبي جعفر الطحاوي التي تلقاها العلماء سلفا وخلفا بالقبول”انتهى كلام الشاويش.


وإليك أيها القارئ الكريم كلام السبكي بحروفه حتى تتحقق  بنفسك مما نقول حيث في كتاب “معيد النعم ومبيد النقم” في ص من الطبعة الثانية ١٩٨٥رلدار الحداثة بيروت ما نصه: ما نصه: وهؤلاء الحنفية والشافعية والمالكية وفضلاء الحنابلة –ولله تعالى الحمد– في العقائد يد واحدة كلهم على رأي أهل السنة والجماعة، يدينون الله تعالى بطيق شيخ السنة أبي الحسن الأشعري رحمه الله، لا يحيد عنها إلا رعاع من الحنفية والشافعية لحقوا بأهل الاعتزال  ورعاع من الحنابلة لحقوا بأهل التجسيم، وبرّأ الله المالكية فلم نر مالكيا إلا أشعريا عقيدة. وبالجملة عقيدة الأشعري هي ما تضمنته عقيدة أبي جعفر الطحاوي التي تلقاها علماء المذاهب بالقبول ورضوها عقيدة


الثبات على الإيمان حتى الممات

 الحمد لله وحده، خلق العالم وحدّه، والصلاة والسلام على من لا نبيّ بعده وعلى ءاله الطاهرين وصحابته الميامين، اللهم ذكرنا ما نسينا، وعلمنا ما جهلنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علمًا، وارزقنا الإخلاص في العمل ودوام النعم وحسن الختام.


أما بعد، فقد روى مسلم رحمه الله أنّ رسول الله محمدا عليه الصلاة والسلام قال لسفيان بن عبد الله الثقفي رضي الله عنه لما قال له: قلت: يا رسول الله قل لي في الإسلام قولً لا أسأل عنه أحدًا غيرك، قال :”قل ءامنتُ بالله ثم استقم“، وفي رواية الترمذي أن سفيان بن عبد الله قال: قلت يا رسول الله حدثّني بأمر أعتصم به، قال :”قل الله ربي ثم استقم” قلت: يا رسول الله ما أخوف ما تخاف عليَّ؟ فأخذ بلسان نفسه ثم قال :”هذا“.


هذا الصحابي الجليل طلب من النبيّ أن يعلمه كلامًا جامعًا لأمر الإسلام، ومعنى “قل لي في الإسلام” أي في دينه وشريعته. “قولاً” أي لفظًا جامعًا لأموره كافيًا واضحًا. “لا أسأل عنه أحدًا غيرك” أي لا أحتاج فيه إلى سؤال أحد غيرك. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قل :”ءامنت بالله” أي اثبت على إيمانك بالله، أي دم على إيمانك بالله. قال عز وجل {يا أيها الذين ءامنوا ءامِنوا بالله ورسوله} أي داوموا على الإيمان بالله ورسوله واثبتوا عليه، لأنَّ الثبات على الإيمان حتى الممات من أعظم نِعم الله عز وجل.


وقد قال محدّث الديار الشامية الشيخ السيد بدر الدين الحسني رحمه الله الذي توفي من قريب ثمانين سنة تقريبا:”إنّ الملائكة لتتعجب في هذا الزمان من رجل يُتوفى على الإيمان” وذلك لانتشار الكفر بين الناس في ذلك الحين، فكيف في هذا الزمان الذي كثر فيه أدعياء العلم الذين يبثون الكفر ءاناء الليل وأطراف النهار، زاعمين أنهم يعلمون الناس الإسلام!! وقد صدق الرسول صلى الله عليه وسلم لما قال :”أُناس من جلدتنا يتكلمون بألسنتنا تعرِف منهم وتُنكر دعاةٌ على أبوابِ جهنَّم من استجاب لهم قذفوه فيها”. وقوله عليه الصلاة والسلام “ثم استقم” أي على فعل الواجبات وترك المحرمات. والاستقامة معناها لزوم طاعة الله، وقد قال سيدنا أحمد الرفاعي الكبير :”الاستقامة عين الكرامة” وقيل الاستقامة هي متابعة للسُّنّة المحمدية مع التخلق بالأخلاق المرضية. وتأمل جمال قول الله تعالى لرسوله محمد {فاستقم كما أُمِرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنّه بما تعملون بصير} قال النسفيّ رحمه الله في تفسيرها: فاستقم استقامةً مثل الاستقامة التي أُمرت بها غير عادل عنها (أي لا يتركها إلى غيرها).


وقد بشَّر الله الذين استقاموا بالجنّة التي وُعدوها، وبتبشير الملائكة بأنّه لا خوف عليهم ولا حزن، وبأنهم أصحاب الجنّة خالدين فيها. قال جلّ شأنه في القرءان الكريم :{إنَّ الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزّل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنّة التي كنتم توعدون}.


ومعنى قوله تعالى :{إنَّ الذين قالوا ربّنا الله} أي نطقوا بالتوحيد ثم استقاموا على توحيد الله وشريعة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم. وعن الصدّيق رضي الله عنه: “استقاموا فِعلاً كما استقاموا قولا”, وعن عمر الفاروق رضي الله عنه أنه قال: “لم يروغوا روغان الثعالب” أي لم ينافقوا, وعن عثمان رضي الله عنه: “أخلصوا العمل”, وعن سيدنا الإمام علي رضي الله عنه: “أدّوا الفرائض”, وعن الفضيل رحمه الله: “زهدوا في الفانية (أي الدنيا) ورغبوا في الباقية (أي الآخرة)”. وقال العلامة النسفيّ رحمه الله في قوله تعالى:{تتنزل عليهم الملائكة} أي عند الموت {ألا تخافوا} أي ما تقدمون عليه {ولا تحزنوا} على ما خلفتم، فالخوف غمّ يلحق بالإنسان لتوقع المكروه، والحزن غمُّ يلحق لوقوعهِ من فوات نافعٍ أو حصول ضار، والمعنى أنَّ الله كتب لكم الأمْن من كل غمّ فلن تذوقوه {وأبشروا بالجنَّة} التي كنتم توعدون في الدنيا. انتهى.


قال بعضهم: متى استقام القلب على معرفة اللهِ وعلى خشيته وإجلاله ومحبته ورجائه ودعائه والتوكل عليه والإنابة إليه استقامت الجوارحُ على طاعتِه فإنَّ القلبَ هو ملِك الأعضاء وهي جنوده. فإذا استقام الملك استقامت جنوده ورعاياه، وأعظمُ ما يُراعى بعد القلب من الجوارح اللسان فإنّه ترجمان القلب والمعبّر عنه.


وفي مسند الإمام أحمد رحمه الله أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لا يستقيم إيمانُ عبدٍ حتى يستقيمَ قلبُه، ولا يستقيمُ قلبُه حتى يستقيمَ لسانُه“. نسأل اللهَ حسن الختام والاستقامة والثبات على الإيمان حتى الممات بجاه حبيبه محمد صلى الله عليه وسلم. والله أعلمُ وأحكم.


دين الله ليس بالرأي

 اعلم وفقك الله أن دين الله تعالى يعرف من مصادر التشريع القرءان والسنة والإجماع والقياس ولا يؤخذ دين الله بالرأي الذي يخالف ذلك وليس لأي إنسان أن يقول في مسائل الدين برأيه المخالف للشرع قال الإمام علي رضي الله عنه : لو كان الدين بالرأي لكان مسح الخف من أسفله لكني رأيت رسول الله يمسح الخف من اعلاه.


ثم إن المسلمين كلهم يعتقدون أن الضار والنافع على الحقيقة هو الله وأنه لا أحد يخلق شيئا لا منفعة ولا ضرا إلا الله وأن الله تعالى جعل في الدنيا أسبابا ومسببات والأسباب مخلوقه وكذلك مسبباتها وأن هذه المسببات لا توجد إلا بخلق الله ولو وجد السبب فالنار سبب للإحراق إن شاء الله ومع ذلك لم تؤثر في إبراهيم عليه السلام وهذا النعام يأكل الجمر الأحمر ويستمرئ به وهذا الحيوان الذي يقال له السمندل يدخل النار فلا تحرقه كذلك الإنسان يأكل ويشرب ويتداوى وهو لا يعتقد أن الأكل والشرب والدواء يخلقون شيئا إنما الخالق هو الله.


وقد روى الحافظ الحاكم في كتابه المستدرك وصححه أن آدم حين اقترف الخطيئة أي المعصية الصغيرة لأكله من الشجرة التي نهي عنها قال : يارب اسألك بحق محمد إلا ماغفرت لي قال : كيف عرفت محمدا ولم أخلقه بعد قال : إنك لما خلقتني رفعت رأسي فرأيت على قائمة من قوائم العرش لا إله إلا الله محمد رسول الله فعرفت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك ا.هـ والحاكم حافظ له حق التصحيح والتضعيف وليس ذلك لغير الحافظ من هؤلاء المتطفلين فلو كان سؤال الله بحق أحد من خلقه شركا هل يحصل من نبي؟!.


وكذلك مارواه الحافظ الطبراني في معجميه الكبير والصغير وفيه أن الرسول علم الأعمى أن يقول اللهم إني اسألك واتوجه إليك بنبيك محمد …الحديث إلى آخره قال الحافظ الطبراني عقب روايته له ورواية أن عثمان ابن حنيف الصحابي راوي الحديث علم هذا الدعاء الذي فيه التوسل لرجل بعد وفاة الرسول كان صاحب حاجة من عثمان بن عفان فقضى له حاجته قال الطبراني عقب الحديثين المرفوع والموقوف والحديث صحيح.


فليس للمعترض أن يقول كيف تطلب من غير الله او تسأل غير الله إن كان نبيا أو وليا بعد موته فيقال له أنت لست أفهم من الرسول الذي علم التوسل وهذا الأمر ماكان عليه المسلمون حتى جاء ابن تيمية وحرم ذلك وجعله شركا ثم تبعه محمد بن عبد الوهاب وعلى هذا ادعياء السلفية في هذا العصر الذين هم الوهابية وليس لهم حجة في قول الله تعالى ادعوني استجب لكم فإن هذه الآية معناها : أطيعوني اثبكم وليس في التوسل بالأنبياء والاولياء معارضة للآية ثم يقول هؤلاء المانعون إن النبي أو الولي قد مات وهو لا ينفع بل الحق أن يقال إنه ينفع بإذن الله أليس موسى نفع أمة محمد حين قال لمحمد ليلة المعراج سل ربك التخفيف واليس ثبت بالإسناد الصحيح المتصل فيما رواه البيهقي أن بلال بن الحارث المزني الصحابي جاء إلى قبر النبي في عام الرماده وقال يارسول الله استسق لأمتك فإنهم قد هلكوا فسقوا ببركة الرسول صلى الله عليه وسلم.


ثم اسمع ياطالب الحق ومريد الهدى والصواب حقيقة محمد بن عبد الوهاب من صاحب كتاب السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة الذي ترجم نحو ثمانمائة عالم وعالمة من المذهب الحنبلي حيث يقول في ترجمة عبد الوهاب هو والد محمد صاحب الدعوه التي انتشر شررها في الآفاق وكان عبد الوهاب يقول ياما سترون من محمد من الشر فإنه كان لا يرى كلام عالم  قط إلا كلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم الجوزية فإنه كان يرى كلامهما نصا لا يقبل التأويل وكان يرى كفر من خالفه ويستحل دمه وكان له أخ يسمى الشيخ سليمان ألف ردا عليه سماه فصل الخطاب في الرد على محمد بن عبد الوهاب فلما علم محمد بذلك أراد قتله فأدخل عليه مجنونا بيده السيف وكان الشيخ سليمان في المسجد وحده فلما رآه المجنون قال يا سليمان لا تخف أنت في أمان, قال :ولا شك أن هذا من الكرامات فسلمه الله منه.


فهذا هو محمد بن عبد الوهاب يكفر المتوسلين والمتبركين بالأولياء والصالحين ويكفر الذين يعلقون الحروز التي تحوي آيات القرءان وكلام الرسول أو غير ذلك من الاذكار وكتب الوهابية طافحة بتكفير الاشاعرة والصوفية والاشاعرة هم أهل السنة والجماعه حتى إنهم ذكروا ذلك في كتب الأولاد في المدارس عندهم . والوهابية يعتقدون أن الله جسم قاعد فوق العرش ويصرحون بتشبيه الله بخلقه ويصفون الله بالنزول والصعود الحقيقين مكذبين بذلك القرءان ومحرفين لمعاني الآيات والأحاديث ويكفي في تنزيه الله تعالى عن مشابهة الخلق بأي وجه من الوجوه قوله تعالى : ليس كمثله شئ . وقد قال الامام ابو جعفر الطحاوي في عقيدته المشهورة بين المسلمين والتي ألفها قبل الف سنه وذكر في مقدمتها أنها ذكر بيان عقيدة أهل السنة والجماعه مانصه : ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر وقال عن الله : تعالى عن الحدود والغايات والأركان والاعضاء والادوات لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات.


أربع أشياء يسأل عنها الانسان يوم القيامة

 بسم الله الرَّحمن الرَّحيم

الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ والصلاةُ والسلامُ على سيدِ المرسلينَ وعلى ءالهِ الطيبينَ الطاهرينَ أما بعدُ، فقدْ قالَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ: “لا تزولُ قَدَمَا عَبْدٍ يومَ القيامةِ حتى يُسألَ عنْ أربع ٍ عنْ عُمُرِهِ فيما أفناهُ وعنْ جسدِه فيما أبْلاهُ وعنْ مالهِ مِنْ أيْنَ أخذهُ وفيما أنْفَقَهُ وعنْ عِلمِهِ ماذا عَمِلَ بهِ”.


في هذا الحديثِ الصحيحِ أن الانسانَ يُسألُ يومَ القيامةِ عنْ هذهِ الأشياءِ الأربعةِ.


الأولُ: عَنْ عُمُرِهِ فيما أفناهُ لأنَ وجودَ الانسانِ بإيجادِ اللهِ نعمةٌ فَيُسألُ العبدُ عنْ هذهِ النِّعمةِ، اللهُ أنعمَ عليهِ بالوجودِ فيُسألُ عنْ هذهِ النعمةِ يُسْألُ فيما أفْنَيْتَ عُمُرَكَ فَإمّا أنْ يكونَ أفنَى عُمُرَهُ في طاعةِ اللهِ وإما أنْ يكونَ أفْنى عُمُرَهُ في معصيةِ اللهِ وهذا يُعَامَلُ على ما يليقُ بهِ وهذا يُعَامَلُ على ما يليقُ بهِ.


والأمرُ الثاني: يُسْألُ عنْ جسَدِهِ فيما أبلاهُ أيْ ماذا عَمِلَ بجوارِحِهِ بيَدِهِ ورِجْلِهِ وعينِهِ وأُذُنِهِ هَلِ استعملَ هذهِ النِّعَمَ في طاعةِ اللهِ أمْ في معصيةِ اللهِ لأنَّ العينَ واللِّسانَ واليَدَ والأُذُنَ والرِّجْلَ كُلَّ هذا مِنْ نِعَمِ اللهِ، مَنِ اسْتَعْمَلَهُ في طاعةِ اللهِ ينالُ في الآخرةِ أجراً عظيماً يَلقَى أجراً جزيلاً في الآخرةِ، لهذا يُسأَلُ عنْ جَسَدِهِ فيما أبلاهُ.


والأمرُ الثالثُ: المالُ يُسْأَلُ الإنسانُ منْ أينَ جَمَعْتَ هذا المالَ إنْ كانَ أخذَهُ من حَلالٍ وصَرَفَهُ في حلالٍ في غَيْرِ معصيَةِ اللهِ، ليسَ عليهِ عُقوبَةٌ بلْ إنْ صَرَفَهُ في طاعةِ اللهِ في نَفَقَةِ أهلِهِ وفي الصَّدَقَاتِ ونحوِ ذلِكَ يكونُ هذا المَالُ الذي جَمَعَهُ منْ حلالٍ وصَرَفَهُ في طاعةِ اللهِ ذُخراً كبيراً في الآخِرَةِ أما إنْ جَمَعَهُ مِنْ حَرامٍ فالوَيْلُ لهُ ثُمَّ الوَيْلُ، وَأمَا إنْ جَمَعَهُ مِنْ حرامٍ وصرفَهُ في الصَّدَقَاتِ لا يَقْبَلُ اللهُ منهُ. ليس كُلُّ ما يصِلُ اليهِ يَدُ الإنسانِ حلالاً حتى الشئُ الذي تَصِلُ إليهِ يَدُهُ منْ غيرِ طريقِ السَّرِقَةِ والغَصْبِ منهُ ما هو محرَّمٌ، المالُ له أحكامٌ، القرءانُ الكريمُ ذكرَ المالَ الحلالَ والمالَ الحرامَ. فإذا جَمعَ المالَ منْ حرامٍ ثم صرفَ منهُ كثيراً في بناءِ مسجِدٍ ونَحْوِ ذَلكَ لا يقبلُ اللهُ مِنهُ، اللهُ لا يقبلُ منَ الصَّدقاتِ وبناءِ المساجِدِ ونحوِ ذلكَ إلا ما كان من مالٍ حلالٍ.


ثم بعضُ الناسِ يجمعونَ المالَ من حرامٍ يكونُ عندهُم مالٌ كثيرٌ ثم يموتونَ ويتركونَ هذا المالَ لأهليهِم وأقارِبِهِم، هذا الشخصُ ترك وَبَالاً عليْهِ، هؤلاءِ أهلُهُ ينتفِعونَ بهِ أما هو يُؤاخَذُ عليهِ في الآخِرةِ لأنَّهُ مالٌ حرامٌ جَمَعَهُ لهم من طريقٍ حَرَامٍ ثم تركهُ لهم وذهبَ الى القبرِ.


الأمرُ الرَّابِعُ: منْ تعلَّمَ عِلمَ الدَّينِ الحلالَ والحرامَ تَعَلَّمَ ما هو فرْضٌ مِنْ طاعةِ اللهِ وتعَلَّمَ ما هو مُحَرَّمٌ في شرعِ اللهِ فإنْ كانَ ما تَعَلَّمَهُ طَبَّقَهُ أدَّى الفَرْضَ، أدَّى ما فرضَ اللهُ عليهِ وتجنَّبَ ما حَرَّمَهُ اللهُ عليهِ كَمَا تَعَلَّمَهُ مِنْ عِلْمِ الدِّينِ هذا منزِلَتُهُ عاليةٌ في الآخرةِ، أمَّا إنْ لمْ يَتْبَعْ عِلْمَهُ وتَبِعَ هَوَاهُ أضاعَ بعضَ الواجِباتِ أو ارتكبَ بعض الذنوبِ الكبيرةِ فهو له ويلٌ كبيرٌ في الأخرةِ ثم إنَّ هؤلاءِ الأربعةَ من خَتَمَ اللهُ لهُ بالإسلامِ فماتَ مؤمِناً ومُتَجَنِّباً للكُفْريَّاتِ فمهما كَثُرَتْ ذُنوبُهُ فهو تحت المشيئةِ إن شاءَ اللهُ عاقبَهُ بذنُوبِهِ وإن شاءَ عفا عنهُ، منْ ماتَ مُسْلِمَاً مهما كانتْ ذنوبُهُ كبيرةً لا يجوزُ لنَا أنْ نَقولَ هذا الشخصُ اللهُ يُعَذِّبُهُ، ما يُدرينا إن كانَ منَ الذينَ يُسامِحُهُمُ اللهُ على ذُنوبِهِم مَهْمَا كَثُرَتْ أو كانَ مِنَ الذينَ يُعَاقِبُهُم، الأمرُ يَوْمَ القيامةِ يَتَبيَّنُ، نحنُ لا ندري، الأمرُ يومَ القيامَةِ يَتبيَّنُ، لذلكَ نحنُ إذا علِمْنَا مُسلماً مِنْ أهلِ الكبائِرِ مَاتَ لا نَقولُ هذا من أهلِ النارِ، لا يجوزُ.


الصَّدقَةُ منْ مالٍ حلالٍ قدْ يغفِرُ اللهُ بها بعضَ الكَبَائِرِ، الصَّدقَةُ منَ المالِ الحلالِ لها نفعٌ كبيرٌ مهما قلَّتْ، لها عندَ اللهِ وَزْنٌ كبيرٌ لذلكَ قالَ الرسولُ عليهِ السَّلامُ: “سبََقَ دِرْهَمٌ مِائةَ ألفِ دِرْهمٍ” قيل: كيف ذلك يا رسولَ اللهِ قال: “رَجُلٌ لهُ دِرهَمَانِ (أي من حلال) تصَدَّقَ بِأحدِهِما وأبقى الآخَرَ لِنَفْسِهِ ورجُل ءاخَرُ تَصدَّقَ بمائةِ ألفٍ مِنْ عُرْضِ مالِهِ” أي لهُ مالٌ كثيرٌ، منْ هذا المالِ الكثيرِ الذي هو ملايينُ أعطى مائَةَ ألفٍ وترَكَ لِنَفسِهِ الكَثيرَ الكثيرَ، الرَّسولُ قالَ هذا الذي تَصَدَّقَ بِدِرهَمٍ وترَكَ لِنَفسِهِ دِرهماً ثَوابُهُ أعظَمُ من ذاكَ الذي تصَدَّقَ بِمائَةِ ألفٍ لأنَّ هذا غَلَبَ نفسَهُ لأجلِ الآخرَةِ ما قالَ أنا ما عِندي إلاَّ دِرْهَمَانِ كيفَ أُخرِجُ دِرهماً منهُما؟ ءاثَرَ الآخِرَةَ وخالفَ نفسَهُ وَرَغِبَ فيما عِندَ اللهِ منَ الثَّوابِ، هذا ثوابُهُ أفضَلُ من ذلكَ الغنيِّ ليس شرْطاً أنْ يكونَ الشخصُ تصَدَّقَ بالكثيرِ بَلِ العِبْرَةُ أنْ يكونَ المالُ حلالاً ثمَّ لو تصدَّقَ بحبَّةِ تَمْرٍ على إنسانٍ جائِعٍ هذهِ التَّمرَةُ الواحِدَةُ لها عندَ اللهِ وزْنٌ كبيرٌ قدْ يُعْتِقُ اللهُ المُسلِمَ منْ ذُنُوبٍ كبيرةٍ بِصدَقَةٍ قليلةٍ إنْ كانَ المالُ حلالاً وكانتِ النيَةُ تقرُّباً إلى اللهِ ليسَ للرياءِ ليسَ لِيُقالَ فلانٌ كريمٌ يبْذُلُ المالَ للهِ، إنَّما نِيَّتُهُ التَّقربُ إلى اللهِ بلا رِياءٍ.


ثُمَّ إنَّ اللهَ تَبَاركَ وتعالى أخَّرَ جَزَآء الكُفَّارِ والمسلمينَ العُصَاةِ أكْثَرَهُ إلى الآخِرَةِ، أكثرُ الكُفَّارِ الذينَ طَغَوْا وكَفَرُوا باللهِ وبأنبيائِهِ أَخَّرَ عَذَابَهُم إلى الآخِرَةِ، وبَعْضُهُمُ انتَقَمَ مِنْهُمْ في الدنيا، قَوْمُ نُوحٍ عليهِ السَّلامُ لَمَّا كَذَّبُوهُ وَبَقُوْا على عِبَادَةِ الأوْثَانِ الخَمْسَةِ تَعِبَ مَعَهُمْ، هو كانَ لا يَمَلُّ مِنْ دَعْوَتِهِم إلى الإسلامِ وَهُمْ يُقابِلونَهُ بالسبِ والشتمِ وأحياناً يَضْرِبونَهُ قَضَى وهو صَابِرٌ على هذا تِسْعَمِائَةٍ وخمسينَ سنةً، ما ءَامَنَ بهِ إلا نحوُ ثمانينَ شخصاً، اللهُ انزَلَ عليهِ الوحيَ بأنهُ لا يؤمنُ منهم إلاَّ القَدْرُ الذينَ ءَامَنُوا فَقَطَعَ الأمَلَ مِنْهُم صارَ يَدْعُو عليهِم بَعْدَ أنْ قَطَعَ الأمَلَ مِنْهُم فَدَعَا عَليْهِمْ بِأنْ لا يَتْرُكَ اللهُ مِنْهُم أحَداَ على الأرْضِ، اللهُ استَجابَ دُعَاءَهُ، كُلُّ أولئكَ حتى الأطفالُ اللهُ أهْلَكَهُمْ لأنَّ اللهَ عَلِمَ أنَّ أطفالَهُمْ لو كَبِروا لا يؤمِنونَ، اللهُ أهْلَكَهُمْ بِالغَرَقِ، أمرَ الأرضَ فارتَفَعَ ماؤُها أربعينَ ذِراعاً وأمرَ السَّمَاءَ فصارتْ تُمْطِرُ قَطَرَاتٍ كُلُّ قَطْرَةٍ كالجبلِ ليسَ كالعَادَةِ، اجتمعَ ماءُ الأرضِ وماءُ السماءِ، فَغَطَّى جِبَالَ الأرضِ كُلَّهَا، أما نوحٌ ومَنْ ءامَنَ معهُ اللهُ نَجَّاهُم، اللهُ عَلَّمَهُ أنْ يَعْمَلَ السَّفينةَ، الكفارُ كانوا يَسخرونَ منهُ وهو يعملُ السفينة، اللهُ نَجَّاهُ ومَنْ ءَامَنَ بهِ وأهلكَ البقيةَ حتى ابْنَهُ أكَلَهُ الغَرَقُ لأنهُ كَفَرَ.


ثم بعدَ هؤلاءِ البَشَرُ كَفَرُوا، فَسَلَّطَ اللهُ عليهِمُ الريحَ فَهَلَكُوا إلا الذينَ ءامنوا، الريحُ رَفَعَتْهُم إلى مسافةٍ بعيدةٍ في الفضاءِ ثم فصلتْ رؤوسَهُم عن أجسادِهِم، هؤلاءِ الكفارُ أيضاَ اللهُ انتقمَ منهُم في الدُّنيا. هؤلاء هم قوم عاد وهم منَ العربِ. كانَ مَرْكَزُهُمُ اليَمَنَ، اليمنُ كانَتْ في الماضي فيها ماءٌ كثيرٌ وأشجارٌ كثيرةٌ وفواكِهُ كثيرةٌ كانَ فيها نِعْمَةٌ كثيرةٌ، هؤلاءِ قَوْمُ عَادٍ كَفَرُوا بِنَبِيِّهِم هُودٍ وهو عربيٌ، هؤلاءِ اللهُ أهلَكَهُم بالريحِ ثم بعدَ هؤلاءِ أيضاَ ذُرِّيَّةُ الذينَ أسْلَمُوا وَبَقَوْا على الأرضِ مَعَهُ أيضاً كفروا أرسلَ اللهُ اليهم نبياً فكذَّبُوهُ وءَاذَوْهُ كذلكَ هذا النبيُّ من العربِ، اللهُ تعالى أهْلَكَ الذينَ كَذَّبُوا نَبيَّهُم صَالِحاً وَهُوَ مِنَ العَرَبِ، نَجَّاهُ اللهُ وَمَنْ ءَامَنَ بهِ وأهْلَكَ الذينَ كَفَرُوا، ثم بعدَ ذلكَ أيضاً تكَرَّرَ هذا، قَوْمُ شُعَيْبٍ اللهُ أهْلَكَهُم لَمَّا كَذَّبُوا نبيَّ اللهِ شُعيباًَ، نبيُ اللهِ شُعيبٌ كانَ بالأُرْدُنِّ أمَّا هودٌ كانَ باليمنِ اما صَالِحٌ كانَ فيما بينَ المدينةِ والشامِ، ثم بعدَ ذلكَ قَوْمُ فِرْعونَ الذينَ كَذَّبُوا موسى وتَجَبَّرُوا أهْلَكَهُمُ اللهُ وَنَجَّى موسى وَمَنْ ءَامَنَ بهِ، ثمَ هؤلاءِ أيضاً الذينَ ءَامَنُوا بموسى قِسمٌ مِنهُم في حياةِ مَوسى نحوُ سبعينَ ألفَ شخصٍ كانوا مَعَهُ كَفَرُوا عَبَدُوا العِجْلَ هؤلاءِ تَابُوا رَجَعُوا إلى الإسلامِ، لكنَّ اللهَ أنْزَلَ وَحْيَاً على موسى بأن يُقْتَلَ هؤلاءِ، هَؤلاءِ أسْلَمُوا وَمَعَ ذَلكَ كَفَّارَةً أُمِرَ بِقَتْلِهِمْ، فَصَارَ الذينَ لمْ يَعْبُدُوا العِجْلَ يَقتُلُونَ الذين عبدوا العِجْلَ، فصارَ الرَّجُلُ لا يُبَالي إنْ قَتَلَ أخَاهُ أوْ أبَاهُ، بعدَ ذلكَ اللهُ أرسلَ أنبياءَ كثيرينَ، ما حَصَلَ مِثلُ ذلكَ إلى أَنْ جَاءَ عيسى عليه السلامُ، كذلكَ عِيسى بعضُ الناسِ كَفَرُوا بهِ وبعضُ الناسِ ءَامَنُوا، كانَ عِنْدَهُم وضوءٌ وصلاةٌ وصيامٌ مِثْلَنَا لكنَّ الصِّيَامَ الذي فُرِضَ عليهِم غيرُ شَهْرِ رَمَضَانَ اللهُ جَعَلَ شَهْرَ رمضَانَ لأُمَّةِ مُحَمَّدٍ هؤلاءِ مَا أنزَلَ اللهُ عليهِم عَذَاباً مِثْلَ قومِ نوحٍ وَعَادٍ ولا يُنزِلُ مِثْلَ ذلكَ إلى يومِ القيامةِ، إنما الناسُ قَبْلَ يومِ القيامةِ يَكفُرونَ كُلُّهُم لا يُوجَدُ في ذلكَ الوقتِ مُسْلِمٌ يقولُ لا إله إلا اللهُ، بعدَ مِائَةِ سَنَةٍ اللهُ يأمُرُ إسْرَافيلَ بِأنْ يَنْفُخَ في بُوقٍ كبيرٍ صَوْتُهُ يَقْتُلُ كُلَّ الكُفَّارِ هُنَاكَ القِيَامَةُ هذا أوَّلُ القيَامَةِ، بعدَ هؤلاءِ الكُفَّارِ الملائكةُ يموتونَ ثم يعيدُ اللهُ الناسَ الذينَ مَاتُوا، والناسُ الذينَ كانوا مَاتُوا قبلَ هؤلاءِ لا يموتُونَ مَوْتَةً ثَانِيَةً إنما يُصِيبُهُم غَشْيَةٌ ثُمَّ يُفيقُونَ، حتى الأنْبِيَآءُ في النفخةِ الثانيةِ نَفْخَةِ البَعْثِ اللهُ يُحييهِم وإسرافيلُ يُحييهِ اللهُ فيَنْفُخُ في الصُّورِ، هذهِ يُقَالُ لَها نفخةُ البَعْثِ، الناسُ الذينَ ماتوا اللهُ يُعيدُهُم ثمَ الناسُ تَنْشَقُّ عنهُمُ القُبورُ فَيخرُجُونَ، الأنبياءُ عِنْدَ النَّفْخَةِ الأولى لا يموتونَ لأنهم قَدْ مَاتُوا قبلَ ذلكَ، إنما يُغشى عليهم كما يُغشى على المريضِ إذا اشْتَدَّ مَرَضُهُ، يَغيبونَ عَنْ وَعْيِهِم لا يموتونَ مَوْتَةً ثَانِيَةً، بعدَ ذلكَ يَصيرُ الحُكْمُ بينَ المؤمنينَ وبينَ الكُفَّارِ، الكُفَّارُ كُلُّهُم إلى النارِ، مَنْ كَذَّبَ الأنبياءَ، أما المؤمنونَ لا بُدَّ أَنْ يَدْخُلَ كُلُّ فَرْدٍ مِنْهُمُ الجنةَ لكنْ قِسْمٌ مِنْهُم منْ دونِ أن يصيبَهُم أَدْنَى عَذَابٍ مِنْ دُونِ أنْ يُصيبَهُم أدْنَى مَشَقَّةٍ، في كُلِّ هذا الوقتِ لا يُصيبُهُم شيءٌ مِنَ الأَذَى والمشقَّةِ، هؤلاءِ أولياءُ اللهِ والشُّهَدَاءُ، الشهيدُ لوْ كانَ منْ أهلِ الكبائِرِ اللهُ لا يُعَذِّبُهُ مهمَا كانتْ ذنوبُهُ كبيرةً، أما الأولياءُ أعْلَى دَرَجَةً منَ الشُّهَدَاءِ الذينَ ليسوا أولياءَ، في مَوْقِفِ القيامةِ قبلَ صَرْفِ الناسِ إلى الجنةِ أوِ النارِ اللهُ يَجعلُ بعضَ المؤمنينَ تحتَ ظِلِّ العَرْشِ، لا يُصيبُهُم حَرُّ الشمسِ يكونونَ في نِعمةٍ وراحةٍ وسرورٍ وفرحٍ، يَجْلِسُونَ على مَنَابِرَ منْ نورٍ، وُجوهُهُم نورٌ ويجلِسونَ على منابِرَ منْ نورٍ.


 واللهُ سُبْحانَهُ وتعالى أحْكم


ما حكم ارضاع الكبير و ماالمقصود بارضاع الكبير، ؟

  الجواب:         إرضاع الكبير أي الكبير في السن. وحكم هذا أنه لو وصل حليب إمرأة لمعدة كبير فلا تصير أمه بالرضاعة. وإنما الشرط للتحريم أي لت...