بحث هذه المدونة الإلكترونية

الاثنين، 13 أبريل 2020

بيان أن الله منزه عن الجهة والجلوس والاستقرار على العرش بالأدلة من القرآن والحديث والعقل وأقوال الأئمة

أما ما يدل على ذلك من القرءان الكريم قول الله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [سورة الشورى: 11] أي أن الله تعالى لا يشبه شيئا من خلقه بوجه من الوجوه، ففي هذه الآية نفي المشابهة والمماثلة، فلا يحتاج إلى عرش ولا إلى مكان يحل فيه ولا إلى جهة يتحيز فيها.
وقول الله تعالى: {وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ} [سورة النحل: 60] أي لله الوصف الذي لا يشبه وصف غيره، فلا يوصف ربنا عز وجل بصفات المخلوقين من التغير والتطور والحلول في الأماكن والسكنى فوق العرش، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
وقال الله تعالى: {فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلّهِ الأَمْثَالَ} [سورة النحل: 74] أي لا تجعلوا لله الشبيه والمثيل فإن الله تعالى لا شبيه له ولا مثيل له، فلا ذاته يشبه الذوات ولا صفاته تشبه الصفات.
وأما الحديث فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “كان الله ولم يكن شئ غيره” رواه البخاري وغيره[1]، فهذا الحديث دليل على أنه لم يكن في الأزل مكان، فهو سبحانه وتعالى موجود قبل المكان وبعد خلق المكان بلا مكان ولا جهة.
وقال سيدنا علي رضي الله عنه: “إن الله تعالى خلق العرش إظهارا لقدرته ولم يتخذه مكانا لذاته”، وقال أيضا:
“قد كان ولا مكان وهو الآن على ما عليه كان”، أي موجود بلا مكان[2].
وقال إمام الحرمين الجويني الشافعي (478 هـ) ما نصه [3]: “ومذهب أهل الحق قاطبة أن الله سبحانه وتعالى يتعالى عن التحيز والتخصص بالجهات” ا هـ.
وقال الأستاذ عبد القاهر التميمي (429 هـ) في كتابه “الفرق بين الفرق” ما نصه[4]: “وأجمعوا على أنه لا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان” ا هـ.
ونقل الشيخ تاج الدين السبكي الشافعي الأشعري (771 هـ) عن الإمام فخر الدين بن عساكر (ت 620 هـ) أنه قال:
“إن الله تعالى موجود قبل الخلق، ليس له قبل ولا بعد ولا فوق ولا تحت، ولا يمين ولا شمال، ولا أمام ولا خلف” ا هـ،
ثم قال تاج الدين السبكي بعد أن ذكر هذه العقيدة ما نصه[5]: “هذا ءاخر العقيدة وليس فيها ما ينكره سني” ا هـ.
وأما الدليل العقلي على تنزيه الله عن المكان والجهة والجلوس، فنقول: اعلم أن النظر العقلي السليم لا يخرج عما جاء به الشرع ولا يتناقض معه، والعقل عند علماء التوحيد شاهد للشرع إذ أن الشرع لا يأتي إلا بمجوزات العقول كما قال الحافظ الفقيه الخطيب البغدادي[6]: “الشرع إنما يرد بموجزات العقول وأما بخلاف العقول فلا” ا هـ.
وقال أهل الحق: إن الله ليس بمتمكن في مكان أي لا يجوز عليه المماسة للمكان والاستقرار عليه، وليس معنى المكان ما يتصل جسم به على أن يكون الجسمان محسوسين فقط، بل الفراغ الذي إذا حل فيه الجرم شغل غيره عن ذلك الفراغ مكان له، كالشمس مكانها الفراغ الذي تسبح فيه، وعند المشبهة والكرامية والمجسمة الله متمكن على العرش وتعلقوا بظاهر قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [سورة طه: 5] فقالوا: الاستواء الاستقرار، وقال بعضهم: الجلوس وهؤلاء المشبهة قسم منهم يعتقدون أن الله مستقر على العرش، ويكتفون بهذا التعبير من غير أن يفسروا هل هذا استقرار اتصال أم استقرار محاذاة من غير مماسة،
وقسم منهم صرحوا بالجلوس، والجلوس في لغة العرب معناه تماس جسمين أحدهما له نصف أعلى ونصف أسفل، فمن قال: إنه مستو على العرش استواء اتصال أي جلوس، أو قال: استواؤه مجرد مماسة من غير صفة الجلوس فهو مجسم ضال، والذين قالوا إنه مستو على العرش من دون مماسة أي إنما يحاذيه من فوق أي كما تحاذي أرضنا السماء فهؤلاء أيضا مجسمة ضالون، فلا يجوز أن يكون قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [سورة طه: 5] على إحدى هذه الصفات الثلاث , والتفسير الصحيح تفسير من قال: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} قهر، لأن القهر صفة كمال لله تعالى، وهو وصف نفسه به قال تعالى: {قُلِ اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [سورة الرعد: 16]، فيصح تأويل الاستواء بالاستيلاء وإن كانت المعتزلة وافقت أهل السنة في ذلك.
وأقبح هذه الاعتقادات الفاسدة اعتقاد أن الله تعالى جالس على العرش أو واقف عليه لأن فيه جعل الله تعالى محمولا للعرش والعرش محمول للملائكة، فالملائكة على هذا الاعتقاد قد حملوا الله تعالى، فكيف يليق بالإله الذي أوجد العالم بأسره أن يحمله شئ من خلقه، فعلى قول هؤلاء يلزم أن يكون الله محمول حامل ومحفوظ حافظ، وهذا ما لا يقوله عاقل.
قال الإمام أبو سعيد المتولي الشافعي الأشعري (478 هـ) في كتابه “الغنية في أصول الدين” ما نصه[7]: “والغرض من هذا الفصل نفي الحاجة إلى المحل والجهة خلافا للكرامية والحشوية والمشبهة الذين قالوا إن لله جهة فوق.
وأطلق بعضهم القول بأنه جالس على العرش مستقر عليه تعالى الله عن قولهم.
والدليل على أنه مستغن عن المحل أنه لو افتقر إلى المحل لزم أن يكون المحل قديما لأنه – أي الله – قديم، أو يكون – أي الله على زعمهم – حادثا كما أن المحل حادث، وكلاهما كفر.
والدليل عليه أنه لو كان على العرش على ما زعموا لكان لا يخلو إما أن يكون مثل العرش أو أصغر منه أو أكبر، وفي جميع ذلك إثبات التقدير والحد والنهاية وهو كفر.
والدليل عليه أنه لو كان في جهة وقدرنا شخصا أعطاه الله تعالى قوة عظيمة واشتغل بقطع المسافة والصعود إلى فوق لا يخلو إما أن يصل إليه وقتا ما أو لا يصل إليه.
فإن قالوا: لا يصل إليه فهو قول بنفي الصانع لأن كل موجودين بينهما مسافة معلومة وأحدهما لا يزال يقطع تلك المسافة ولا يصل إليه يدل على أنه ليس بموجود.
فإن قالوا: يجوز أن يصل إليه ويحاذيه فيجوز أن يماسه أيضا، ويلزم من ذلك كفران:
أحدهما: قدم العالم، لأنا نستدل على حدوث العالم بالافتراق والاجتماع.
والثاني: إثبات الولد والزوجة” أ هـ.
وقد نص الإمام المحدث الحافظ المفسر عبد الرحمن بن الجوزي الحنبلي (597 هـ) على نفي التحيز في المكان والاتصال والانفصال والاجتماع والافتراق عن الله تعالى، ورد في كتابه “الباز الأشهب”[8] على ابن الزاغوني المجسم الذي قال: “فلما قال – تعالى – {ثُمَّ اسْتَوَى} [سورة الأعراف: 54] علمنا اختصاصه بتلك الجهة”، وقال ابن الزاغوني أيضا: “ولا بد أن يكون لذاته نهاية وغاية يعلمها”، وقال ابن الجوزي في الرد عليه ما نصه: “قلت هذا رجل لا يدري ما يقول، لأنه إذا قدر غاية وفصلا بين الخالق والمخلوق فقد حدده وأقر بأنه جسم وهو يقول في كتابه أنه ليس بجوهر لأن الجوهر ما يتحيز، ثم يثبت له مكانا يتحيز فيه.
قلت: – أي ابن الجوزي – وهذا كلام جهل من قائله وتشبيه محض فما عرف هذا الشيخ ما يجب للخالق تعالى وما يستحيل عليه، فإن وجوده تعالى ليس كوجود الجواهر والأجسام التي لا بد لها من حيز، والتحت والفوق إنما يكون فيما يقابل ويحاذى، ومن ضرورة المحاذي أن يكون أكبر من المحاذى أو أصغر أو مثله، وأن هذا ومثله إنما يكون في الأجسام، وكل ما يحاذي الأجسام يجوز أن يمسها، وما جاز عليه مماسة الأجسام ومباينتها فهو حادث إذ قد ثبت أن الدليل على حدوث الجواهر قبولها المماسة والمباينة، فإن أجازوا هذا عليه قالوا بجواز حدوثه، وإن منعوا هذا عليه لم يبق لنا طريق لإثبات حدوث الجواهر، ومتى قدرنا مستغنيا عن المحل ومحتاجا إلى الحيز ثم قلنا: إما أن يكونا متجاورين أو متباينين كان ذلك محالا، فإن التجاور والتباين من لوازم التحيز في المتحيزات.
وقد ثبت أن الاجتماع والافتراق من لوازم التحيز، والحق سبحانه وتعالى لا يوصف بالتحيز لأنه لو كان متحيزا لم يخل إما أن يكون ساكنا في حيزه أو متحركا عنه، ولا يجوز أن يوصف بحركة ولا سكون ولا اجتماع ولا افتراق، ومن جاور أو باين فقد تناهى ذاتا والتناهي إذا اختص بمقدار استدعى مخصصا، وكذا ينبغي أن يقال ليس بداخل في العالم وليس بخارج منه، لأن الدخول والخروج من لوازم المتحيزات فهما كالحركة والسكون وسائر الأعراض التي تختص بالأجرام.
وأما قولهم خلق الأماكن لا في ذاته فثبت انفصاله عنها قلنا: ذاته المقدس لا يقبل أن يخلق فيه شئ ولا أن يحل فيه شئ، وقد حملهم الحس على التشبيه والتخليط حتى قال بعضهم إنما ذكر الاستواء على العرش لأنه أقرب الموجودات إليه، وهذا جهل أيضا لأن قرب المسافة لا يتصور إلا جسم، ويعز علينا كيف ينسب هذا القائل إلى مذهبنا.
واحتج بعضهم بأنه على العرش بقوله تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [سورة فاطر: 10] وبقوله: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} [سورة الأنعام: 18] وجعلوا ذلك فوقية حسية ونسوا أن الفوقية الحسية إنما تكون لجسم أو جوهر، وأن الفوقية قد تطلق لعلو المرتبة فيقال: فلان فوق فلان. ثم إنه كما قال تعالى: {فَوْقَ عِبَادِهِ} قال تعالى {وَهُوَ مَّعَكُمْ}، فمن حملها على العلم حمل خصمه  لاستواء على القهر، وذهبت طائفة إلى أن الله تعالى على عرشه وقد ملأه والأشبه – أي على زعم هذه الطائفة المجسمة – أنه مماس للعرش والكرسي موضع قدميه. قلت: المماسة إنما تقع بين جسمين وما أبقى هذا في التجسيم بقية” انتهى كلام الحافظ ابن الجوزي ولقد أجاد وشفى وكفى.
وقال المفسر فخر الدين الرازي (606 هـ) ما نصه[9]“فلو كان علو الله تعالى بسبب المكان لكان علو المكان الذي بسببه حصل هذا العلو لله تعالى صفه ذاتية، ولكان حصول هذا العلو لله تعالى حصولا بتبعية حصوله في المكان، فكان علو المكان أتم وأكمل من علو ذات الله تعالى، فيكون علو الله ناقصا وعلو غيره كاملا وذلك محال” ا هـ.
وقال أيضا عند تفسير ءاية {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [سورة طه: 5] ما نصه[10]: “المسألة الثانية: المشبهة تعلقت بهذه الآية في أن معبودهم جالس على العرش وهذا باطل بالعقل والنقل من وجوه:
أحدها: أنه سبحانه وتعالى كان ولا عرش ولا مكان، ولما خلق الخلق لم يحتج إلى مكان بل كان غنيا عنه، فهو بالصفة التي لم يزل عليها إلا أن زاعم أنه لم يزل مع الله عرش.
وثانيها: أن الجالس على العرش لا بد وأن يكون الجزء الحاصل منه في يمين العرش غير الحاصل في يسار العرش، فيكون في نفسه مؤلفا مركبا وكل ما كان كذلك احتاج إلى المؤلف والمركب، وذلك محال.
وثالثها: أن الجالس على العرش إما أن يكون متمكنا من الانتقال والحركة أو لا يمكنه ذلك، فإن كان الأول فقد صار محل الحركة والسكون فيكون محدثا لا محالة، وإن كان الثاني كان كالمربوط.
ورابعها: هو أن معبودهم إما أن يحصل في كل مكان أو في مكان دون مكان، فإن حصل في كل مكان لزمهم أن يحصل في مكان النجاسات والقاذورات وذلك لا يقوله عاقل، وإن حصل في مكان دون مكان افتقر إلى مخصص يخصصه بذلك المكان فيكون محتاجا وهو على الله محال” ا هـ.
وقال الحافظ المحدث اللغوي الفقيه السيد محمد مرتضى الزبيدي الحنفي (1205 هـ) عند شرح كلام الغزالي[11]: “الاستواء لو ترك على الاستقرار والتمكن لزم منه كون المتمكن جسما مماسا للعرش: إما مثله أو أكبر منه أو أصغر، وذلك محال، وما يؤدي إلى المحال فهو محال” ما نصه[12]: “وتحقيقه أنه تعالى لو استقر على مكان أو حاذى مكانا لم يخل من أن يكون مثل المكان أو أكبر منه أو أصغر منه، فإن كان مثل المكان فهو إذا متشكل بأشكال المكان حتى إذا كان المكان مربعا كان هو مربعا أو كان مثلثا كان وهو مثلثا وذلك محال، وإن كان أكبر من المكان فبعضه على المكان، ويشعر ذلك بأنه متجزئ وله كل ينطوي على بعض وكان بحيث ينتسب إليه المكان بأنه ربعه أو خمسه، وإن كان أصغر من ذلك المكان بقدر لم يتميز عن ذلك المكان إلا بتحديد وتتطرق إليه المساحة والتقدير، وكل ما يؤدي إلى جواز التقدير على البارئ تعالى فتجوزه[13] في حقه كفر من معتقده، وكل من جاز عليه الكون بذاته على محل لم يتميز عن ذلك المحل إلا بكون [14]، وقبيح وصف البارئ بالكون، ومتى جاز عليه موازاة مكان أو مماسته جاز عليه مباينته، ومن جاز عليه المباينة والمماسة لم يكن إلا حادثا، وهل علمنا حدوث العالم إلا بجواز المماسة والمباينة على أجزائه. وقصارى الجهلة قولهم: كيف يتصور موجود لا في محل؟ وهذه الكلمة تصدر عن بدع وغوائل لا يعرف غورها وقعرها إلا كل غواص على بحار الحقائق، وهيهات طلب الكيفية حيث يستحيل محال.
والذي يدحض شبههم أن يقال لهم: قبل أن يخلق العالم أو المكان هل كان موجودا أم لا؟ فمن ضرورة العقل أن يقول: بلى، فيلزمه لو صح قوله: لا يعلم موجود إلا في مكان أحد أمرين: إما أن يقول: المكان والعرش والعالم قديم، وإما أن يقول: الرب تعالى محدث، وهذا مال الجهلة الحشوية ليس القديم بالمحدث والمحدث بالقديم. ونعوذ بالله من الحيرة في الدين” ا هـ.
وقال أيضا ما نصه[15]: “فإن قيل: نفيه عن الجهات الست إخبار عن عدمه إذ لا عدم أشد تحقيقا من نفي المذكور عن الجهات الست. قلت: النفي عن الجهات الست لا يكون ذلك إخبارا عن عدم ما لو كان لكان في جهة من النافي لا نفي ما يستحيل أن يكون في جهة منه، ألا ترى أن من نفى نفسه عن الجهات الست لا يكون ذلك إخبارا عن عدمه لأن نفسه ليست بجهة منه. وأما قول المعتزلة: القائمان بالذات يكون [كل] واحد منهما بجهة صاحبه لا محالة فالجواب عنه: هذا على الإطلاق أم بشريطة أن يكون كل واحد منهما محدودا متناهيا؟ الأول ممنوع، والثاني مسلم ولكن البارئ تعالى يستحيل أن يكون محدودا متناهيا.
تنبيه:
هذا المعتقد لا يخالف فيه بالتحقيق سني لا محدث ولا فقيه ولا غيره ولا يجئ قط في الشرع على لسان نبي التصريح بلفظ الجهة، فالجهة بحسب التفسير المتقدم منفية معنى ولفظا وكيف لا والحق يقول: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} ولو كان في جهة بذلك الاعتبار لكان له أمثال فضلا عن مثل واحد” انتهى كلام الزبيدي.
وممن صرح بنفي الجلوس والاستقرار على العرش في حق الله من أئمة السلف الإمام المجتهد أبو حنيفة رضي الله عنه. فقد قال في كتابه “الوصية”: “نقر بأن الله على العرش استوى من غير أن يكون له حاجة إليه واستقرار عليه، وهو الحافظ للعرش وغير العرش، فلو كان محتاجا لما قدر على إيجاد العالم وتدبيره كالمخلوق” [16] اهـ.
وقال القاضي أبو بكر بن العربي المالكي الأندلسي (ت 543 هـ) في كتابه “عارضة الأحوذي”[17] في الرد على المبتدعة الذين يزعمون أن الله في جهة فوق العرش: “قالوا – أي هؤلاء المبتدعة – وحجتهم ظاهر قول الله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [سورة طه: 5] قلنا: وما العرش في العربية؟ وما الاستواء؟ قالوا: كما قال الله تعالى: {لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ} [سورة الزخرف: 13] قلنا: إن الله، تعالى أن يمثل استواؤه على عرشه باستوائنا على ظهور الركائب، قالوا: وكما قال: {وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ} [سورة هود: 44] قلنا: تعالى الله أن يكون كالسفينة جرت حتى لمست فوقفت، قالوا: وكما قال: {فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ} [سورة المؤمنون: 28] قلنا: معاذ الله أن يكون استواؤه كاستواء نوح وقومه لأن هذا كله استواء مخلوق بارتفاع وتمكن في مكان واتصال ملامسة، وقد اتفقت الأمة من قبل سماع الحديث ومن بعده على أنه ليس استواؤه على شئ من ذلك، فلا يضرب له المثل بشئ من خلقه، قالوا: قال الله عز وجل {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [سورة السجدة: 4]، {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء} [سورة البقرة: 29] قلنا: تناقضت تارة تقول إنه على العرش فوق السماء ثم تقول إنه في السماء لقوله: {ءأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء} [سورة الملك: 16] وقلت إن معناه على السماء. . .” ا هـ، إلى ءاخر كلامه في الرد على من أثبت الجهة.
ثم قال: “والذي يجب أن يعتقد في ذلك أن الله كان ولا شئ معه ثم خلق المخلوقات من العرش إلى الفرش فلم يتعين بها ولا حدث له جهة منها ولا كان له مكان فيها فإنه لا يحول ولا يزول، قدوس لا يتغير ولا يستحيل. وللاستواء في كلام العرب خمسة عشر معنى ما بين حقيقة ومجاز، منها ما يجوز على الله فيكون معنى الآية ومنها ما لا يجوز على الله بحال وهو ما إذا كان الاستواء بمعنى التمكن أو الاستقرار أو الاتصال أو المحاذاة فإن شيئا من ذلك لا يجوز على البارئ تعالى ولا يضرب له الأمثال في المخلوقات، وإما أن لا يفسر كما قال مالك وغيره أن الاستواء معلوم يعني مورده في اللغة” ا هـ، ثم قال: “فتحصل لك من كلام إمام المسلمين أن الاستواء معلوم وأن ما يجوز على الله غير متعين وما يستحيل عليه هو منزه عنه” ا هـ.
وقال الحافظ الفقيه اللغوي تقي الدين السبكي في “السيف الصقيل” ما نصه[18]: “ومن أطلق القعود وقال إنه لم يرد صفات الأجسام قال شيئا لم تشهد به اللغة فيكون باطلا وهو كالمقر بالتجسيم المنكر له فيؤخذ بإقراره ولا يفيد إنكاره” ا هـ. وقال الحافظ عبد الرحمن بن الجوزي الحنبلي (ت 597 هـ) في كتابه “الباز الأشهب” ما نصه[19]: “الخالق سبحانه وتعالى لا يجوز أن يوصف بالجلوس على شئ فيفضل من ذلك الشئ لأن هذه صفة الأجسام” ا هـ.
وقال الذهبي (748 هـ) في كتابه “الكبائر” ما نصه[20]: “ولو قال إن الله جلس للإنصاف أو قام للإنصاف كفر” ا هـ.
وقال الكمال بن الهمام الحنفي في “فتح القدير” ما نصه[21]: “من قال الله جسم لا كالأجسام كفر” ا هـ.
وقال الشيخ ابن حجر الهيتمي (947 هـ) في “المنهاج القويم” ما نصه[22]: “واعلم أن القرافي وغيره حكوا عن الشافعي ومالك واحمد وأبي حنيفة رضي الله عنهم القول بتكفير القائلين بالجهة والتجسيم وهم حقيقون بذلك” ا هـ.
وفي مختصر الإفادات[23] لابن بلبان الدمشقي الحنبلي من أهل القرن الحادي العشر تكفير من قال إن الله في مكان أو قال إنه تعالى بكل مكان بذاته وتكفير من قال إن الله جسم أو جسم لا كالأجسام. ا هـ.
وقال الشيخ عبد الغني النابلسي الحنفي (1143 هـ) في “الفتح الرباني”[24]: “ومن اعتقد أن الله جسم قاعد فوق العرش فهو كافر وإن زعم أنه مسلم” ا هـ.
قال الشيخ محمد زاهد الكوثري (1371 هـ): “إن القول بإثبات الجهة له تعالى كفر عند الأئمة الأربعة هداة الأمة كما نقل عنهم العراقي على ما في “شرح المشكاة” لعلي القاري” ا هـ.
وقال العلامة المحدث الفقيه الشيخ عبد الله الهرري في كتابه “المقالات” ما نصه[25]: “قولهم إن استواء الله على العرش جلوس لكن لا كجلوسنا ويستشهدون لذلك بقول بعض الأئمة “لله وجه لا كوجوهنا ويد لا كأيدينا وعين لا كأعيننا”.
والجواب عنه: أن الجلوس في لغة العرب لا يكون إلا من صفات الأجسام، فالعرب لا تطلق الجلوس إلا على اتصال جسم بجسم على أن يكون أحد الجسمين له نصفان نصف أعلى ونصف أسفل، وليس للجلوس في لغة العرب معنى إلا هذا، وهم في هذا أثبتوا – أي الوهابية – الجسمية لله وبعض صفاتها ولا يجوز ذلك على الله لأنه لو كان كذلك لكان له أمثال لا تحصى، فالجلوس يشترك فيه الإنسان والجن والملائكة والبقر والكلب والقرد والحشرات وإن اختلفت صفات جلوسهم.
ويقال لهم: أما الوجه واليد والعين فليست كذلك فإن الوجه في لغة العرب يطلق على الجسم وعلى غير الجسم، والوجه بمعنى الجسم هو هذا الجزء الذي هو مركب في ابن ءادم وفي سائر ذوات الأرواح. وأما معنى الوجه الذي هو غير هذا الجزء في لغة العرب فمنه الملك كما فسر البخاري في جامعه[26] قوله تعالى {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [سورة القصص: 88] قال: “إلا ملكه” ا هـ،
ويطلق الوجه إذا أضيف إلى الله بمعنى ما يقرب إلى الله من الأعمال كالصلاة والصيام وسائر الأعمال الصالحة. ويطلق على الذات، والذات بالنسبة إلى المخلوقين الجرام الكثيف أو اللطيف كحجم الإنسان وحجم النور والريح هذا معنى الذات في المخلوق، أما الذات إذا أضيف إلى الله فمعناه حقيقته لا بمعنى الحجم الكثيف أو اللطيف، وأما اليد فلها في لغة العرب معان منها ما هو أجرام وأجسام ومنها ما هو غير الأجرام، فاليد تأتي بمعنى الجارحة التي هي مركبة في الإنسان وفي البهائم، وتأتي بمعنى غير الجرم كالقوة، وتأتي بمعنى العهد. وأما العين فتطلق في لغة العرب على الجرم كعين الإنسان والحيوانات، وتطلق على الذهب، وتطلق على الجاسوس، وتطلق على الماء النابع، وتطلق بمعنى الحفظ. وبهذا بان الفرق بين الجلوس وبين الوجه واليد والعين.
فلما كانت هذه الألفاظ الثلاثة واردة في القرءان مضافة إلى الله كان لها معان غير الجسم وصفات الجسم، فأراد أبو حنيفة وغيره من الذين أطلقوا هذه العبارة “لله وجه لا كوجوهنا ويد لا كأيدينا وعين لا كأعيننا” معاني هذه الألفاظ الثلاثة التي هي غير الجسم ولا هي صفة جسم مما يليق بالله كالقوة والملك والذات والحفظ كما قال المفسرون في تفسير قول الله تعالى: {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} [سورة طه: 39] قالوا: على حفظي.
ولهم – أي الوهابية – تمويه ءاخر وهو قولهم: “نثبت لله ما أثبت لنفسه وننفي عنه ما نفى عن نفسه”، يقال لهم: أنتم على عكس الحقيقة تثبتون لله الجسمية والحركة والسكون والتحيز في جهة أو مكان وهذا شئ نفاه الله عن نفسه بقوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [سورة الشورى: 11] تدعون أن قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [سورة طه: 5] أنه جلوس على العرش والجلوس صفة للإنسان والجن والملائكة والبقر وسائر البهائم والكلاب والقرود وهذا تنقيص لله تعالى، أما الذي تنكرونه وهو تفسير الاستواء بالقهر فهو شئ أثبته الله لنفسه بقوله {وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [سورة الرعد: 16]. لذلك جرت عادة المسلمين أن يسموا أولادهم عبد القاهر ولم يسم أحد من المسلمين عبد الجالس. ويقال لهم: أثبت الله لنفسه الاستواء الذي يليق به وهو القهر وفي معناه الاستيلاء. وقد قال شارح القاموس، وأبو القاسم الأصبهاني اللغوي المشهور في “مفردات القرءان” إن الاستواء إذا عدي بعلى كان معناه الاستيلاء[27]، ولا معنى لقول ابن الأعرابي إن الاستيلاء لا يكون إلا عن سبق مغالبة، فإنكم قد خرجتم عن الاستواء اللائق لله تعالى وعمدتم إلى الاستواء الذي هو لا يليق به وهو الجلوس انتهى كلام الشيخ الهرري.
وقال الحافظ البيهقي في كتابه “الاعتقاد” ما نصه[28]“يجب أن يعلم أن استواء الله سبحانه وتعالى ليس باستواء اعتدال عن اعوجاج ولا استقرار في مكان ولا مماسة لشئ من خلقه” ا هـ.
وقال الرازي في تفسيره ما نصه[29]: “أما قوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [سورة الأعراف: 54] فاعلم أنه لا يمكن أن يكون المراد منه كونه مستقرا على العرش، ويدل على فساده وجوه عقلية ووجوه نقلية، أما العقلية فأمور أولها: أنه لو كان مستقرا على العرش لكان من الجانب الذي يلي العرش متناهيا وإلا لزم كون العرش داخلا في ذاته وهو محال، وكل ما كان متناهيا فإن العقل يقضي بأنه لا يمنع أن يصير أزيد منه أو أنقص منه بذرة، والعلم بهذا الجواز ضروري. فلو كان البارئ تعالى متناهيا من بعض الجوانب لكان ذاته قابل للزيادة والنقصان، وكل ما كان كذلك كان اختصاصه بذلك المقدار المعين بتخصيص مخصص وتقدير مقدر، وكل ما كان كذلك فهو محدث، فثبت أنه تعالى لو كان على العرش لكان من الجانب الذي يلي العرش متناهيا، ولو كان كذلك لكان محدثا وهذا محال، فكونه عل العرش يجب أن يكون محالا” ا هـ.
وقد قال المفسر اللغوي أبو حيان الأندلسي (745 هـ) في تفسيره ما نصه[30]: “وأما استواؤه تعالى على العرش فحمله على ظاهره من الاستقرار بذاته على العرش قوم، تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا” اهـ.
وذكر الشيخ أبو إسحاق إبراهيم بن علي الشيرازي (476 هـ) صاحب “التنبيه” عقيدة أهل الحق فقال في كتابه: “الإشارة”[31] ما نصه: “إن الله عز وجل مستو على العرش، قال الله عز وجل: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [سورة يونس: 3]، وأن استواءه ليس باستقرار ولا ملاصقة لأن الاستقرار والملاصقة صفة الأجسام المخلوقة والرب عز وجل قديم أزلي لا يجوز عليه التغيير ولا التبديل ولا الانتقال ولا التحريك” اهـ.
وقال الشيخ عز الدين عبد العزيز عبد السلام (ت 660 هـ) في عقيدته المشهورة التي رد بها على مجسمة عصره ما نصه[32]: “استوى على العرش المجيد على الوجه الذي قاله وبالمعنى الذي أراده، استواءا منزها عن المماسة والاستقرار والتمكن والحلول والانتقال، فتعالى الله الكبير المتعال عما يقول أهل الغي والضلال، بل لا يحمله العرش، بل العرش وحملته محمولون بلطف قدرته” اهـ.
وكان هؤلاء المجسمة يكرهون الشيخ عز الدين لأنه كان من الأشاعرة _والوهابية كذلك يكرهون الأشاعرة ويضللونهم – والأشاعرة عم أتباع الإمام أبي الحسن الأشعري وهم والماتريدية أتباع الإمام أبي منصور الماتريدي أهل السنة والجماعة جمهور أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فصاروا أي المشبهة يحرضون السلطان الأشرف ضد الشيخ فإنه كانت لهم صلة به، فقد صحبهم السلطان في صغره، وعلم بذلك الشيخ العلامة جمال الدين أبو عمرو بن الحاجب المالكي وكان عالم مذهبه في زمانه، فقام بنصرة الحق وأهله وقال[33]: “ما قاله ابن عبد السلام هو مذهب أهل الحق وأن جمهور السلف والخلف على ذلك ولم يخالفهم فيه إلا طائفة مخذولة” اهـ.
ولم تخمد هذه الفتنة بل ظل المجسمة يعيثون في الأرض فسادا حتى علم الشيخ العلامة جمال الدين الحصيري شيخ الحنفية في زمانه بما جرى للشيخ عز الدين وكيف أن المجسمة استنصروا على أهل السنة وعلت كلمتهم بحيث عن المجسمة صاروا إذا خلوا بأهل السنة أي الأشاعرة في المواضع الخالية يسبونهم ويضربونهم ويذمونهم – وكذا الوهابية اليوم يذمون الأشاعرة ويسبونهم ويكفرونهم – فاجتمع بالسلطان وتكلم معه في بيان عقيدة أهل السنة من أن الله منزه عن الاستقرار ولا يشبهه شئ وأن كلام الله ليس بحرف ولا صوت، فانكسرت المبتدعة بعض الانكسار، ولم يزل الأمر مستمرا على ذلك إلى أن اتفق وصول السلطان الملك الكامل رحمه الله تعالى من الديار المصرية وكان اعتقاده صحيحا، وكان وهو بالديار المصرية قد سمع ما جرى في دمشق للشيخ، فرام الاجتماع بالشيخ ابن عبد السلام فاعتذر إليه، وعاتب السلطان الأشرف على ما صدر منه، وهكذا ذلت رقاب المبتدعة وانقلبوا خائنين وعادوا خاسئين، وكان ذلك على يد السلطان الملك الكامل، واعتذر السلطان الأشرف من الشيخ وقال[34]: “لقد غلطنا في حق ابن عبد السلام غلطة عظيمة” ا هـ.
فصار يطلب أن يقرأ عليه العقيدة التي أملاها الشيخ ابن عبد السلام ويأمر بقراءتها في المجالس العامة لتعم الفائدة.
فرحم الله تعالى من عمل على نشر عقيدة أهل الحق ودافع عنها فإنها رأس مال المؤمن التي يدخرها لآخرته.
___________________________
[1] . أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب بدء الخلق: باب ما جاء في قول الله تعالى: (وهو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده) [سورة الروم: 27]، والبيهقي في السنن الكبرى (9/ 3).
[2] . ذكره أبو منصور البغدادي في “الفرق بين الفرق” (ص/ 333).
[3] . الإرشاد (ص/ 58).
[4] . الفرق بين الفرق (ص/ 333).
[5] . طبقات الشافعية الكبرى: ترجمة عبد الرحمن بن محمد بن الحسن (8/ 186).
[6] . الفقيه والمتفقه (ص/ 94).
[7] . الغنية في أصول الدين (ص/ 73 – 75).
[8] . الباز الأشهب (ص/ 54).
[9] . تفسير الرازي المسمى التفسير الكبير (سورة البقرة/ ءاية 255 – مجلد 4/ جزء 7/ ص 14).
[10] . المصدر السابق: (سورة طه/ ءاية 5 – مجلد 11/ جزء 22/ ص 5 – 6).
[11] . إحياء علوم الدين: كتاب قواعد العقائد، الفصل الثالث، الأصل الثامن: (1/ 128).
[12] . إتحاف السادة المتقين (2/ 109).
[13] . أي القول بجوازه.
[14] . أي بحدوث.
[15] . إتحاف السادة المتقين (2/ 105).
[16] . نقله الشيخ ملا علي القاري في شرح الفقه الأكبر (ص/ 70).
[17] . عارضة الأحوذي (1/ 442 – 443).
[18] . السيف الصقيل (ص/ 87).
[19] . الباز الأشهب (ص/ 126).
[20] . الكبائر (ص/ 157).
[21] . فتح القدير (1/ 403).
[22] . المنهاج القويم (ص/ 224).
[23] . مختصر الإفادات (ص/ 489).
[24] . الفتح الرباني (ص/ 124).
[25] . المقالات السنية (ص/ 219 – 220 – 221).
[26] . صحيح البخاري: كتاب التفسير: أول سورة القصص.
[27] . بصائر ذوي التمييز (2/ 107) للفيروزابادي، مفردات القرءان (ص/ 251) للأصبهاني.
[28] . الاعتقاد (ص/ 72).
[29] . التفسير الكبير (14/ 106).
[30] . النهر الماد (1/ 809).
[31] . الإشارة إلى مذهب أهل الحق (ص/ 235).
[32] . طبقات الشافعية الكبرى (8/ 218) عند ترجمة الشيخ عز الدين.
[33] . طبقات الشافعية الكبرى (8/ 230).
[34] . طبقات الشافعية الكبرى (8/ 239).

الاثنين، 6 أبريل 2020

عدة أدلة على جواز التبرك و التوسل

قال الله تعالى في سورة القصص {فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ}. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بعض أحوال يوم القيامة "إن الشمس تدنو حتى يبلغ العرق نصف الأذن فبينما هم كذلك استغاثوا بآدم ثم بموسى ثم بمحمد فيشفع ليقضى بين الخلق" رواه البخاري في كتاب الزكاة.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم، ووفاتي خير لكم تعرض علي أعمالكم، فما رأيت من خير حمدت الله عليه وما رأيت من شر استغفرت لكم" رواه البزار. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون". اهـ أورده الحافظ ابن حجر على أنه ثابت في الفتح وذلك لما التزمه أن ما يذكره من الأحاديث شرحا أو تتمة لحديث في متن البخاري فهو صحيح أو حسن ذكر ذلك في مقدمة الفتح.

روى الإمام مسلم في صحيحه كتاب الفضائل، باب من فضائل موسى عليه السلام قال: حدثنا هدّابُ بنُ خالد وشيبانُ بنُ فَرّوخٍ قالا: حدّثنا حماد بنُ سَلَمةَ عن ثابتٍ البُناني وسُليمان التميمي عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "أتيتُ (وفي رواية هدّابٍ: مررتُ) على موسى ليلةَ أُسري بي عند الكثيب الأحمر وهو قائم يُصلي في قبره". اهـ

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من صلى علي عند قبري سمعته ومن صلى علي من بعيد أُعلمته". قال الحافظ في الفتح وسنده جيد. ورواه البيهقي في حياة الأنبياء بلفظ من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "من صلى عليَّ عند قبري سمعته ومن صلى علي نائيا منه أُبلغته"وقال الإمام أحمد بن زيني دحلان في كتابه الدرر السُّنية في الرد على الوهابية: اعلم رحمك الله أن زيارة قبر نبينا صلى الله عليه وسلم مشروعة مطلوبة بالكتاب والسنة وإجماع الأمة أما الكتاب فقوله تعالى {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّاباً رَّحِيماًدلت الآية على حث الأمة على المجيء إليه صلى الله عليه وسلم والاستغفار عنده واستغفاره لهم وهذا لا ينقطع بموته.اهـ

فإن قال قائل: إن هذا خاص بحياته صلى الله عليه وسلم، قلنا: هذا تخصيص ودعوى التخصيص تحتاج إلى دليل، والدليل قائم على خلاف ذلك، والذي يدل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم "حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم ووفاتي خير لكم تعرض علي أعمالكم فما رأيت من خير حمدت الله عليه وما رأيت من شر استغفرت الله لكم". هذا الحديث رواه البزار ورجاله رجال الصحيح كما قال الحافظ الهيثمي في مجمعه.وقال الحافظ السيوطي في الخصائص الكبرى سنده صحيح وكذلك قال عنه الحافظ زين الدين العراقي إسناده جيد كما في طرح التثريب وكذلك ابنه ولي الدين.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من قال إذا خرج إلى المسجد: اللهم اني أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا، فاني لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا رياء ولا سمعة، خرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك، فأسألك أن تنقذني من النار وأن تغفر لي ذنوبي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، أقبل الله عليه بوجهه واستغفر له سبعون ألف ملك"رواه ابن ماجة وأحمد والطبراني والبيهقي.
ألف علماء الإسلام الكتب في الاستشفاع والتوسل نذكر منها:

1- كتاب الوفاء في فضائل المصطفى لابن الجوزي، أفرد بابا حول التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم وبابا للإستشفاء بقبره الشريف.

2- شفاء السقام لتقي الدين السبكي حيث تعرض لمسئلة التوسل بشكل تحليلي معتبر.

3- مصباح الظلام في المستغيثين بخير الأنام لمحمد بن نعمان المالكي وغيرهم كثير.

أخرج البزار من حديث عبد الله بن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن لله ملائكة سياحين في الأرض سوى الحفظة يكتبون ما يسقط من ورق الشجر فإذا أصاب أحدكم عرجة بأرض فلاة فليناد أعينوا عباد الله"بعض الناس لا يظهرون حبا للنبي، إنما يظهرون بغضا له والعياذ بالله. كالذين يزعمون أن النبي محمد ميتة، أو أنه لا ينفع، أو أن التبرك به وبأثاره شرك، أو أن زيارة قبره شرك أو أن التوسل به شرك والعياذ بالله، أو الذين يحرمون مدحه عليه السلام والإحتفال بمولده وغير ذلك، كله يظهر بغضا للنبي ولا يظهر حبا له صلى الله عليه وسلم ولا اتباعا له.

روى البخاري في الأدب المفرد ما نصه: حدثنا أبو نعيم قال حدثنا سفيان عن أبي اسحق عن عبد الرحمن بن سعد قال "خدرت رجل ابن عمر فقال له رجل: اذكر أحب الناس إليك فقال : يا محمدا.ه. وقد ذكر البخاري هذا الحديث تحت عنوان "باب ما يقول الرجل إذا خدرت رجله".

في كتاب البداية والنهاية لابن كثير الذي تحبه الوهابية في المجلد الذي فيه الجزء السابع والثامن ص 104-105 يذكر فيه عن بلال ابن الحارث المزني الصحابي الذي قصد قبر النبي وطلب منه ما لم تجري به العادة وتوسل به، وفيه يقول "إن أهله طلبوا منه أن يذبح لهم شاة فقال ليس فيهِنَّ شيء فألحوا عليه فذبح الشاة فإذا عظمها حُمُرٌ فقال: "يا محمداه"، ما كفر ولا كفره أحد من الصحابة.

روى مسلم في صحيحه أن ربيعة بن كعب الأسلمي الذي خدم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له رسول الله من باب حُبّ المكافأة "سلني"، فطلب من رسول الله أن يكون رفيقه في الجنة، فقال له: أسألك مرافقتك في الجنة، فلم يُنكر عليه رسول الله بل قال له من باب التواضع "أو غير ذلك"، فقال الصحابي: هو ذاك، فقال له "فأعني على نفسك بكثرة السجود".

وكذلك سيدنا موسى عليه السلام سألته عجوز من بني إسرائيل أن تكون معه في الجنة، ولم يُنكر عليها ذلك، فأوحى الله إليه أن أعطها حكمها أي طلبها.. رواه ابن حبان والحاكم والهيثمي وصححوه.. ولفظ الحديث أنه قال "دلوني على قبر يوسف، قالت: حتى تعطيني حكمي، قال: ما حكمك؟، قالت: أن أكون معك في الجنة، فكره أن يعطيها ذلك، فأوحى الله إليه أن أعطها حكمها". فماذا يقولون بعد هذا؟؟.

روى الإمام مرتضى الزبيدي في شرح الاحياء (10/ 333) عن الشعبي قال حضرت عائشة رضي الله عنها فقالت: إني قد أحدثت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثا ولا أدري ما حالي عنده فلا تدفنوني معه، فاني أكره أن أجاور رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أدري ما حالي عنده ثم دعت بخرقة من قميص رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: ضعوا هذه على صدري وادفنوها معي لعلي أنجو بها من عذاب القبر.
معنى بجاه محمد أي بكرامة محمد عندك، بمكانة محمد عندك، بفضل محمد عندك. رورى الحافظ الخطيب البغدادي في تاريخه باسناده إلى علي بن ميمون قال: سمعت الشافعي يقول: إني لأتبرك بأبي حنيفة وأجيء إلى قبره في كل يوم.يعني زائرا. فإذا عرضت لي حاجة صليت ركعتين وجئت إلى قبره وسألت الله تعالى الحاجة عنده، فما تبعد عني حتى تقضى. اهـ. تاريخ بغداد (1/123).

قال الإمامِ مالكٍ للخليفةِ المنصورِ لما حَجَّ فزارَ قبرَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم وسألَ مالكًا قائلاً "يا أبا عبدِ الله أستقبلُ القِبلَةَ وأدعو أم أستقبلُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: وَلِمَ تَصرِفُ وجهَكَ عنه وهو وَسيلَتُكَ ووسيلةُ أبيكَ ءادم عليه السلام إلى الله تعالى؟ بل استقبِلهُ واستشفع بهِ فيشفّعهُ الله" ذكرهُ القاضي عياضٌ في كتابِ الشّفا.

في الحديثِ الذي رواه السيوطي وغيره أن ءادمَ عليه السلامُ لما أكلَ من الشجرةِ قالَ "يا رب أسألُكَ بحقِّ محمدٍ إلا ما غفرتَ لي". قال "وكيف عرفتَ محمداً ولم أخلقْهُ". قالَ "رفعتُ رأسي إلى قوائِمِ العرشِ فوجَدْتُ مكتوباً: لا إله إلا اللهُ محمدٌ رسولُ اللهِ فعَرَفتُ أَنَّكَ لم تُضِفْ إلى اسمِك إلا أحبَّ الخلقِ إليكَ". بهذا الحديثِ يُسْتَدَلُّ على التوسلِ ومشروعِيَّتِهِ.

روى الطبراني في المعجم الكبير والصغير أن الرسول علم رجل أعمى أن يتوسل به علمه أن يقول "اللهم إني اسألك وأتوجه بنبيك محمد نبي الرحمة.. يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي لتقضي لي". قال الطبراني والحديث صحيح. فالتوسل بالرسول جائز.. في حياته وبعد موته. قال السبكي: ويحسن التوسل والاستعانة والتشفع بالنبي إلى ربه، ولم ينكر ذلك أحد من السلف حتى جاء ابن تيمية فأنكر ذلك وعدل عن الصراط المستقيم وابتدع ما لم يفعله عالم قبله وصار بين أهل الإسلام مثلة.

عن مالك الدار خازن عمر قال: أصاب الناس قحط في زمان عمر، فجاء رجل إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله استسق لأمتك فانهم قد هلكوا، فأتي الرجل في المنام فقيل له: أقريء عمر السلام وأخبره أنهم يسقون وقل له: عليك بالكيس الكيس، فأتى الرجل عمر فأخبره فبكى عمر وقال: يا ربّ ما ءالو إلا ما عجزت. رواه البيهقي باسناد صحيح.

ثبت أن خبيبَ بن عدى الصحابي حين قُدّ م للقتل نادى: يا محمّد. رواه الحافظ أبو نعيم الأصبهاني. وهذا د ليل على أن نداء النبي صلى الله عليه وسلم في غيبته بيا محمّد جائز. وفي كتاب الأدب المفرد للبخاري ص/ 324 عن عبد الرحمن بن سعد قال "خدرت رجل ابن عمر فقال له رجل : أُذكر احب الناس إليك فقال: يا محمد فذهب خدر رجله" ا.هـ. هذا حصل بعد وفاة الحبيب صلى الله عليه وسلم.

روى البخاري ومسلم أن النبيّ صلى الله عليه وسلم ذكر قصة النفر الثلاثة الذين ءاواهم المبيت إلى غار فدخلوه فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار فقالوا إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم فصار كل واحد منهم يدعو الله بصالح عمله حتى انفرجت الصخرة فانطلقوا يمشون.

خالد بن الوليد رضي الله عنه كان شعار كتيبته يوم اليمامة "يا محمداه" فخالد نادى بذلك ونادى بندائه الجيش فهل يكون هذا إلا إقرارًا من هذا الجيش الكريم على تصويب ما أمر به خالد رضي الله عنه وقد كان في الجيش من الحفاظ والعلماء والبدريين وعِليَة الصحابة رواه ابن الأثير في الكامل.

روى البيهقي في دلائل النبوة والحاكم في المستدرك وغيرهما بالإسناد أن خالد بن الوليد فقد قلنسوة له في يوم اليرموك فقال اطلبوها، فلم يجدوها، ثم طلبوها فوجدوها، فقال خالد: اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فحلق رأسه فابتدر الناس إلى جوانب شعره فسبقتهم إلى ناصيته فجعلتها في هذه القلنسوة فلم أشهد قتالا وهي معي إلا رزقت النصر.

قوله صلى الله عليه وسلم "إذا أضلّ أحدكم شيئًا أو أراد عونًا وهو بأرضٍ ليس فيها أنيس فليقل يا عباد الله أعينوني" وفي رواية "أغيثوني"، "فإن لله عبادًا لا ترونهم".

وتوسل عمر بن الخطاب بالعباس رضي الله عنه لما استسقى الناس وغير ذلك مما هو مشهور فلا حاجة إلى الإطالة بذكره والتوسل الذي في حديث الأعمى قد استعمله الصحابة السلف بعد وفاته صلى الله عليه وسلم وفيه لفظ "يا محمَّد"، وذلك نداء عند المتوسل. ومن تتبع كلام الصحابةِ والتابعين يجد شيئًا كثيرًا من ذلكَ كقول بلال بن الحارث الصحابي رضي الله عنهُ عند قبر النبيّ صلى الله عليه وسلم "يا رسول الله استسق لأمّتك" كالنداء الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم عند زيارة القبور.

الأحاديث الصحيحة أنه صلى الله عليه وسلم كان من دعائه "اللهمّ إني أسألك بحقّ السائلين عليك" وهذا توسّل لا شكّ فيهِ وكان يُعلّم هذا الدّعاء أصحابَه ويأمرهم بالإتيانِ. وصحّ عنه أنه صلى الله عليه وسلم لما ماتت فاطمة بنت أسد أمّ عليّ رضي الله عنها ألحدها صلى الله عليه وسلم في القبر بيده الشريفة وقال "اللهمَّ اغفر لأمي فاطمة بنت أسد ووسّعْ عليها مدخلها بحقّ نبيّك والأنبياء الذين من قبلي إنك أرحم الراحمين".

وقد ذَكَرَ الحافظُ الجزريُّ وهو شيخُ القرَّاءِ وكانَ من حفَّاظِ الحديثِ في كتابٍ له يُسمَّى الحصن الحصين وكذلكَ ذكرَ في مختصرهِ قال "مِن مواضِعِ إجابةِ الدُّعاءِ قبورُ الصّالحينَ" ا.هـ، وهذا الحافظُ جاءَ بعد ابن تيمية بِنحوِ مائةِ سنةٍ، ولم يُنكِر عليه العلماءُ إلا أن يكونَ بعض الشَّاذّين الذين لَحِقوا نفاةَ التَّوسُّلِ من أتباعِ ابن تيمية.

قال السيد محسن الأمين الحسيني العاملي واصفاً دخول الوهابية إلى الطائف، فقال: فدخلوا البلد عنوة في ذي القعدة سنة 1217هـ وقتلوا الناس قتلاً عاماً حتى الأطفال، وكانوا يذبحون الطفل الرضيع على صدر أمه، وكان جماعة من أهل الطائف خرجوا قبل ذلك هاربين، فأدركتهم الخيل وقتلت أكثرهم، وفتشوا على من توارى في البيوت وقتلوه، وقتلوا من في المساجد وهم في الصلاة.

قال الشيخ رضوان بيبرس الشافعي واصفاً دخول الوهابية إلى الطائف وما اقترفوه من جرائم فيها: ولما ملكوا الطائف سنة ألف ومائتين وسبع عشرة في ذي القعدة، قتلوا الكبير والصغير، والمأمور والآمر، ولم ينجُ منهم إلا من طال عمره، وكانوا يذبحون الصغير على صدر أمه، ونهبوا الأموال، وسبوا النساء، وفعلوا أشياء يطول ذكرها قبَّحهم الله ومن تبعهم. انتهى كلام الشيخ رضوان.

السبت، 4 أبريل 2020

قال الله تعالى: "وابتغوا إليه الوسيلة" هذا حجة على الوهابية في تحريمهم التوسل

الحمدلله تعالى،
قال الله تعالى: "وابتغوا إليه الوسيلة" (سورة المائدة، 35) وأيّ وسيلة خلقها الله أشرف وأفضل وأقرب إلى الله من رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم.
وهل تعرفون أن في كتاب لابن تيمية الحراني أسماه "قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة" حجة عليه وعلى من يتبعه بالباطل يحرّمون زوراً التوسل برسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو ينقل في كتابه ذلك من فعل السلف أنهم كانوا يتوسلون برسول الله صلى الله عليه وسلم، قال أي ابن تيمية: "روى ابن أبي الدنيا في كتاب مجابي الدعاء قال: حدثنا أبو هاشم سمعت كثير بن محمد بن كثير بن رفاعة يقول: جاء رجل إلى عبد الملك بن سعيد بن أبجر فجس بطنه فقال: بك داء لا يبرأ، قال: ما هو؟ قال: الدُّبَيْلَة، (وهي خرّاج ودمل كبير تظهر في الجوف تقتل صاحبها غالباً)، قال: فتحول الرجل فقال: الله الله الله ربي لا أشرك به شيئاً، اللهم إني أتوجه إليك بنبيك محمد نبيّ الرحمة، يامحمد إني أتوجه بك إلى ربك وربّي يرحمني ممّا بي، قال: فجس بطنه فقال: قد برئت ما بك علة، قلت: فهذا الدعاء ونحوه قد روي أنه دعا به السّلف. اهـ
وهذا حجة على الوهابية في تحريمهم التوسل ذكره إمامهم ابن تيمية وهو يروي عن السلف التوسل برسول الله صلى الله عليه وسلم، فأيّ حجة لهم بعد ذلك؟.
وقبله روى البخاري صاحب الجامع الصحيح رضي الله عنه (256 هـ.) بالإسناد الصحيح المتصل في كتاب الأدب من تصنيفه عن عبدالرحمن بن سعد القرشي قال: خدرت رجل عبدالله بن عمر رضي الله عنهما فقال له رجل: أذكر أحبّ الناس إليك، فقال: "يا محمد" صلى الله عليه وسلم، وفي عمل اليوم والليلة للحافظ أبو بكر بن السني (364 هـ.) فقال "يا محمد فذهب خدره".
ومعنى قول ابن عمر رضي الله عنه "يا محمد" أي "يا محمد أغثني" وفيه دليل على استحباب الاستغاثة برسول الله صلى الله عليه وسلم عند الكرب والمرض وغيرهما بما له من الكرامة عند الله عز وجلّ، وهذا الحديث أقرّه واستحبه ابن تيمية (728 هـ.) على ما لديه من ضلال وتجسيم وتشبيه لله بخلقه في كتاب له أسماه "الكلم الطيب" تدلّ هذه التسمية على أنه يرويه مستحسناً له فيكون حجة على من يقلدونه في ضلالاته.
والحجة الأصل في استحباب التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم الحديث الذي رواه الحافظ الطبراني (360هـ.) في معاجمه الثلاثة وصححه، وهو الذي وصفه الذهبي في تذكرة الحفاظ بـ"الحافظ الإمام العلامة الحجة بقية الحفاظ مسند الدنيا"، وأقرّه على تصحيحها الحافظ نور الدين الهيثمي (807هـ.) في مجمع البحرين في زوائد المعجمين الصغير والأوسط (ج2 ص 318)، وكذا في مجمع الزوائد (ج2 ص 279) بتحرير الحافظين الكبيرين زين الدين العراقي وابن حجر العسقلاني (852هـ.)، وصححها الحافظ البيهقي في دلائل النبوة، بل زاد إمام الذين نازعوا في التوسل، أعني ابن تيمية (728هـ.)، تصحيح الحافظ أبي عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي (569هـ.)، والحديث هو "عن عثمان بن حنيف أن رجلاً كان يختلف إلى عثمان بن عفان في حاجة له، فكان عثمان لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته، فلقيَ عثمان بن حنيف فشكا ذلك إليه، فقال له عثمان بن حنيف: إيت الميضأة فتوضأ ثم ائت المسجد فصلّ فيه ركعتين ثم قل: اللهمّ إني أسألك وأتوجّه إليك بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم نبيّ الرحمة، يا محمّد إني أتوجّه بك إلى ربي فيقضي لي حاجتي، وتذكر حاجتك ورُح إليّ حتى أروحَ معك، فانطلق الرجل فصنع ما قال له ثمّ أتى باب عثمان فجاء البواب فأخذ بيده فأدخله على عثمان بن عفان فأجلسه معه على الطنفسة وقال: حاجتك؟، فذكر حاجته فقضاها له، ثم قال له (معتذراً) ما ذكرتُ حاجتك حتى الساعة، وقال ما كان لك من حاجة فأتنا. ثم إن الرجل خرج من عنده فلقيَ عثمان بن حنيف فقال له: جزاك الله خيراً ما كان ينظرُ في حاجتي ولا يلتفت إليّ حتى كلمته فيّ، فقال عثمان بن حنيف: والله ما كلمته ولكن شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتاه رجل ضرير فشكا إليه ذهاب بصره فقال له النبي صلى الله عليه وسلم أو تصبر؟، فقال يا رسول الله إنه ليس لي قائد وقد شق عليّ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إئت الميضأة فتوضأ ثمّ صلّ ركعتين ثم أدعُ بهذه الكلمات، فقال عثمان بن حنيف فوالله ما تفرّقنا وطالَ بنا الحديث حتى دخل عليه رجل كأنه لم يكن به ضرر قط". قال الطبراني: "والحديث صحيح".
ولم يقل أحد من العلماء إن أحاديث التوسل لا يعمل بها بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا سيما أنه صلى الله عليه وسلم حيٌ يصلي في قبره لا يخرج منه صلى الله عليه وسلم لحديث "الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون" رواه أبو نعيم في تاريخ إصبهان وأبو يعلى الموصلي والبزار والبيهقي من حديث أنس مرفوعاً وصحّحه وأقرّه الحافظ ابن حجر في شرح البخاري، فهل بطلت بركة النبوة باختيار رسول الله صلى الله عليه وسلم الرفيق الأعلى جبريل عليه السلام؟، حاشا وكلا، وقد كشف سيدنا أبو بكر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وفاته وقبله قائلاً "بأبي أنت وأمي، طبت حياً ومـيّـتاً" رواه البخاري في صحيحه والبيهقي في السنن.
وذكر القاضي عياض عن الإمام مالك رضي الله عنه أنه قال: إن رسول الله حرمته بعد موته كحرمته حياً، فقال له الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور: يا أبا عبد الله أستقبل القبلة وأدعو أم أستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟، فقال مالك مستنكراً: ولمَ تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم عليه السلام إلى الله تعالى يوم القيامة؟، بل استقبله (يريد استقبل القبر الشريف وإن استدبرت القبلة) واستشفع به فيشفعه الله، اهـ
اللهم صلّ على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الطاهرين وسلم تسليماً كثيراً، يا رسول الله أغث بإذن الله عبداً استغاث بك فإنك خير شافع وخير مشفع وأنت أكرم الخلق على الله تعالى،
دعاكم لمن كتبها ولمن ينشرها أرجوكم يرحمكم الله

بيان معنى حديث يَنْزِلُ ربُّنا ، تباركَ وتعالى ، كُلَّ ليلةٍ إلى السَّماء

بسم الله الرحمن الرحيم الحمدلله الذي نصر عبده بالحجج البينات وأيده بالمعجزات الظاهرات وأظهره على خصومه وقواه بالادلة الدامغات ,الحمدلله المو...