بحث هذه المدونة الإلكترونية

الجمعة، 4 ديسمبر 2020

التحذير من ابن تيمية

التحذير من ابن تيمية

--------------------------

بداية امر ابن تيمية.


ليعلم أن أحمد بن تيمية هذا الذي هو حفيد الفقيه المجد بن تيمية الحنبلي المشهور، ولد بحران ببيت علم من الحنابلة، وقد أتى به والده الشيخ عبد الحليم مع ذويه من هناك إلى الشام خوفا من المغول، وكان أبوه رجلا هادئا أكرمه علماء الشام ورجال الحكومة حتى ولّوه عدة وظائف علمّية مساعدة له، وبعد أن مات والده ولّوا ابن تيمية هذا وظائف والده بل حضروا درسه تشجيعا له على المضيّ في وظائف والده وأثنوا عليه خيرا كما هو شأنهم مع كل ناشئ حقيق بالرعاية. وعطفهم هذا كان ناشئا من مهاجرة ذويه من وجه المغول يصحبهم أحد بني العباس- وهو الذي تولى الخلافة بمصر فيما بعد، ومن وفاة والده بدون مال ولا تراث بحيث لو عيّن الآخرون في وظائفه للقِىَ عياله البؤس والشقاء.


وكان في جملة المثنين عليه التاج الفزاري المعروف بالفركاح وابنه البرهان والجلال القزويني والكمال الزملكاني ومحمد بن الحريري الأنصاري والعلاء القونوي وغيرهم.


بداية انحراف ابن تيمية.


لكن ثناء هؤلاء غرّ ابن تيمية ولم ينتبه إلى الباعث على ثنائهم، فبدأ يذيع بدعا بين حين وءاخر، وأهل العلم يتسامحون معه في الأوائل باعتبار أن تلك الكلمات ربما تكون فلتات لا ينطوي هو عليها، لكن خاب ظنهم وعلموا أنه فاتن بالمعنى الصحيح، فتخلّوا عنه واحدا إثر واحد على توالي فتنه.


ردود العلماء على ابن تيمية


ثم إن ابن تيمية وإن كان ذاع صيته وكثرت مؤلفاته وأتباعه، هو كما قال فيه المحدث الحافظ الفقيه وليّ الدين العراقي ابن شيخ الحفّاظ زين الدين العراقي في كتابه الأجوبة المرضيّة على الأسئلة المكيّة: "علمه أكبر من عقله "، وقال أيضا: "إنه خرق الإجماع في مسائل كثيرة قيل تبلغ ستين مسألة بعضها في الأصول وبعضها في الفروع خالف فيها بعد انعقاد الإجماع عليها". اهـ. وتبعه على ذلك خلقٌ من العوام وغيرهم، فأسرع علماء عصره في الردّ عليه وتبديعه، منهم الإمام الحافظ تقي الدين علي ابن عبد الكافي السبكي قال في الدرّة المضية ما نصّه: "أما بعد، فإنه لمّا أحدث ابن تيمية ما أحدث في أصول العقائد، ونقض من دعائم الإسلام الأركان والمعاقد، بعد أن كان مستترا بتبعية الكتاب و السُّنة، مظهرا أنه داع ٍ إلى الحقّ هاد ٍ إلى الجنة، فخرج عن الاتّباع إلى الابتداع، وشذ ّ عن جماعة المسلمين بمخالفة الإجماع، وقال بما يقتضي الجسميّة والتركيب في الذات المقدّس، وأن الافتقار إلى الجزء- أي افتقار الله إلى الجزء- ليس بمحال ، وقال بحلول الحوادث بذات الله تعالى، وأن القرآن مُحدَث تكلم الله به بعد أن لم يكن، وأنه يتكلم ويسكت ويحدث في ذاته الإرادات بحسب المخلوقات، وتعدى في ذلك إلى استلزام قِدَم العالم، والتزامه بالقول بأنه لا أول للمخلوقات فقال بحوادثٍ لا أول لها ، فأثبت الصفة القديمة حادثة والمخلوق الحادث قديما، ولم يجمع أحد هذين القولين في ملة من الملل ولا نِحلة من النحل، فلم يدخل في فرقة من الفرق الثلاث والسبعين التي افترقت عليها الأمة، ولا وقفت به مع أمة من الأمم هِمّة، وكل ذلك وإن كان كفرا شنيعا مما تَقِلَّ جملته بالنسبة لما أحدث في الفروع ". اهـ.


ابن تيمية شذ في الاصول والفروع


وقد أورد كثيرا من هذه المسائل الحافظ أبو سعيد العلائي شيخ الحافظ العراقي، نقل ذلك المحدَّث الحافظ المؤرخ شمس الدين بن طولون في ذخائر القصر ، قال ما نصه: "ذكر المسائل التي خالف فيها ابن تيمية الناس في الأصول والفروع، فمنها ما خالف فيها الإجماع، ومنها ما خالف فيها الراجح من المذاهب، فمن ذلك: يمين الطلاق، قال بأنه لا يقع عند وقوع المحلوف عليه بل عليه فيها كفارة يمين، ولم يقل قبله بالكفارة أحد من المسلمين البتة، ودام إفتاؤه بذلك زمانا طويلآ وعظم الخطب، ووقع في تقليده جمّ غفير من العوام وعمّ البلاء. وأنَّ طلاق الحائض لا يقع وكذلك الطلاق في طهر جامع فيه زوجته، وأن الطلاق الثلاث يرد إلى واحدة، وكان قبل ذلك قد نقل إجماع المسلمين في هذه المسألة على خلاف ذلك وأنَّ من خالفه فقد كفر، ثم إنه أفتى بخلافه و أوقع خلقا كثيرا من الناس فيه. و أنَّ الحائض تطوف في البيت من غير كفارة وهو مباح لها. وأنَّ المكوس حلال لمن أقطعها، وإذا أخذت من التجار أجزأتهم عن الزكاة وان لم تكن باسم الزكاة ولا على رسمها. وأنَّ المائعات لا تنجس بموت الفأرة ونحوها فيها وأن الصلاة إذا تركت عمدا لا يشرع قضاؤها. وأنَّ الجنب يصلي تطوعه بالليل بالتيمم ولا يؤخره إلى أن يغتسل عند الفجر وإن كان بالبلد، وقد رأيت من يفعل ذلك ممن قلَّده فمنعته منه. وسئل عن رجل قدّم فراشا لأمير فتجنب بالليل في السفر، ويخاف إن اغتسل عند الفجر أن يتهمه أستاذه بغلمانه فأفتاه بصلاة الصبح بالتيمم وهو قادر على الغسل. وسئل عن شرط الواقف فقال: غير معتبر بالكلية بل الوقف على الشافعية يصرف إلى الحنفية وعلى الفقهاء يصرف إلى الصوفية وبالعكس، وكان يفعل هكذا في مدرسته فيعطي منها الجند والعوام، ولا يحضر درسا على اصطلاح الفقهاء وشرط الواقف بل يحضر فيه ميعادا يوم الثلاثاء ويحضره العوام ويستغني بذلك عن الدرس. وسئل عن جواز بيع أمهات الأولاد فرجحه وأفتى به.


ومن المسائل المنفرد بها في الأصول مسألة الحسن والقبح التي يقول بها المعتزلة، فقال بها ونصرها وصنف فيها وجعلها دين الله بل ألزم كل ما يبنى عليه كالموازنة في الأعمال.


وأما مقالاته في أصول الدين فمنها قوله: إنَّ الله سبحانه محل الحوادث، تعالى الله عما يقول علوا كبيرا. وانه مركب مفتقر إلى ذاته افتقار الكل إلى الجزء. وان القرءان مُحدَث في ذاته تعالى. و أنَّ العالم قديم بالنوع ولم يزل مع الله مخلوق دائما، فجعله موجبا بالذات لا فاعلا بالاختيار، سبحانه ما أحلَمَه. ومنها قوله بالجسمية والجهة والانتقال وهو مرد ود.


وصرَّح في بعض تصانيفه بأن الله تعالى بقدر العرش لا أكبر منه ولا أصغر، تعالى الله عن ذلك، وصنّفَ جزءا في أنَّ علم الله لا يتعلق بما لا يتناهى كنعيم أهل الجنة، وأنه لا يحيط بالمتناهي، وهي التي زلق فيها بعضهم، ومنها أنَّ الأنبياء غير معصومين، وأنَّ نبينا عليه وعليهم الصلاة والسلام ليس له جاه ولا يتوسل به أحد إلا ويكون مخطئا، وصنف في ذلك عدة أوراق. وأنَّ إنشاء السفر لزيارة نبينا صلى الله عليه و سلم معصية لا يقصر فيها الصلاة، وبالغ في ذلك ولم يقل بها أحد من المسلمين قبله. وأنَّ عذاب أهل النار ينقطع ولا يتأبد حكاه بعض الفقهاء عن تصانيفه. ومن أفراده أيضا أنَّ التوراة والإنجيل لم تبدل ألفاظهما بل هي باقية على ما. أنزلت وإنما وقع التحريف في تأويلها، وله فيه مصنف، هذا ءاخر ما رأيت، وأستغفر الله من كتابة مثل هذا فضلآ عن اعتقاده ". ا.هـ.


ابن حجر الهيتمي يذم ابن تيمية


وقال الشيخ ابن حجر الهيتمي في كتابه الفتاوى الحديثية4 ناقلا المسائل التي خالف فيها ابن تيمية إجماع المسلمين ما نصه: "وان العالم قديم بالنوع ولم يزل مع الله مخلوقا دائما فجعله موجبا بالذات لا فاعلا بالاختيار تعالى الله عن ذلك، وقوله بالجسمية، والجهة والانتقال، وانه بقدر العرش لا أصغر ولا أكبر، تعالى الله عن هذا الافتراء الشنيع القبيح والكفر البراح الصريح " اهـ.


وقال أيضا ما نصه5: "وإياك أن تصغي إلى ما في كتب ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية وغيرهما ممن اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله، وكيف تجاوز هؤلاء الملحدون الحدود وتعدوا الرسوم وخرقوا سياج الشريعة والحقيقة فظنوا بذلك أنهم على هدى من ربهم وليسوا كذلك " اهـ.


وقال أيضا ما نصه6: "ولا يغتر بإنكار ابن تيمية لسنّ زيارته صلى الله عليه وسلم فإنه عبد أضله الله كما قال العز بن جماعة، وأطال في الرد عليه التقي السبكي في تصنيف مستقل، ووقوعه في حق رسول الله صلى الله عليه و سلم ليس بعجيب فإنه وقع في حق الله، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا، فنسب إليه العظائم كقوله: إن لله تعالى جهة ويدا ورجلا وعينا وغير ذلك من القبائح الشنيعة" اهـ.


استتابة ابن تيمية


وقد استُتيب مرات وهو ينقض مواثيقه وعهوده في كل مرة حتى حُبِس بفتوى من القضاة الأربعة الذين أحدهم شافعي والآخر مالكي، والآخر حنفي والآخر حنبلي وحكموا عليه بأنه ضال يجب التحذير منه كما قال ابن شاكر الكتبي في عيون التواريخ وهو من تلامذة ابن تيمية وسيأتي، وأصدر الملك محمد بن قلاوون منشورا ليقرأ على المنابر في مصر وفي الشام للتحذير منه ومن أتباعه.


وهذه صورة استتابته منقولة من خط يده كما هي مسجلة في كتاب نجم المهتدي وعليها توقيع العلماء ونصها7: "الحمد الله، الذي أعتقده أن في القرءان معنى قائم بذات الله وهو صفة من صفات ذاته القديمة الأزلية وهو غير مخلوق، وليس بحرف ولا صوت، وليس هو حالا في مخلوق أصلا ولا ورق ولا حبر ولا غير ذلك، والذي أعتقده في قوله: ﴿ الرحمن على العرش استوى ﴾ [سورة طه] آية5 أنه على ما قال الجماعة الحاضرون وليس على حقيقته وظاهره، ولا أعلم كنه المراد به، بل لا يعلم ذلك إلا الله، والقول في النزول كالقول في الاستواء أقول فيه ما أقول فيه لا أعرف كنه المراد به بل لا يعلم ذلك إلا الله، وليس على حقيقته وظاهره كما قال الجماعة الحاضرون، وكل ما يخالف هذا الاعتقاد فهو باطل، وكل ما في خطي أو لفظي مما يخالف ذلك فهو باطل، وكل ما في ذلك مما فيه إضلال الخلق أو نسبة ما لا يليق بالله إليه فأنا بريء منه فقد تبرأت منه وتائب إلى الله من كل ما يخالفه. كتبه أحمد بن تيمية، وذلك يوم الخميس سادس شهر ربيع الآخر سنة سبع وسبعمائة.


وكل ما كتبته وقلته في هذه الورقة فأنا مختار فى ذلك غير مكره. كتبه أحمد بن تيمية حسبنا الله ونعم الوكيل ".


وبأعلى ذلك بخط قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة ما صورته: اعترف عندي بكل ما كتبه بخطه في التاريخ المذكور. كتبه محمد بن إبراهيم الشافعي، وبحاشية الخط: اعترف بكل ما كتب بخطه، كتبه عبد الغني بن محمد الحنبلي.


وبآخر خط ابن تيمية رسوم شهادات هذه صورتها: كتب المذكور بخطه أعلاه بحضوري واعترف بمضمونه، كتبه أحمد بن الرفعة.


صورة خط ءاخر: أقرّ بذلك، كتبه عبد العزيز النمراوي.


صورة خط ءاخر: أقرّ بذلك كله بتاريخه، علي بن محمد بن خطاب الباجي الشافعي.


صورة خط ءاخر: جرى ذلك بحضوري في تاريخه، كتبه الحسن بن أحمد بن محمد الحسيني.


وبالحاشية أيضا ما مثاله: كتب المذكور أعلاه بخطه واعترف به، كتبه عبد الله بن جماعة.


مثال خط ءاخر: أقرّ بذلك وكتبه بحضوري محمد بن عثمان البوريجبي " اهـ.


وكل هؤلاء من كبار أهل العلم في ذلك العصر، وابن الرفعة وحده له "المطلب العالي في شرح وسيط الغزالي " في أربعين مجلدا.


ولولا أن ابن تيمية كان يدعو العامة إلى اعتقاد ضد ما في صيغة الاستتابة هذه بكل ما أوتي من حول وحيلة لما استتابه أهل العلم بتلك الصيغة وما اقترحوا عليه أن يكتب بخطه ما يؤاخذ به إن لم يقف عند شرطه، وبعد أن كتب تلك الصيغة بخطه توّج خطه قاضي القضاة البدر ابن جماعة بالعلامة الشريفة وشهد على ذلك جماعة من العلماء كما ذكرنا، وحفظت تلك الوثيقة بالخزانة الملكية الناصرية، لكن لم تمض مدة على ذلك حتى نقض ابن تيمية عهوده و مواثيقه كما هو عادة أئمة الضلال و رجع إلى عادته القديمة في الإضلال.


الحافظ السبكي يرد على ابن تيمية


قال الحافظ المجتهد تقي الدين السبكي في فتاويه ما نصه8: "وهذا الرجل- يعني ابن تيمية- كنت رددت عليه في حياته في إنكاره السفر لزيارة المصطفى صلى الله عليه و سلم ، وفي إنكاره وقوع الطلاق إذا حلف به، ثم ظهر لي من حاله ما يقتضي أنه ليس ممن يعتمد عليه في نقل ينفرد به لمسارعته إلى النقل لفهمه كما في هذه المسألة- أي مسئلة في الميراث- ولا في بحث ينشئه لخلطه المقصود بغيره وخروجه عن الحد جدا، وهو كان مكثرا من الحفظ ولم يتهذب بشيخ ولم يرتض في العلوم بل يأخذها بذهنه مع جسارته واتساع خيال وشغب كثير، ثم بلغني من حاله ما يقتضي الإعراض عن النظر في كلامه جملة، وكان الناس في حياته ابتلوا بالكلام معه للرد عليه، وحبس بإجماع العلماء وولاة الأمور على ذلك ثم مات " اهـ.


قال صلاح الدين الصفدي تلميذ ابن تيمية والتقي السبكي في أعيان العصر وأعوان النصر9 ما نصه:


"انفرد- أي ابن تيمية- بمسائل غريبة، ورجح فيها أقوالا ضعيفة، عند الجمهور معيبة كاد منها يقع في هوّة، ويسلم منها لما عنده من النية المرجوة، والله يعلم قصده وما يترجح من الأدلة عنده، وما دمّر عليه شئ كمسئلة الزيارة، ولا شُنّ عليه مثلها إغارة، دخل منها إلى القلعة معتقلا، وجفاه صاحبه وقلا، وما خرج منها إلا على الآلة الحدباء، ولا درج منها إلا إلى البقعة الجدباء" ا.هـ. قال ذلك فيه بعد مدحه مدحا كثيرا.


الذهبي مدح ابن تيمية في اول الامر ثم عاد وذمه.


وكان الذهبي وهو من معاصري ابن تيمية مدحه في أول الأمر ثم لمّا انكشف له حاله قال في رسالته بيان زغل العلم والطلب10 ما نصه: "فوالله ما رمقت عيني أوسع علما ولا أقوى ذكاء من رجل يقال له ابن تيمية مع الزهد في المأكل والملبس والنساء، ومع القيام في الحق والجهاد بكل ممكن، وقد تعبت في وزنه وفتشه حتى مللت في سنين متطاولة، فما وجدت أخره بين أهل مصر والشام ومقتته نفوسهم وازدروا به وكذبوه وكفروه إلا الكبر والعجب وفرط الغرام في رئاسة المشيخة والازدراء بالكبار، فانظر كيف وبال الدعاوى ومحبة الظهور، نسأل الله المسامحة، فقد قام عليه أناس ليسوا بأورع منه ولا أعلم منه ولا أزهد منه، بل يتجاوزون عن ذنوب أصحابهم وءاثام أصدقائهم، وما سلّطهم الله عليه بتقواهم وجلالتهم بل بذنوبه، وما دفع الله عنه وعن أتباعه أكثر، وما جرى عليهم إلا بعض ما يستحقون، فلا تكن في ريب من ذلك ". اهـ. وهذه الرسالة ثابتة عن الذهبي لأن الحافظ السخاوي نقل عنه هذه العبارة في كتابه الإعلان بالتوبيخ11 ، وقال: "وقد رأيت له- أي للذهبي- عقيدة مجيدة ورسالة كتبها لابن تيمية هي لدفع نسبته لمزيد تعصبه مفيدة " اهـ.


وقال في موضع ءاخر فيه ما نصه12: "فإن برعت في الأصول وتوابعها من المنطق والحكمة والفلسفة وءاراء الأوائل ومحارات العقول، واعتصمت مع ذلك بالكتاب والسنة وأصول السلف، ولفقت بين العقل والنقل، فما أظنك في ذلك تبلغ رتبة ابن تيمية ولا والله تقاربها، وقد رأيتَ ما ءال أمره إليه من الحط عليه والهجر والتضليل والتكفير والتكذيب بحق وبباطل، فقد كان قبل أن يدخل في هذه الصناعة منوَّرا مضيئا على مُحيَّاه سميا السلف، ثم صار مظلما مكسوفا عليه قتمة عند خلائق من الناس، ودجّالا أفّاكا كافرا عند أعدائه، ومبتدعا فاضلا محققا بارعا عند طوائف من عقلاء الفضلاء". اهـ.


ومن جملة ما يقوله الذهبي في حق ابن تيمية ما نقله الحافظ ابن حجر العسقلاني في الدرر الكامنة عنه ونصه13: "وأنا- أي الذهبي- لا أعتقد فيه عصمة بل أنا مخالف له في مسائل أصلية وفرعية" اهـ.


فتبين أن الذهبي ذمّه لأنه خاض بالفلسفة والكلام المذموم أي كلام المبتدعة في العقيدة كالمعتزلة والمشبهة، وهذا القدح في ابن تيمية من الذهبي يضعف الثناء الذي أثنى عليه في تذكرة الحفاظ بقوله:" ما رأت عيناي مثله وكأن السُّنّة نصب عينيه".


كلام الحافظ ابن حجر في ابن تيمية


ولنذكر فيما بعد ما قيل في ترجمة ابن تيمية وفي حبوسه وقيام العلماء وولاة الأمر عليه.


قال الحافظ ابن حجر في الدرر الكامنة في ترجمة ابن تيمية14:


"أحمد بن عبد الحليم ولد سنة 661 هـ ، وتحوّل به أبوه من حرّان سنة 67 فسمع من ابن عبد الدائم والقاسم الإربلي والمسلم بن علان وابن أبي عمرو والفخر في ءاخرين وقرأ بنفسه.


وأوّل ما أنكروا عليه من مقالاته في شهر ربيع الأول سنة 698 قام عليه جماعة من الفقهاء بسبب الفتوى الحموية وبحثوا معه ومُنع من الكلام، ثم حضر مع القاضي إمام الدين القزويني فانتصر له وقال هو وأخوه جلال الدين: "من قال عن الشيخ تقي الدين شيئا عزرناه".


ثم طُلِب ثاني مرة في سنة 705 إلى مصر فتعصب عليه بيبرس الجاشنكير وانتصر له سلار، ثم ءال أمره أن حبس في خزانة البنود مدة، ثم نقل في صفر سنة 709إلى الإسكندرية، ثم أُفرج عنه وأُعيد إلى القاهرة، ثم أُعيد إلى الإسكندرية، ثم حضر الناصر من الكرك فأطلقه ووصل إلى دمشق في ءاخر سنة 712. وكان السبب في هذه المحنة أن مرسوم السلطان ورد على النائب بامتحانه في معتقده لما وقع إليه من أمور تنكر في ذلك، فعقد له مجلس في سابع رجب وسئل عن عقيدته فأملى منها شيئا، ثم أحضروا العقيدة التي تُعرف بالواسطية فقرىء منها وبحثوا في مواضع، ثم اجتمعوا في ثاني عشرة وقرروا الصفي الهندي يبحث معه، ثم أخّروه وقدّموا الكمال الزملكاني، ثم انفصل الأمر على أنه شهد على نفسه أنه شافعي المعتقد، فأشاع أتباعه أنه انتصر، فغضب خصومه ورفعوا واحدا من أتباع ابن تيمية إلى الجلال القزويني نائب الحكم بالعادلية فعزره، وكذا فعل الحنفي باثنين منهم.


ثم في ثاني عشري رجب قرأ المِزيُّ فصلا من كتاب أفعال العباد للبخاري في الجامع فسمعه بعض الشافعية فغضبوا وقالوا نحن المقصودون بهذا ورفعوه إلى القاضي الشافعي فأمر بحبسه، فبلغ ابن تيمية فتوجه إلى الحبس فأخرجه بيده، فبلغ القاضي فطلع إلى القلعة فوافاه ابن تيمية فتشاجرا بحضرة النائب واشتط ابن تيمية على القاضي لكون نائبه جلال الدين ءاذى أصحابه في غيبة النائب، فأمر النائب من ينادي أن من تكلم في العقائد فُعِل كذا به وقصد بذلك تسكين الفتنة، ثم عقد لهم مجلس في سلخ رجب، وجرى فيه بين ابن الزملكاني وابن الوكيل مباحثة فقال ابن الزملكاني لابن الوكيل: ما جرى على الشافعية قليل حتى تكون أنت رئيسهم، فظن القاضي نجم الدين بن صصرى أنه عناه فعزل نفسه وقام، فأعاده الأمراء وولاه النائب وحكم الحنفي بصحة الولاية ونفذها المالكي، فرجع إلى منزله وعلم أن الولاية لم تصح، فصمم على العزل فرسم النائب لنوابه بالمباشرة إلى أن يرد أمر السلطان.


ثم وصل بريدي في أواخر شعبان بعوده، ثم وصل بريدي في خامس رمضان بطلب القاضي والشيخ- وأن يرسلوا بصورة ما جرى للشيخ في سنة 698، ثم وصل مملوك النائب وأخبر أن الجاشنكير والقاضي المالكي قد قاما في الإنكار على الشيخ وأن الأمر اشتد بمصر على الحنابلة حتى صفع بعضهم. ثم توجه القاضي والشيخ إلى القاهرة ومعهما جماعة فوصلا في العشر الأخير من رمضان وعقد مجلس في ثالث عشر منه بعد صلاة الجمعة، فادعى على ابن تيمية عند المالكي، فقال هذا عدوي ولم يجب عن الدعوى فكّرر عليه فأصر، فحكم المالكي بحبسه فأقيم من المجلس وحبس في برج، ثم بلغ المالكي أن الناس يترددون إليه فقال: يجب التضييق عليه إن لم يقتل والا فقد ثبت كفره، فنقلوه ليلة عيد الفطر إلى الجٌّبّ، وعاد القاضي الشافعي إلى ولايته ونودِيَ بدمشق من اعتقد عقيدة ابن تيمية حلَّ دمه وماله خصوصا الحنابلة، فتودي بذلك وقُرىء المرسوم وقرأها ابن الشهاب محمود في الجامع. ثم جمعوا الحنابلة من الصالحية وغيرها وأشهدوا على أنفسهم أنهم على معتقد الإمام الشافعي.


وذكر ولد الشيخ جمال الدين بن الظاهري في كتاب كتَبَهُ لبعض معارفه بدمشق أن جميع من بمصر من القضاة والشيوخ والفقهاء والعلماء والعوام يحطون على ابن تيمية إلأ الحنفي فإنه يتعصب له وإلا الشافعي فإنه ساكت عنه، وكان من أعظم القائمين عليه الشيخ نصر المنبجي لأنه كان بلغ ابن تيمية أنه يتعصب لابن العربي فكتب إليه كتابا يعاتبه على ذلك. فما أعجبه لكونه بالغ في الحطّ على ابن العربي وتكفيره فصار هو يحطّ على ابن تيمية ويغري به بيبرس الجاشنكير، وكان بيبرس يفرط في محبة نصر ويعظمه، وقام القاضي زين الدين بن مخلوف قاضي المالكية مع الشيخ نصر وبالغ في أذية الحنابلة، واتفق أن قاضي الحنابلة شرف الدين الحراني كان قليل البضاعة في العلم فبادر إلى إجابتهم فـي المعتقد واستكتبوه خطه بذلك، واتفق أن قاضي الحنفية بدمشق وهو شمس الدين ابن الحريري انتصر لابن تيمية وكتب في حقه محضرا بالثناء عليه بالعلم والفهم، وكتب فيه بخطه ثلاثة عشر سطرا من جملتها أنه منذ ثلاثمائة سنة ما رأى الناس مثله فبلغ ذلك ابن مخلوف فسعى في عزل ابن الحريري فعزل وقرر عوضه شمس الدين الأذرعي، ثم لم يلبث الأذرعي أن عزل في السنة المقبلة. وتعصب سلار لابن تيمية وأحضر القضاة الثلاثة الشافعي والمالكي والحنفي وتكلم معهم في إخراجه فاتفقوا على أنهم يشترطون فيه شروطا وأن يرجع عن بعض العقيدة فأرسلوا إليه مرات فامتنع من الحضور إليهم واستمر، ولم يزل ابن تيمية في الجب إلى أن شفع فيه مهنا أمير ءال فضل، فأخرج في ربيع الأول في الثالث وعشرين منه وأحضر إلى القلعة ووقع البحث مع بعض الفقهاء فكتب عليه محضر بأنه قال أنا أشعري. ثم وجد بخطه ما نصه: الذي اعتقد أن القرءان معنى قائم بذات الله وهو صفة من صفات ذاته القديمة وهو غير مخلوق وليس بحرف ولا صوت، وأن قوله: ﴿ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ﴾ [سورة طه] ليس على ظاهره ولا أعلم كنه المراد به بل لا يعلمه إلا الله، والقول في النزول كالقول في الاستواء. وكتبه أحمد بن تيمية. ثم أشهدوا عليه أنه تاب مما ينافي ذلك مختارا وذلك في خامس عشري ربيع الأول سنة 707، وشهد عليه بذلك جمع جم من العلماء وغيرهم وسكن الحال وأفرج عنه وسكن القاهرة.


ثم اجتمع جمع من الصوفية عند تاج الدين بن عطاء فطلعوا في العشر الأوسط من شوال إلى القلعة وشكوا من ابن تيمية أنه يتكلم في حق مشايخ الطريق وأنه قال لا يستغاث بالنبي صلى الله عليه و سلم ، فاقتضى الحال أن أمر بتسييره إلى الشام فتوجه على خيل البريدي، وكل ذلك والقاضي زين الدين بن مخلوف مشتغل بنفسه بالمرض وقد أشرف على الموت، وبلغه سفر ابن تيمية فراسل النائب فردّه من بلبيس وادعى عليه عند ابن جماعة وشهد عليه شرف الدين ابن الصابوني، وقيل إن علاء الدين القونوي أيضا شهد عليه فاعتقل بسجن بحارة الديلم في ثامن عشر شوال إلى سلخ صفر سنة 709، فنقل عنه أن جماعة يترددون إليه وأنه يتكلم عليهم في نحو ما تقدم، فأمر بنقله إلى الإسكندرية فنقل إليها في سلخ صفر وكان سفره صحبة أمير مقدم، ولم يمكن أحد من جهته من السفر معه وحبس ببرج شرقي. ثم توجه إليه بعض أصحابه فلم يمنعوا منه فتوجهت طائفة منهم بعد طائفة، وكان موضعه فسيحا فصار الناس يدخلون إليه ويقرءون عليه ويبحثون معه قرأت ذلك قي تاريخ البرزالي، فلم يزل إلى أن عاد الناصر إلى السلطنة فشفع فيه عنده، فأمر بإحضاره فاجتمع به في ثامن عشر شوال سنة تسع فأكرمه وجمع القضاة وأصلح بينه وبين القاضي المالكي، فاشترط المالكي أن لا يعود، فقال له السلطان قد تاب، وسكن القاهرة وتردد الناس إليه، إلى أن توجه صحبة الناصر إلى الشام بنية الغزاة في سنة 712 وذلك في شوال فوصل دمشق في مستهل ذي القعدة، فكانت مدة غيبته عنها أكثر من سبع سنين وتلقاه جمع عظيم فرحا بمقدمه، وكانت والدته إذ ذاك في قيد الحياة.


ثم قاموا عليه في شهر رمضان سنة 719 بسبب مسألة الطلاق وأكد عليه المنع من الفتيا، ئم عقد له مجلس ءاخر في رجب سنة عشرين، ثم حبس بالقلعة ثم أخرج في عاشوراء سنة 721.


ثم قاموا عليه مرة أخرى في شعبان سنة 726 بسبب مسألة الزيارة واعتقل بالقلعة فلم يزل بها إلى أن مات في ليلة الاثنين والعشرين من ذي القعدة سنة 728. اهـ.


ثم قال15: ((وكان يتكلم على المنبر على طريقة المفسرين مع الفقه والحديث فيورد في ساعة من الكتاب والسنّة واللغة والنظر ما لا يقدر أحد على أن يورده في عدة مجالس كأن هذه العلوم بين عينيه فيأخذ منها ما يشاء ويذر، ومن ثَمّ نسب أصحابه إلى الغلو فيه واقتضى له ذلك العجب بنفسه حتى زها على أبناء جنسه واستشعر أنه مجتهد فصار يرد على صغير العلماء وكبيرهم قويّهم وحديثهم حتى انتهى إلى عمر فخطأه في شئ، فبلغ الشيخ إبراهيم الرَّقي فأنكر عليه فذهب إليه واعتذر واستغفر، وقال في حق عليّ أخطأ في سبعة عشر شيئا خالف فيها نص الكتاب منها اعتداد المتوفى عنها زوجها أطول الأجلين. وكان لتعصبه لمذهب الحنابلة يقع في الأشاعرة حتى إنه سب الغزالي فقام عليه قوم كادوا يقتلونه.


ولما قدم غازان بجيوش التتر إلى الشام خرج إليه وكلمه بكلام قوي، فهم بقتله ثم نجا، واشتهر أمره من يومئذ. واتفق أن الشيخ نصرًا المنبجي كان قد تقدم في الدولة لاعتقاد بيبرس الجاشنكير فيه، فبلغه أن ابن تيمية يقع في ابن العربي لأنه كان يعتقد أنه مستقيم وأن الذي ينسب إليه من الاتحاد أو الإلحاد من قصور فهم من ينكر عليه، فأرسل ينكر عليه وكتب إليه كتابا طويلأ ونسبه وأصحابه إلى الاتحاد الذي هو حقيقة الإلحاد، فعظم ذلك عليهم وأعانه عليه قوم ءاخرون ضبطوا عليه كلمات في العقائد مغيرة وقعت منه في مواعظه وفتاويه، فذكروا أنه ذكر حديث النزول فنزل عن المنبر درجتين فقال كنزولي هذا فنسب إلى التجسيم، ورده على من توسل بالنبيّ (صلّى الله عليه وسلّم) أو استغاث، فأشخص من دمشق في رمضان سنة خمس وسبعمائة فجرى عليه ما جرى وحبس مرارا فأقام على ذلك نحو أربع سنين أو أكثر وهو مع ذلك يشتغل ويفتي، إلى أن اتفق أن الشيخ نصرا قام على الشيخ كريم الدين الآملي شيخ خانقاه سعيد السعداء فأخرجه من الخانقاه، وعلى شمس الدين الجزري فأخرجه من تدريس الشريفيّة، فيقال إن الآملي دخل الخلوة بمصر أربعين يوما فلم يخرج حتى زالت دولة بيبرس وخمل ذكر نصر وأطلق ابن تيمية إلى الشام. وافترق الناس فيه شيعا فمنهم من نسبه إلى التجسيم لما ذكر في العقيدة الحموية والواسطية وغيرهما من ذلك كقوله إن اليد والقدم و الساق والوجه صفات حقيقية لله انه مستو على العرش بذاته، فقيل له: يلزم من ذلك التحيز والانقسام، فقال: أنا لا أسلّم أن التحيز والانقسام من خواص الأجسام، فألزم بأنه يقول بتحيز في ذات الله. ومنهم من ينسبه إلى الزندقة لقوله إن النبي (صلّى الله عليه وسلّم) لا يستغاث به وأن في ذلك تنقيصا ومنعا من تعظيم النبي صلى الله عليه و سلم لمجيب، وكان أشد الناس عليه في ذلك النور البكري فإنه لما عقد له المجلس بسبب ذلك قال بعض الحاضرين يعزر، فقال البكري: لا معنى لهذا القول فإنه إن كان تنقيصا يقتل وإن لم يكن تنقيصا لا يعزر. ومنهم من ينسبه إلى النفاق لقوله في عليّ ما تقدم ولقوله: إنه كان مخذولا حيثما توجه، وإنه حاول الخلافة مرارا فلم ينلها وإنما قاتل للرياسة لا للديانة، ولقوله: إنه كان يحب الرياسة، وإن عثمان كان يحب المال، ولقوله: أبو بكر أسلم شيخا لا يدري ما يقول وعليّ أسلم صبيا والصبي لا يصح إسلامه على قول)). انتهى كلام ابن حجر.


كلام ابن الوردي في ابن تيمية


قال ابن الوردي في تاريخ16 ما نصه: "وفيها أي سنة ثمان عشرة وسبعمائة في جمادى الآخرة، ورد مرسوم السلطان بمنع الشيخ تقي الدين ابن تيمية من الفتوى في مسألة الحلف بالطلاق، وعقد لذلك مجلس نودي به في البلد. قلت: وبعد هذا المنع والنداء، أحضر إليّ رجل فتوى من مضمونها أنه طلق الرجل امرأته ثلاثا جملة بكلمة أو بكلمات في طهر أو أطهار قبل أن يرتجعها أو تقضي العدة، فهذا فيه قولان للعلماء أظهرهما أنه لا يلزمه إلا طلقة واحدة ولو طلقها الطلقة بعد أن يرتجعها أو يتزوجها بعقد جديد وكان الطلاق مباحا فإنه يلزمه، وكذلك الطلقة الثالثة إذا كانت بعد رجعة أو عقد جديد وهي مباحة فإنها تلزمه، ولا تحل له بعد ذلك إلا بنكاح شرعي لا بنكاح تحليل والله أعلم. وقد كتب الشيخ بخطه تحت ذلك ما صورته: هذا منقول من كلامي، كتبه أحمد بن تيمية. وله في الطلاق رخص غير هذا أيضا، لا يلتفت العلماء إليها ولا يعرجون عليها" اهـ.


ثم قال17 : ((وفيها- أي في سنة ست وعشرين وسبعمائة- في شعبان اعتقل الشيخ تقي الدين بن تيمية بقلعة دمشق مكرما راكبا، وفي خدمته مشد الأوقاف والحاجب ابن الخطير، وأخليت له قاعة ورتب له ما يقوم بكفايته، ورسم السلطان بمنعه من الفتيا، وسبب ذلك فتيا وجدت بخطه في المنع من السفر ومن إعمال المطي إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين، وحبس جماعة من أصحابه وعزر جماعة، ثم أطلقوا سوى شمس الدين محمد بن أبي بكر إمام الجوزية فإنه حبس بالقلعة أيضا)).اهـ.


الصفدي تلميذ ابن تيمية يصرح ان ابن تيمية حبس وسجن لانه خالف علماء عصره وقال في حق الله ما لا يقال


قال صلاح الدين الصفدي تلميذ ابن تيمية والتقي السبكي كما تقدم في كتابه أعيان العصر وأعوان النصر18: "وكان في ربيع الأول سنة ثمان وتسعين وستمائة قد قام عليه جماعة من الشافعية وأنكروا عليه كلاما في الصفات، وأخذوا فتياه الحموية وردوا عليه فيها، وعملوا له مجلسا فدافع الأفرم عنه ولـم يبلغهم فيه اربا، ونودي فـي دمشق بإبطال العقيدة الحموية، فانتصر له جاغان المشد وكان قد منع من الكلام.


ثم إنه جلس على عادته يوم الجمعة وتكلم، ثم حضر عنده قاضي القضاة إمام الدين وبحثوا معه وطال الأمر بينهم ثم رجع القاضي إمام الدين وأخوه جلال الدين وقالا: من قال عن الشيخ تقي الدين شيئا عزرناه.


ثم إنه طلب إلى مصر هو والقاضي نجم الدين بن صَصرى وتوجها إلى مصر في ثاني عشر شهر رمضان سنة خمس وسبعمائة فانتصر له الأمير سيف الدين سلار وحط الجاشنكير عليه وعقدوا له مجلسا انفصل على حبسه فحبس في خزانة البنود، ثم نقل إلى الإسكندرية في صفر سنة تسع وسبعمائة ولم يمكّن أحد من أصحابه من التوجه معه، ثم أفرج عنه وأقام بالقاهرة مدة ثم اعتقل أيضا ثم أفرج عنه في ثامن شوال سنة تسع وسبعمائة أخرجه الناصر لمَّا ورد من الكرك، وحضر إلى دمشق فلما كان في يوم الثلاثاء تاسع عشر شهر رمضان سنة تسع عشرة وسبعمائة جمع الفقهاء والقضاة عند الأمير سيف الدين تنكر وقرىء عليهم كتاب السلطان وفيه فصل يتعلق بالشيخ تقي الدين بسبب فتياه في مسئلة الطلاق وعوتب على فتياه بعد المنع، وانفصل المجلس على تأكيد المنع. ثم إنه في يوم الخميس ثاني عشري شهر رجب الفرد سنة عشرين وسبعمائة عقد له مجلس بدار السعادة وعاودوه في فتيا الطلاق عليها وعاتبوه لأجلها. ثم إنه حبس بقلعة دمشق وأقام بها إلى يوم الاثنين يوم عاشوراء سنة إحدى وعشرين وسبعمائة فأخرج من القلعة بعد العصر بمرسوم السلطان وتوجه إلى منزله، وكانت مدة سجنه خمسة أشهر وثمانية عشر يوما، ولما كان في يوم الاثنين بعد العصر سادس شعبان سنة ست وعشرين وسبعمائة في أيام قاضي القضاة جلال الدين القزويني تكلموا معه في مسئلة الزيارة وكتب في ذلك إلى مصر، فورد مرسوم السلطان باعتقاله في القلعة فلم يزل بها إلى أن مات في ليلة الاثنين عشري ذي القعدة سنة ثمان وعشرين وسبعمائة بقلعة دمشق في القاعة التي كان بها محبوسا. ومولده بحران سنة إحدى وستين وستمائة، وأول ما اجتمعثُ أنا به كان في سنة ثمان عشرة أو سبع عشرة وهو بمدرسته في القصاعين بدمشق المحروسة وسألته مسألة مشكلة في التفسير ومسألة مشكلة في الإعراب ومسألة مشكلة في الممكن والواجب وقد ذكرت ذلك في ترجمته في تاريخي الكبير. ثم اجتمعت به بعد ذلك مرات وحضرت دروسه في الحنبلية، فكنت أرى منه عجبا من عجائب البر والبحر ونوعا فردا وشكلأ غريبا". ا هـ.


وأمر ابن تيمية كما قال الحافظ الفقيه المجتهد تقي الدين السبكي ما نصه19: "وحُبِسَ بإجماع العلماء وولاة الأمور" اهـ.


تقي الدين الحصني يفضح ابن تيمية


قال تقي الدين الحصني في كتابه دفع شبه من شّبه وتمرّد20 بعد ذكره مرسوم الملك ابن قلاوون- وسيأتي فيما بعد- في ابن تيمية ما نصه: "وأزيد على ذلك ما ذكره صاحب عيون التواريخ وهو ابن شاكر ويُعرف بصلاح الدين الكتبي وبالتريكي وكان من أتباع ابن تيمية وضرب الضرب البليغ لكونه قال لمؤذن في مئذنة العروس وقت السحر أشركت حين قال:


ألا يا رسول الله أنت وسيلتـي إلى الله فـي غفران ذنبي وزلتي


وأرادوا ضرب عنقه ثم جددوا إسلامه، وإنما أذكر ما قاله لأنه أبلغ في حق ابن تيمية في إقامة الحجة عليه مع أنه أهمل أشياء من خبثه ولؤمه لما فيها من المبالغة في إهانة قدوته والعجب أنّ ابن تيمية ذكرها وهو ساكت عنها.


كلام ابن تيمية في الاستواء ووثوب الناس عليه


فمن ذلك ما أخبر به أبو الحسن علي الدمشقي في صحن الجامع الأموي عن أبيه قال: كنا جلوسا في مجلس ابن تيمية فذكر ووعظ وتعرض لآيات الاستواء ثم قال: ((واستوى الله على عرشه كاستوائي هذا))، قال: فوثب الناس عليه وثبة واحدة وأنزلوه من الكرسي وبادروا إليه ضربا باللكم والنعال وغير ذلك حتى أوصلوه إلى بعض الحكام واجتمع في ذلك المجلس العلماء فشرع يناظرهم فقالوا: ما الدليل على ما صدر منك، فقال: قوله تعالى: ﴿ الرَّحْمَنُ عَلَى العرش استوى (5)﴾ [سورة طه] فضحكوا منه وعرفوا أنه جاهل لا يجري على قواعد العلم ثم نقلوه ليتحققوا أمره فقالوا: ما تقول في قوله تعالى ﴿ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وجه اللّه ﴾ ءاية 115[سورة البقرة]، فأجاب بأجوبة تحققوا أنه من الجهلة على التحقيق وأنه لا يدري ما يقول وكان قد غره بنفسه ثناء العوام عليه وكذا الجامدون من الفقهاء العارون عن العلوم التي بها يجتمع شمل الأدلة على الوجه المرضي. وقد رأيت في فتاويه ما يتعلق بمسألة الاستواء وقد أطنب فيها وذكر أمورا كلها تلبيسات وتجريات خارجة عن قواعد أهل الحق والناظر فيها إذا لم يكن ذا علوم وفطنة وحسن روية ظن أنها على منوال مرضي. ومن جملة ذلك بعد تقريره وتطويله: ((إن الله معنا حقيقة وهو فوق العرش حقيقة كما جمع الله بينهما في قوله تعالى:


﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ ءاية 4 [سورة الحديد] فأخبر أنه فوق العرش يعلم كل شئ وهو معنا أينما كنا)) هذه عبارته بحروفها)) اهـ.


ثم قال الحصني ما نصه21 : ((ولنرجع إلى ما ذكره ابن شاكر الكتبي في تاريخه في الجزء العشرين قال: ((وفي سنة خمس وسبعمائة في ثامن رجب عقد مجلس بالقضاة والفقهاء بحضرة نائب السلطنة بالقصر الأبلق، فسئل ابن تيمية عن عقيدته فأملى شيئا منها ثم أحضرت عقيدته الواسطية وقرئت في المجلس ووقعت بحوث كثيرة وبقيت مواضع أخّرت إلى مجلس ثانٍ، ثم اجتمعوا يوم الجمعة ثاني عشر رجب وحضر المجلس صفي الدين الهندي وبحثوا، ثم اتفقوا على أن كمال الدين بن الزملكاني يحاقق ابن تيمية ورضوا كلهم بذلك فأفحم كمال الدين ابن تيمية، وخاف ابن تيمية على نفسه فأشهد على نفسه الحاضرين أنه شافعي المذهب ويعتقد ما يعتقده الإمام الشافعي، فرضوا منه بذلك وانصرفوا.


ثم إن أصحاب ابن تيمية أظهروا أن الحق ظهر مع شيخهم وأن الحق معه، فأُحضروا إلى مجلس القاضي جلال الدين القزويني وأحضروا ابن تيمية وصفع ورسم بتعزيره فشفع فيه، وكذلك فعل الحنفي باثنين من أصحاب ابن تيمية. ثم قال: ولما كان سلخ رجب جمعوا القضاة والفقهاء وعقد مجلس بالميدان أيضا وحضر نائب السلطنة أيضا وتباحثوا في أمر العقيدة وسلك معهم المسلك الأول، فلما كان بعد أيام ورد مرسوم السلطان صحبة بريدي من الديار المصرية بطلب قاضي القضاة نجـم الدين بن صَصرى وبابن تيمية، وفي الكتاب: ((تعرفون ما وقع في سنة ثمان وتسعين في عقيدة ابن تيمية" فطلبوا الناس وسألوهم عما جرى لابن تيمية في أيام نقل عنه فيها كلام قاله، وأحضروا للقاضي جلال الدين القزويني العقيدة التي كانت أحضرت في زمن قاضي القضاة إمام الدين، وتحدّثوا مع ملك الأمراء في أن يكاتب في هذا الأمر فأجاب فلما كان ثاني يوم وصل مملوك ملك الأمراء على البريد من مصر وأخبر أن الطلب على ابن تيمية كثير وأن القاضي المالكي قائم في قضيته قياما عظيما، وأخبر بأشياء كثيرة من الحنابلة وقعت في الديار المصرية وأن بعضهم صفع، فلما سمع ملك الأمراء بذلك انحلّت عزائمه عن المكاتبة وسيّر شمس الدين بن محمد المهمندار إلى ابن تيمية وقال له قد رسم مولانا ملك الأمراء بأن تسافر غدا، وكذلك راح إلى قاضي القضاة فشرعوا في التجهيز، وسافر بصحبة ابن تيمية أخواه عبد الله وعبد الرحمن وسافر معهم جماعة من أصحاب ابن تيمية.


وفي سابع شوال وصل البريدي إلى دمشق وأخبر بوصولهم إلى الديار المصرية وأنه عقد لهم مجلس بقلعة القاهرة بحضرة القضاة والفقهاء والعلماء والأمراء، فتكلم الشيخ شمس الدين بن عدنان الشافعي وادعى على ابن تيمية في أمر العقيدة فذكر منها فصولا، فشرع ابن تيمية فحمد الله تعالى وأثنى عليه وتكلم بما يقتضي الوعظ، فقيل له: يا شيخ إن الذي تقوله نحن نعرفه وما لنا حاجة إلى وعظك، وقد ادعي عليك بدعوى شرعية فأجب، فأراد ابن تيمية أن يعيد التحميد فلم يمكنوه من ذلك بل قيل له أجب، فتوقف، وكرّر عليه القول مرارا فلم يزدهم على ذلك شيئا، وطال الأمر، فعند ذلك حكم القاضي المالكي بحبسه وحبس أخويه معه فحبسوه في برج من أبراج القلعة، فتردد إليه جماعة من الأمراء فسمع القاضي بذلك فاجتمع بالأمراء وقال: يجب عليه التضييق إذا لم يقتل وإلا فقد وجب قتله وثبت كفره، فنقلوه إلى الجب بقلعة الجبل ونقلوا أخويه معه بإهانة.


وفي سادس عشر ذي القعدة وصل من الديار المصرية قاضي القضاة نجم الدين بن صَصرى وجلس يوم الجمعة في الشباك الكمالي وحضر القرّاء والمنشدون وأنشدت التهاني، وكان وصل معه كتب ولم يعرضها على نائب السلطنة، فلما كان بعد أيام عرضها عليه فرسم ملك الأمراء بقراءتها والعمل بما فيها امتثالا للمراسيم السلطانية، وكانوا قد بيّتوا على الحنابلة كلهم بأن يحضروا إلى مقصورة الخطابة بالجامع الأموي بعد الصلاة، وحضر القضاة كلهم بالمقصورة وحضر معهم الأمير الكبير ركن الدين بيبرس العلائي، وأحضروا تقليد القضاة نجم الدين بن صَصرى الذي حضر معه من مصر باستمراره على قضاء القضاة وقضاء العسكر ونظر الأوقاف وزيادة المعلوم، وقرىء عقيبه الكتاب الذي وصل على يديه، وفيه ما يتعلق بمخالفة ابن تيمية في عقيدته إلزام الناس بذلك خصوصا الحنابلة والوعيد الشديد عليهم والعزل من المناصب والحبس وأخذ المال والروح لخروجهم بهذه العقيدة عن الملّة المحمدية، ونسخة الكتاب نحو الكتاب المتقدّم، وتولى قراءته شمس الدين محمد بن شهاب الدين الموقع وبلغ عنه الناس ابن صبح المؤذن، وقرىء بعده تقليد الشيخ برهان الدين بالخطابة وأحضروا بعد القراءة الحنابلة مهانين بين يدي القاضي جمال الدين المالكي بحضور باقي القضاة، واعترفوا أنهم يعتقدون ما يعتقده محمد بن إدريس الشافعي رضي الله عنه.


وفي سابع شهر صفر سنة ثمان عشرة ورد مرسوم السلطان بالمنع من الفتوى في مسألة الطلاق الذي يفتي بها ابن تيمية وأمر بعقد مجلس له بدار السعادة وحضر القضاة وجماعة من الفقهاء، وحضر ابن تيمية وسألوه عن فتاويه في مسألة الطلاق وكونهم نهوه وما انتهى ولا قبل مرسوم السلطان ولا حُكم الحكَّام بمنعه، فأنكر، فحضر خمسة نفر فذكروا عنه أنه أفتاهم بعد ذلك، فأنكر وصمّم على الإنكار، فحضر ابن طليش وشهود شهدوا أنه أفتى لحّامّا اسمه قمر مسلماني في بستان ابن منجا فقيل لابن تيمية اكتب بخطك أنك لا تفتي بها ولا بغيرها، فكتب بخطه أنه لا يفتي بها وما كتب بغيرها، فقال القاضي نجم الدين بن صَصرى: حكمت بحبسك واعتقالك، فقال له: حكمك باطل لأنك عدوي فلم يقبل منه وأخذوه واعتقلوه في قلعة دمشق. وفي سنة إحدى وعشرين وسبعمائة يوم عاشوراء أفرج عن ابن تيمية من حبسه بقلعة دمشق وكانت مدة اعتقاله خمسة أشهر ونصف)). انتهى كلام الحصني.


ابن شاكر الكتبي يبين حال ابن تيمية


قال أبن شاكر الكتبي22 : ((وفي سادس شعبان قدم البريدي من الديار المصرية وعلى يده مرسوم سلطاني باعتقال الشيخ الإمام العلامة تقي الدين بن تيمية، فحضر ناصر الدين مشد الأوقاف والأمير بدر الدين ابن الخطيب الحاجب إلى عند الشيخ تقي الدين وأخبروه بصورة الحال، فقال في هذا خير كثير، وأحضروا له مركوبا، فركب معهم إلى قلعة دمشق فأخليت له دار يُجرى إليها الماء وكان من جملة المرسوم أن يكون معه ولد أو أخ أو خادم يخدمه وأن تُجرى عليهم كفايتهم، فاختار أخوه زين الدين عبد الرحمن المقام معه لخدمته. وكان السبب في ذلك أنه أفتى فتيا وذكر فيها: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد- الحديث المشهور -، وأن زيارة قبور الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا تشد إليها الرحال كقبر إبراهيم الخليل وقبر محمد النبي صلى الله عليه و سلم، واتّفق أن شمس الدين بن قيم الجوزية سافر إلى القدس الشريف ورقي في الحرم على منبر وعظ، وفي أثناء وعظه ذكر هذه المسئلة وقال: ها أنا من ههنا أرجع ولا أزور الخليل، وجاء إلى نابلس وعمل له مجلس وعظ وذَكَرَ المسئلة بعينها حتى إنه قال: ولا يُزار قبر النبي صلى الله عليه و سلم إلا مسجده، فقاموا عليه الناس فحماه منهم والي البلد وكتبوا أهل القدس ونابلس إلى دمشق بصورة ما وقع من المذكور وما صدر منه، فطلبه القاضي المالكي فتودد وصعد إلى الصالحية إلى قاضي القضاة شمس الدين بن مسلم، وتاب وأسلم على يده فقبل توبته وحكم بإسلامه وحقن دمه، ولم يعزره لأجل الشيخ تقي الدين بن تيمية، فحينئذ قامت الفقهاء الشافعية والمالكية وكتبوا فتيا في الشيخ تقي الدين بن تيمية لكونه أول من تكلّم في هذه المسئلة فكتب عليها الشيخ برهان الدين ابن الشيخ تاج الدين نحو أربعين سطرا بأشياء كثيرة يقولها ويفتي بها، و ءاخر القول أفتي بتكفيره، ووافقه شهاب الدين ابن جهبل الشافعي وكتب تحت خطه كذلك الصدر المالكي وغيرهم، وحفلت الفتيا إلى نائب السلطنة فأراد أن يعقد لهم مجلسا ويجمع الفقهاء والعلماء فرأى أن الأمر يتسع الكلام فيه، ولا بد من إعلام السلطان فأخذ الفتيا وجعلها في المطالعة وسيّرها إلى السلطان فجمع لها القضاة ولم يحضر المالكي فإنه كان مريضا، فلما قرئت عليهم أخذها قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة فقال: القائل بهذه المقالة ضال مضل مبتدع ووافقه الحنفي والحنبلي، فقال السلطان لقاضي القضاة بدر الدين: ما ترى في أمره، فقال: يُحبس، وقال السلطان وكذا كان في نفسي أن أفعل به، وكتب الكتاب إلى دمشق بما يعتمده نائب السلطنة وقرءوه على السدة قرأه بدر الدين بن الأعزازي الموقع وبلّغه ابن النجيبي المؤذن، ومضمونه بعد البسملة أدام الله نعمته نوضح لعلمه الكريم وزود مكانته التي جهزها بسبب ابن تيمية فوقفنا عليها وعلمنا مضمونها من أمر المذكور وإقدامه على الفتوى بعد تكرار المراسيم الشريفة بمنعه حسب ما حكـم به القضاة وأكابر العلماء، وعقدنا لهذا السبب مجلسا بين أيدينا ورسمنا بقراءة الفتيا على القضاة والعلماء فذكروا جميعا أن الذي أفتى به ابن تيمية في ذلك خطأ ومردود عليه، وحكموا بزجره وحبسه وطول سجنه ومنعه من الفتيا مطلقا، وكتبوا خطوطهم بذلك بين أيدينا على ظاهر الفتيا المجهز بنسخة ما كتبه ابن تيمية، وقد جهزناه إلى الجناب العالي طي هذه المكاتبة ليقف على ما كتب فيه القضاة الأربعة ويتقدم باعتقال المذكور في قلعة دمشق المحروسة، ومنعه من الفتيا مطلقا، ومنع الناس من الاجتماع به والتردد إليه ويُرتب له كل يوم ما يقوم بكفايته وينزل عنده من يختار لخدمته مثل قرابة ولد أو أخ أو من يجري مجراهم فيحيط علمه بهذا الأمر ويكون اعتماده بحسب ما حكم به الأئمة العلماء في السجن المذكور وطول حبسه، فانه كل وقت يحدث للناس شيئا منكرا يشغل خواطرهم به ومنع ذلك وسد الذريعة منه أولى فليكن عمله على هذا الحكم ويتقدم أمره فيه، وإذا اعتمد الجناب العالي هذا الاعتماد الذي رسمنا به في أمر ابن تيمية فيتقدم بمنع من يسلك مسالكه ويفتي بهذه الفتاوي ويعمل بها في أمر الطلاق أو هذه الفتيا المستجدة. وإذا اطلع على أحد عمل بذلك أو أفتى به فيعتبر حاله، فإن كان من مشايخ العلماء فيُعزر تعزير مثله وان كان من الشباب المنتسبين الذين يقصدون الظهور أيضا كما يقصده ابن تيمية فيؤدبهم ويردعهم ويعتمد في أموره ما تحسم به مواد أمثالهم ليستقيم أحوال الناس ويمشي على السداد، ولا يعود أحد يتجاسر على الإفتاء بما يخالف الإجماع ويبتدع في دين الله تعالى من أنواع الاقتراح ما لم يسبقه إليه أحد، فالجناب العالي يراعي هذه الأمور التي عرفناها فإن بها تسد الذرائع فيها أولى من الرخصة فيه. وقد عجلنا لهذا الجواب وبقية فصوله مكاتبته الواردة صحبته تصل بعد هذا الكتاب إن شاء الله تعالى، وكتب في سابع عشري رجب الفرد سنة ست وعشرين وسبعمائة صورة المنقول بخط القضاة الأربعة بالقاهرة المحروسة على ظهر الفتيا:


الحمد لله، هذا المنقول باطنها جواب عن السؤال من قوله إن زيارة قبور الأنبياء والصالحين بدعة، وما ذكره من نحو ذلك وانه لا يرخص في السفر لزيارة الأنبياء فهو باطل مردود عليه، وقد نقل جماعة من العلماء الكبار أن زيارة النبي صلى الله عليه و سلم فضيلة وسنة مجمع عليها، وهذا المفتي المذكور ينبغي أن يزجر عن مثل هذه المقالة والفتاوي الغريبة ويُحبس إذا لم يمتنع من ذلك، ويشهر أمره ليتحفظ الناس عن الاقتداء به، كتب محمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة الشافعي وكذلك يقول محمد بن الحريري الأنصاري الحنفي لكن يحبس الآن جزما مطلقا كتب المذكور، كذلك يقول أحمد بن عمر المقدسي الحنبلي، كذلك يقول محمد بن أبي بكر المالكي إن ثبت عليه ذلك فيبالغ في زجره حسبما تندفع هذه المفسدة وغيرها من المفاسد.


ولمّا كان يوم الجمعة رابع عشري شعبان قعد قاضي القضاة جلال الدين بعد الصلاة بالمدرسة العادلية وأحضر جماعة من جماعة الشيخ تقي الدين بن تيمية كانوا معتقلين في حبس الشرع فادعي على عماد الدين بن كثير صهر المزي أنه قال إن التوراة والإنجيل ما بدّلت وإنها بحالها كما أنزلت وشهدوا عليه وثبت ذلك في وجهه فعزر بالدّرّة في المجلس وأخرج وطيف به ونودي عليه هذا جزاء من قال إن التوراة والإنجيل ما بُدّلت وبعد ذلك أطلقوه، وأحضر عبد الله الإسكندري وادعي عليه أنه قال عن مؤذني الجامع هؤلاء كفروا وانهم كفار بسبب أنهم يقولون في المنارة ألا يا رسول الله أنت وسيلتي وشئ ءاخر من هذا الجنس فذكر أنه أعترف بذلك وغيره عند قاضي القضاة شمس الدين بن مسلم، وأسلم على يده وقبل توبته وحقن دمه وأبقى عليه جهاته وزوجته، فسيروا إلى الحنبلي يسألونه عن ذلك وأحضر بعد ذلك الصلاح الكتبي الداراني وادعي عليه أنه قال لا فرق بين حجارة طهارة جيرون وحجارة صخرة بيت المقدس فأنكر ذلك فقامت عليه البينة، وأحضر ابن قيم الجوزية الذي عمل الفتنة من أصلها وادعي عليه بما قال في المجلسين اللذين عملهما بالقدس الشريف ونابلس فأنكر ذلك وكان قد سافر جماعة من أهل دمشق كلهم فقهاء وعدول من جملتهم مُدَرّس الطرخانية وحضروا مجلس نابلس فشهدوا عليه بما قال وثبت ذلك فعزره قاضي القضاة عبد الله الإسكندري على حمار غير مقلوب ومعه صلاح الداراني وشخص ءاخر كان قد أساء الأدب عند دار الحديث وقال: كل من قال عن الشيخ تقي الدين شىء فهو كذب وأريد أن أضربه بمداتي فشهدوا عليه وضربوهم جميعا بالدرة في قفيهم، وبعد ذلك أعيدوا إلى الحبس فلما كان يوم الثلاثاء ءاخر النهار حضروا المالكية وأخذوا ابن قيم الجوزية إلى حبسهم وأحضروه يوم الأربعاء إلى قاضي القضاة شرف الدين المالكي وادعوا عليه فما كان له جواب إلا أن قال إن قاضي القضاة الحنبلي حكم بحقن دمي وتوبتي، فأعيد إلى الحبس وتركوه إلى حيث يحضر الحنبلي إلى البلد وسألوه كيف كان الحكم وسُيّر الحنبلي وغيره إلى قاضي القضاة جلال الدين يشفعون في المذكور أن لا يكون الحكم إلا عنده، فأحضره في سابع وعشري الشهر وعزروه عنده في العادلية بالدّرّة وأُركب حمارا وطيف به البلد وراحوا به إلى الصالحية، و ءاخر النهار ردوه إلى الحبس وأعلموا نائب السلطنة بما فعلوه فسيّر مشد الأوقاف تسلم المذكور من قاضي القضاة جلال الدين وصعد به إلى القلعة وحبسه بها مقيدا وأطلقوا الباقي وسكنت الفتنة". اهـ.


صورة مرسوم ابن قلاوون في ابن تيمية:


بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي تنزّه عن الشبيه والنظير وتعالى عن المثل فقال عز وجل: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ﴾ ءاية 11 [سورة الشورى]، أحمده على أن ألهمنا العمل بالسُّنة والكتاب، ورفع في أيامنا أصباب الشك والارتياب، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة من يرجو بإخلاصه حسن العقبى والمصير، وينزّه خالقة عن التحيز في جهة لقوله تعالى: ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ ءاية 4 [سورة الحديد]، وأشهد أنَّ سيدنا محمدا عبده ورسوله الذي نهج سبيل النجاة لمن سلك سبيل مرضاته، وأمر بالتفكّر في ءالاء الله ونهى عن التفكر في ذاته، صلى الله عليه وعلى ءاله وأصحابه الذين علا بهم منار الإيمان وارتفع، وشيّد الله بهم من قواعد الدين الحنيف ما شرع، وأخمد بهم كلمة من حاد عن الحق ومال إلى البدع.


وبعد، فان العقائد الشرعية وقواعد الإسلام المرعية وأركان الإيمان العلية ومذاهب الدين المرضية، هي الأساس الذي يبنى عليه [والمَوئِلُ]23 الذي يرجع كل أحد إليه، والطريق التي من سلكها فقد فاز فوزا عظيما، ومن حاد عنها فقد استوجب عذابا أليما، فلهذا يجب أن تنفذ أحكامها، ويؤكد دوامها، وتُصان عقائد الملة عن الاختلاف، وتزان قواعد الأئمة بالائتلاف، وتخمد ثوائر البدع، ويفرّق من فِرَقِها ما اجتمع.


وكان ابن تيمية في هذه المدة قد بسط لسان قلمه، ومدَّ [بجهله] عنان كلمه، وتحدث في مسائل الذات والصفات، ونصَّ في كلامه [ الفاسد] على أمور منكرات، وتكلم فيما سكت عنه الصحابة والتابعون، وفاه بما اجتنبه الأئمة الأعلام الصالحون، وأتى في ذلك بما أنكره أئمة الإسلام، وانعقد على خلافه إجماع العلماء والحكام، وشهر من فتاويه في البلاد ما استخف به عقول العوام، وخالف في ذلك فقهاء عصره، وعلماء شامه ومصره، وبعث برسانله إلى كل مكان، وسمى فتاويه بأسماء ما أنزل الله بها من سلطان.


ولما اتصل بنا ذلك وما سلكه المريدون له من هذه المسالك الخبيثة وأظهروه من هذه الأحوال وأشاعوه، وعلمنا أنه استخف قومه فأطاعوه، حتى قيل إنهم صرحوا في حق الله سبحانه بالحرف والصوت [والتشبيه] و التجسيم قمنا في الله تعالى مشفقين من هذا النبا العظيم، وأنكرنا هذه البدعة، وعز علينا أن تشيع عمّن تضمه ممالكنا هذه السمعة. وكرهنا ما فاه به المبطلون، وتلونا قوله تعالى: ﴿ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾ءاية 91 [سورة المؤمنون]، فإنه [سبحانه وتعالى] تنزه في ذاته وصفاته عن العديل والنظير: ﴿ لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾ ءاية 103 [سورة الأنعام]، فتقدمت مراسيمنا باستدعاء [ابن تيمية] المذكور إلى أبوابنا العالية عندما سارت فتاويه [الباطلة] في شامنا ومصرنا، وصرح فيها بألفاظ ما سمعها ذو لبّ إلا وتلا قوله تعالى: ﴿ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا ﴾ ءاية 74 [سورة الكهف].


ولما وصل إلينا تقدمنا إلى أولي العقد والحل، وذوي التحقيق والنقل، وحضر قضاة الإسلام، وحكام الأنام، وعلماء الدين، وفقهاء المسلمين، وعقد له مجلس شرعي في ملأ وجمع من الأئمة، [ومن له دراية في مجال النظر ودفع] فثبت عندهم جميع ما نسب إليه، [بقول من يعتمد وبعول عليه]، وبمقتضى خط قلمه الدال على منكر معتقده، وانفصل ذلك الجمع وهم لعقيدته الخبيثة منكرون، وءاخذوه بما شهد به قلمه تالين: ﴿ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ ﴾ ءاية 19 [سورة الزخرف]، ونقل إلينا انه كان استتيب مرارا فيما تقدم، وأخره الشرع الشريف لما تعرّض لذلك وأقدم، ثم عاد بعد منعه، ولم تدخل تلك النواهي في سمعه.


وصح ذلك في مجلس الحاكم العزيز المالكي حكم الشرع الشريف أن يسجن هذا المذكور وأن يمنع من التصرف والظهور، ويكتب مرسومنا هذا بأن لا يسلك أحد ما سلكه المذكور من هذه المسالك، وينهى عن [التشبيه في] اعتقاد مثل ذلك، أو يعود له في هذا القول متبعا، أو لهذه الألفاظ مستمعا، أو يسري في التشبيه مسراه، أو أن يفوه بجهة العلو بما فاه، أو أن يتحدث أحد بحرف أو صوت، أو يفوه بذلك إلى الموت، أو يتفوه بتجسيم، أو ينطق بلفظ في ذلك غير مستقيم، أو خرج عن رأي الأئمة، أو ينفرد به عن علماء الأمة، أو يُحَيَّز الله سبحانه وتعالى في جهة أو يتعرّض إلى حيث وكيف، فليس لمعتقد هذا إلا السيف.


فليقف كل واحد عند هذا الحد، ولله الأمر من قبل ومن بعد، وليلزم كل من الحنابلة بالرجوع عن هذه العقيدة، والخروج عن الشبهات الزائغة الشديدة، ولزوم ما أمر الله تعالى به من التمسك بمذاهب أهل الإيمان الحميدة، فانَّه من خرج عن أمر الله فقد ضلّ سواء السبيل، ومثل هذا ليس له إلا التنكيل، والسجن الطويل مستقره ومقيله وبئس المقيل.


[وقد رسمنا بأن ينادى في دمشق المحروسة والبلاد الشامية، وتلك الجهات الدانية و القاصية بالنهي الشديد والتخويف والتهديد لمن اتبع ابن تيمية في هذا الأمر الذي أوضحناه، ومن تابعه تركناه في مثل مكانه وأحللناه، ووضعناه من عيون الأمة كما وضعناه] ومن أصرَّ على الامتناع وأبى إلا الدفاع، أمرنا بإسقاطهم من [مدارسهم] ومناصبهم، ووضعهم من مراتبهم مع إهانتهم، وأن لا يكون لهم في بلادنا قضاء ولا حكم ولا ولاية ولا تدريس ولا شهادة ولا إمامة بل ولا مرتبة ولا إقامة، فإنَّا أزلنا دعوة هذا الرجل من البلاد، وأبطلنا هذه العقيدة التي أضل بها كثيرا من العباد أو كاد [بل كم أضل بها من خلق وعاثوا بها في الأرض الفساد، ولتثبت المحاضر الشرعية على الحنابلة بالرجوع عن ذلك وتسير المحاضر بعد إثباتها على قضاة المالكية]، وقد أعذرنا وحذرنا وأنصفنا حيث أنذرنا، وليقرأ مرسومنا هذا على المنابر، ليكون أبلغ واعظ وزاجر، وأعدل ناه وءامر إن شاء الله تعالى. والحمد لله وحده وصلواته على نبينا محمد وءاله وصحبه وسلم. والاعتماد على الخط الشريف أعلاه. وكتب ثامن عشري شهر رمضان سنة خمس و سبعمائة. ا هـ.


وهذه المراسيم الصادرة في حق ابن تيمية بعد محاكمته أمام جماعة من كبار العلماء في عصره مسجلة في كتب التواريخ مثل: عيون التواريخ، ونجم المهتدي، ودفع شُبَهِ من شَبّه وتمرد وغيرها.


وذكر الصفدي من مؤلفات ابن تيمية كثيرا منها: مؤاخذته لابن حزم في الإجماع، ومنها قاعدة في تفضيل الإمام أحمد والقادرية، وكتاب في بقاء الجنة والنار وفنائهما وقد ردّ عليه قاضي القضاة تقي الدين السبكي، وجواز طواف الحائض وكراهية التلفظ بالنية وتحريم الجهر بها، وقتل تارك أحد المباني وكفره، وتحريم السماع، وتحريم الشطرنج، وتحريم الحشيشة ووجوب الحدّ فيها ونجاستها، وكتاب الحلف بالطلاق من الإيمان حقيقة، وقاعدة في فضل معاوية وفي ابنه يزيد أنه لا يسب، وكشف حال المشايخ الأحمدية وأحوالهم الشيطانية، وشرح حديث النزول، وذكر الصفدي أن له تأليفا في جواز قتال الرافضة.


ثم قال الصفدي في ءاخر ترجمته24 : ((وعلى الجملة فكان الشيخ تقي الدين بن تيمية أحد الذين عاصرتهم ولم يكن في الزمان مثلهم بل ولا قبل مائة سنة وهم: الشيخ تقي الدين بن تيمية، والشيخ ابن دقيق العيد، وشيخنا العلامة تقي الدين السبكي)).


ابو حيان الاندلسي يذم ابن تيمية


وقال الصفدي: ((وممن مدحه بمصر أيضا شيخنا العلّامة أبو حيان لكنه انحرف عنه فيما بعد ومات وهو على انحرافه، ولذلك أسباب منها أنه قال له يوما: كذا قال سيبويه، فقال: يكذب سيبويه، فانحرف عنه، وقد كان أولا جاء إليه والمجلس عنده غاص بالناس فقال يمدحه ارتجالا:


لمّا أتينا تقي الدين لاح لنا داع إلـى الله فـردٌ مـا لـه وَََزَرُ


على مُحيَّاه من سيما الأولى صحبوا خير البريـة نـورٌ دونَه القمـرُ


حَبرٌ تَسَربَلَ منة دهرُهُ حـبرا بحر تقاذف من أمواجهِ الدّرر


قامَ ابن تيمية في نصرِ شِرعَتِنا مقامَ سيد تيم إذ عصت مضَرُ


فأظهر الحـق إذ ءاثاره درسبت وأخمد الشرّ إذ طارت له الشررُ


كنا نحدثُ عن حَبر يجيء فها أنتَ الإمام الذي قد كان ينتظرُ))


وأشار بقوله ((لأسباب)) ما ذكره المحدث الحافظ شارح القاموس أنه اطلع- أي أبو حيان- على كتاب لابن تيمية سماه كتاب العرش ذكر فيه أن الله يقعد النبي في الآخرة على الكرسي بجنبه وقال إنه صار يلعنه إلى أن مات، وهذا يؤيد وصف الذهبي له في بيان زغل العلم والطلب بالكبر وازدراء الأكابر وفرط الغرام في رئاسة المشيخة، ومعلوم أن الكبر من الكبائر يفسق فاعله.


وأبو حيان هو محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان الأندلسي ثم المصري، وصفه الحسيني25 بالشيخ الإمام العلامة المحدث البارع ترجمان العرب ولسان أهل الأدب، وقال الذهبي في ترجمته ما نصه26: "ومع براعته الكاملة في العربية له يد طولى في الفقه والآثار والقراءات، وله مصنفات في القراءات والنحو، وهو مفخر أهل مصر في وقتنا في العلم، تخرّج به عدة أئمة، مد الله في عمره وختم له بالحسنى وكفاه شرّ نفسه، وودّي لو أنه نظر في هذا الكتاب وأصلح فيه، وزاد فيه تراجم جماعة من الكبار فإنه إمام في هذا المعنى أيضا" اهـ.


---------------------------------------------


(1) انظر مقدمة الدرة المضية للإمام السبكي


(2) معنى هذا الكلام أنّ الله مركب من أجزاء ويحتاج إلي تلك الأجزاء والعياذ بالله.


(3)أنظر ذخائر القصر (ص/69), مخطوط.


(4) الفتاوى الحديثية (ص/116).


(5) الفتاوى الحديثية (ص/203)


(6) حاشية الإيضاح (ص/443).


(7) نجم المهتدي ورجم المعتدي (ص/630-631)، مخطوط.


فتاوى السبكي (2/210).(8)


(9) أنظر الكتاب (1/66) مخطوط.


(10) بيان زغل العلم والطلب (ص/17- 18).


(11) أنظر الإعلان بالتوبيخ للسخاوي (ص/77).


(12) الإعلان بالتوبيخ لمن ذمّ التاريخ (ص/78), وبيان زغل العلم والطلب (ص/23).


(13) الدُّرر الكامنة (1/151).


(14) الدُّرر الكامنة (1/144).


(15) الدٌّرر الكامنة (1/153).


(16) أنظر تتمة المختصر في أخبار البشر (تاريخ ابن الوردي) (2/381).


(17) المرجع السابق (2/398).


(18) أنظر أعيان العصر وأعوان النصر (1/ ق 34) مخطوط.


(19) فتاوى السبكي (2/210).


(20) أنظر الكتاب (ص/41 - 42).


(21) دفع شبه من شبه وتمرد (ص/43 – 45).


(22) أنظر عيون التواريخ (ص/179), مخطوط.


(23) ما كان بين العاقفتين فهو من نسخة أخرى.


(24) أعيان العصر وأعوان النصر (1/71).


(25) ذيل تذكرة الحفاظ (1/32).


(26) معرفة القرّاء الكبار (2/724).


السبت، 21 نوفمبر 2020

الرد على ال شيخ

الرد على عبد العزيز ءال الشيخ في موضوع الاحتفال بالمولد النبويّ
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على السراج المنير سيدنا وقرة اعيننا محمد النبيّ العربي الأمين أما بعد.

يقول الله تعالى في القرءان الكريم: {تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوًا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين}.

حبًّا بالآخرة وحبًّا بالنبي الأعظم وفرحًا وسرورًا وازدهاءً نحتفل بهذه الذكرى العظيمة الطيبة، فإنّ الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلّم سنّة للمسلمين وعادة درجوا عليها من قرون وقرون في بلاد الإسلام كلها يتوارثونها ولدًا عن والدٍ وخلفًا عن سلف، يهتمون بها ويهيئون لها ويجعلونها مناسبة يشكرون الله تعالى فيها بأنواع القربات والصدقات من تلاوة قرءان وذكر لله وتذكير بفضل خاتم الأنبياء والمرسلين، هي مناسبة يظهر فيها جمهور المسلمين شوكتهم وحقية اعتقادهم قمعًا لأهل البدع وإرغامًا للمجاهرين بالفسوق والعصيان، مناسبةٌ يقترب فيها المسلمون أكثر من تاريخهم وسيرة نبيهم تنبيهًا للغافل ودعوة للمعالي وحثًّا على الإنابة للمتلوث الخاطىء، هذه المناسبة العطرة التي أدخلت إلى قلوب المسلمين الفرح والسرور وذكرتهم بفضائل وشمائل حبيبهم محمد صلى الله عليه وسلم .

ومع ذلك طالعتنا جريدة الشرق الأوسط برأيٍ غريب وفتوى مستهجنة للشيخ عبد العزيز ءال الشيخ يحرّم فيها الاحتفال بذكرى المولد الشريف ويدّعي أنّ ذلك بدعة محرّمة، فرأينا أن لا نسكت لكلامه لما فيه من تحريف حكم الشرع وتحريم ما أحلّ الله، واتهامه جمهور الأمة وسوادها الأعظم بالشذوذ في العقيدة والخروج عن معتقد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد احتج هذا الرجل لتحريم فعل المولد بأنّ النبي صلى الله عليه وسلم لم ينص على هذا الأمر ولا فعله في حياته ولا فعله غيره في حياته فأقرّه، فلذلك هو بدعة محرمة على زعمه. قلنا: لو كان عدم فعل النبي صلى الله عليه وسلم لأمر وعدم نصه عليه أو إقراره له يوجب تحريمه لكانت طاعات وخيرات كثيرة فعلها الصحابة والتابعون وأتباع التابعين من بعدهم من العلماء محرمة، فإنّ النبي صلى الله عليه وسلّم لم يجمع الناس على إمام واحد لقيام رمضان وفعل ذلك سيدنا عمر بن الخطاب وقال: "نعمت البدعة هذه" وما زال عمل المسلمين جاريًا على هذا حتى اليوم. وأنّ النبي لم يأمر بأذانين يوم الجمعة قبل صلاة الجمعة بل كان يؤذن أذانًا واحدًا في زمانه وأول من زاد الأذان الثاني هو سيدنا عثمان فقبل منه كل الصحابة ذلك وما زال عملهم جاريًا على هذا إلى أيامنا وعبد الله بن عمر لم يبلغه ولم يسمع أنّ رسول الله كان يقول في التشهد في الصلاة "وحده لا شريك له" ومع ذلك صار عبد الله بن عمر يقوله في الصلاة ويقول: "وأنا زدتها" ا.هـ. رواه أبو داود.

فعلى مقتضى كلام الشيخ عبد العزيز يكون هؤلاء الصحابة الكبار وبقية الصحابة الذين وافقوهم وعلماء الحديث الذي دونوا ذلك في كتبهم وعلماء الفقه الذين ذكروا أفعالهم هذه في فتاويهم يكون هؤلاء كلهم مبتدعين ضالين لأنّهم فعلوا في الدين أمرًا لم يفعله الرسول صلى الله عليه وسلم ولا نص عليه ولا أقره.

ومن المعلوم أنّ شرع الله واحد للصحابة ولمن جاء بعدهم، ليس هناك شرع خاص للصحابة مختلف عن شرع من جاء بعدهم.

ثمّ إنّ الصحابة لم ينقطوا المصحف وقد نقطه بعض التابعين ولم ينشئوا المحاريب المجوفة في المساجد للدلالة على جهة القبلة وقد أنشأها بعض التابعين وقد عمّ هذان الأمران بعد ذلك بلاد المسلمين كلها بحيث لا يقرأ الناس اليوم إلا في مصحف منقوط ولا يقام في المساجد إلا محاريب مجوّفة فهل يجوز أن يقال إنّ التابعين والمسلمين من بعدهم كلهم على ضلال لأنّهم فعلوا ما لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نص عليه ولا أقره!

قطعًا لا يجوز ذلك. إنما كل أمر استُحدِث بعد النبي صلى الله عليه وسلم ينظر فيه الفقهاء المجتهدون فإن رأوه موافقًا لقواعد الدين ولما جاء في القرءان والسنة أجازوه وأخذوا به ومدحوا فاعله وإن رأوه منافيًا لقواعد الدّين ولما جاء في القرءان والسنة ردّوه ونبذوه.

وليس في أصل الاحتفال بالمولد إلا ذكر الله ورواية الحديث وإطعام الطعام وإظهار الفرح والبهجة وكل ذلك لا حرج فيه ولا محظور في شرع الله تعالى فكيف يجرؤ بعد هذا كله أحد على ادعاء أنّ الاحتفال بالمولد حرام.

والعجيب أنّ هذه الفئة أنفسهم الداعين إلى منع الاحتفال بالمولد، يحتلفون هم أنفسهم بذكرى تأسيس الدولة ويحتفلون بذكرى مولد رأس دعوتهم محمد بن عبد الوهاب ويقيمون فيها المحاضرات والندوات فيحرمون الاحتفال بذكرى مولد سيد الخلق ويحتفلون بذكرى من لا يجيء شيئًا بجانبه صلى الله عليه وسلم، أفليس هذا عجيبًا؟! ولكنه الهوى يعمي ويصمّ.

ثمّ زعم الشيخ عبد العزيز أنّ أول من بدأ الاحتفال بالمولد الشريف هم العبيديون الملقبون بالفاطميين.

ونقول في هذا إنّ الفاطميين ليسوا هم أول من فعل ذلك ولا اعتماد المسلمين في الشرق والغرب على قيام هؤلاء العبيديين بفعل الاحتفال وإنما أول من فعله هو الملك المظفر ملك إربل كما ذلر ذلك الحافظ السيوطي وغيره. وللحافظ السيوطي رسالة سماها " حسن المقصد في عمل المولد" قال فيها: "قد وقع السؤال عن عمل المولد النبوي في شهر ربيع الأول ما حكمه من حيث الشرع وهل هو محمود أم مذموم؟ فالجواب عندي أنّ أصل عمل المولد الذي هو اجتماع الناس وقراءة ما تيسر من القرءان ورواية الأخبار الواردة في مبدأ أمر النبي صلى الله عليه وسلم وما وقع في مولده من الآيات ثم يمد لهم سماط فيأكلونه وينصرفون من غير زيادة على ذلك من البدع الحسنة التي يثاب عليها صاحبها كما فيه من تعظيم قدر النبي صلى الله عليه وسلم وإظهار الفرح والاستبشار بمولده الشريف صلى الله عليه وسلم وقد ثبت في الصحيحين أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء فسألهم فقالوا هو يوم أغرق الله فيه فرعون ونجا موسى، فنحن نصومه شكرًا لله تعالى فقال صلى الله عليه وسلم: "نحن أولى بموسى منكم" فيستفاد منه فعل الشكر لله على ما مَنَّ به في يوم معين من إسداء نعمة أو دفع نقمة ويعاد ذلك في نظير ذلك اليوم من كل سنة.

والشكر لله يحصل بأنواع العبادة كالسجود والصيام والصدقة والتلاوة وأي نعمةٍ أعظمُ من بروز هذا النبي نبي الرحمة في ذلك اليوم وقد قال صلى الله عليه وسلم بعد أن سئل عن صوم يوم الاثنين "ذاك يوم ولدت فيه وأنزل علي فيه"

أخي القارىء إنّ الاحتفال بالمولد النبوي الشريف قد انعقد عليه الإجماعُ الفعلي حتى ابن تيمية وهو الأصل الذي يرجع إليه الوهابية في كل أصولهم ومبادئهم الشاذة لم يحرم الاحتفال بالمولد وقد قال في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم "فتعظيم المولد واتخاذه موسمًا قد يفعله بعض الناس ويكون له فيه أجرٌ عظيمٌ لحسن قصده وتعظيمه لرسول الله صلى الله عليه وءاله وسلم".

فمع من تكون هذه الفئة الشاذة الوهابية لا هي مع أهل السنة ولا هي مع زعيمها ابن تيمية فليرجعوا إلى أنفسهم باللوم وليرجعوا عن غيهم. والله نسأل أن يثبتنا على الحق مع أهل الحق إلى الممات.

اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما

الاثنين، 12 أكتوبر 2020

إثبات جواز التاويل


الحمد لله الواحدُ الأحدُ الفردُ الصمدُ الذي لم يتَّخِذ صاحبةً ولا ولدا، 
جلَّ ربي لا يُشبه شيئا ولا يشبِهُهُ شىءٌ ولا يَحُلّ في شىءٍ ولا ينحلُّ منه شىءٌ، 
جلَّ ربي تنـزَّه عنِ الأينِ والكيفِ والشكلِ والصورةِ والحدِّ والجهةِ والمكان، 
ليس كمثلِهِ شىءٌ وهو السميعُ البصير.


نسمع كثيرا من الوهابية يقولون ساق ليست كساقنا وملل ليس كمللنا ويد ليست كأيدينا ويقصد الجارحة فيقول للفيل يد وللقطة يد فهل يد الفيل كيد القطة والعياذ بالله من المشبهة المجسمة. وقد قال أحد المجسمة في عصرنا فسبحان رب العرش الذي جلس على العرش والعياذ بالله فنقول لهذا التافه تقول سبحان أي تنزه ثم تقول جلس!! فهذا يدل على غبائك وحمقك.

وللرد على هؤلاء المجسمة سوف نسرد بعض الأقوال التي تدل على أنه لا بد من التأويل كما اول بعض السلف الصالح او تفويض المعنى لله تعالى كما فعل السلف الصالح مع إعتقاد ان الله تعالى لا يشبه شيئا من خلقه وتنزيهه تعالى عن المكان. سنبدا أولا بإثبات جواز التاويل فنقول لهؤلاء المجسمة ماذا تقولون في قوله تعالى {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ} وقوله تعالى حكاية عن سيدنا عيسى {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} هنا لو قال الوهابية أن لله نفسا لجعلوا الله يموت والعياذ بالله ولا بد لهم من تأويلها. أما الآية الآية الكريمة {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} فقال المفسرون أي تعلم ما في غيبي ولا أعلم ما في غيبك وقيل المعنى تعلم ما لا أعلم ولا أعلم ما تعلم. وليس المعنى أن الله له نفس بمعنى الروح بل الله هو خالق الروح وخالق الجسد، الله ليس روحًا ولا جسدًا ولا هو روحٌ فقط ولا هو جسدٌ فقط ولا هو جسدٌ بلا روح.
ثم نقول لهم ماذا تقولون في قوله تعالى {نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ} وقوله تعالى {إِنَّا نَسِينَاكُمْ} فهل تدعون أنه نسيان لا كنسياننا والله تعالى يقول {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا} فهل تأولون أم ماذا يا وهابية؟؟؟؟؟ وجاء في صحيح مسلم عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى يقول "يا ابن آدم مرضت فلم تعدني، قال: يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين، قال: أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده، أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده ...". فهل يا مجسمة يجوز لنا أن نقول نثبت لله صفة المرض ولكن ليس كمرضنا ؟؟؟ وهل يجوز أن نعتقد أن العبد إذا مرض مرض الله تعالى أيضا وكان عند المريض على ظاهره وحقيقته ؟؟؟؟ تقدس ربي وتنزه، وأما هذا الحديث فمعناه كما قال الامام الحافظ النووي في شرح صحيح مسلم "قال العلماء إنما أضاف المرض إليه سبحانه وتعالى والمراد العبد، تشريفا للعبد وتقريبا له، قالوا: ومعنى وجدتني عنده أي وجدت ثوابي وكرامتي".
وعلى هذه القاعدة الواضحة للتأويل سار عليها الصحابة والتابعون وأتباعهم وأئمة الاجتهاد والحفاظ المحدثون وسوف ننقل لكم بعض تأويلاتهم حتى يزداد القلب طمأنينة وانشراحا فنقول ممن أول سيدنا ابن عباس رضي الله عنهما ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي دعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله "اللهم علّمه الكتاب" فقد نقلت عنه تأويلات كثيرة فيما يتعلق بمسألة الصفات بأسانيد صحيحة نذكر بعضها مع ذكر تأويلات بعض أئمة أهل السنة الأعلام.
1- أول ابن عباس قوله تعالى {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ} فقال "يكشف عن شدة" فأول الساق بالشدة. ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في فتح الباري (13 / 428) والحافظ ابن جرير الطبري في تفسيره (29 / 38) حيث قال في صدر كلامه على هذه الآية "قال جماعة من الصحابة والتابعين من أهل التأويل يبدو عن أمر شديد". ومنه يتضح أن التأويل كان عند  علماء الصحابة والتابعين وهم سلفنا الصالح.
2- أول ابن عباس رضي الله عنه أيضا قوله تعالى {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} قال "بقوة" كما في تفسير الحافظ ابن جرير الطبري (7 / 27).
3-أول ابن عباس النسيان الوارد في قوله تعالى {فَاليَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا} بالترك ، كما في تفسير الحافظ الطبري مجلد 5 / جزء 8 / ص 201. حيث قال ابن جرير "أي ففي هذا اليوم، وذلك يوم القيامة ننساهم، يقول نتركهم في العذاب".
4- أول ابن عباس رضي الله عنهما للكرسي بالعلم فقد جاء في تفسير الطبري (3 / 7) عند تفسيره لآية الكرسي ما نصّه "اختلف أهل التأويل في معنى الكرسي الذي أخبر الله تعالى ذكره في هذه الآية أنه وسع السموات والأرض
5- أول ابن عباس رضي الله عنهما للفظ المجيء فقد جاء في تفسير النسفي رحمه الله تعالى (4 / 378) عند قوله تعالى {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} ما نصّه "هذا تمثيل لظهور آيات اقتداره وتبيين آثار قهره وسلطانه، فإن واحداً من الملوك إذا حضر بنفسه ظهر بحضوره من آثار الهيبة ما لا يظهر بحضور عساكره وخواصّه، وعن ابن عباس: أمره وقضاؤه"
6- أول ابن عباس رضي الله عنهما للفظ الأعين في قوله تعالى {وَاصْنَعِ الفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا} قال رضي الله عنه "بمرأى منا" تفسير البغوي 2 / 322. وقال تعالى {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} قال رضي الله عنه "نرى ما يعمل بك" تفسير الخازن 4 / 190
7- أول ابن عباس رضي الله عنهما للفظ الأيد في قوله تعالى قال تعالى {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ} قال رضي الله عنه "بقوّة وقدرة" القرطبي17 / 52
8- أول ابن عباس رضي الله عنه لقوله تعالى {اللهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} فقد جاء في تفسير الطبري (18/135) ما نصّه "عن ابن عباس قوله {اللهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} يقول: الله سبحانه هادي أهل السموات والأرض"
9- أول ابن عباس رضي الله عنهما للفظ الوجه في قوله تعالى {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلَالِ وَالإِكْرَامِ} قال رضي الله عنه "الوجه عبارة عنه". وقال القرطبي في تفسيره" 17 / 165 أي ويبقى الله فالوجه عبارة عن وجوده وذاته سبحانه.. وهذا الذي ارتضاه المحققون من علمائنا ابن فورك وأبو المعالي وغيرهم.. وقال أبو المعالي: وأما الوجه المراد به عند معظم أئمتنا وجود الباريء تعالى.
10- أول ابن عباس رضي الله عنهما للفظ الجنب في قوله تعالى {أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ} قال رضي الله عنه "تركت من طاعة الله وأمرالله وثوابه" روح المعاني الآية 56 من الزمر
11- روى الحافظ البيهقي في كتابه مناقب الامام أحمد وهو كتاب مخطوط ومنه نقل ابن كثير في البداية والنهاية (10 / 327)فقال "روى البيهقي عن الحاكم عن أبي عمرو بن السماك عن حنبل أن أحمد بن حنبل تأول قول الله تعالى {وَجَاءَ رَبُّكَ} أنه : جاء ثوابه. ثم قال البيهقي : وهذا إسناد لا غبار عليه".
12- روى الخلال بسنده عن حنبل عن عمه الامام أحمد بن حنبل أنه سمعه يقول "احتجوا علي يوم المناظرة، فقالوا : تجئ يوم القيامة سورة البقرة . . . ." الحديث، قال : فقلت لهم "إنما هو الثواب". فتأمل في هذا التأويل الصريح.
13- ونقل الحافظ ابن الجوزي عن القاضي أبي يعلى عن الإمام أحمد في قوله تعالى {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الغَمَامِ} أنه قال "المراد به قدرته وأمره". قال "وقد بيّنه في قوله تعالى {أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ} ومثل هذا في القرآن {وَجَاءَ رَبُّكَ} قال: إنما هو قدرته". (دفع شبه التشبيه ص/ 141
14- تأويل الإمام مالك بن أنس رضي الله عنه لحديث النزول فقد سئل الإمام مالك رحمه الله عن نزول الرب عزّ وجلّ، فقال"ينزل أمره تعالى كل سَحَر، فأما هو عزّ وجلّ فإنه دائم لا يزول ولا ينتقل سبحانه لا إله إلى هو" اهـ التمهيد 7 / 143، سير أعلام النبلاء8 / 105 ، الرسالة الوافية لأبي عمرو الداني ص/136، شرح النووي على صحيح مسلم 6 / 37، الإنصاف لابن السيد البطليوسي ص / 82
15- تأويل الإمام الشافعي رضي الله عنه للفظ الوجه فقد حكى المزني عن الشافعي في قوله تعالى {فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ} قال "يعني والله أعلم فثم الوجه الذي وجّهكم الله إليه". الأسماء والصفات للبيهقي ص / 309
16- أوّل سفيان الثوري الاستواء على العرش، بقصد أمره، والاستواء إلى السماء، بالقصد إليها. مرقاة المفاتيح 2 / 137
17- تأويل سفيان الثوري وابن جرير الطبري للاستواء فقد قال الإمام الطبري (1 / 192) في تفسير قوله تعالى {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ} بعد أن ذكر معاني الاستواء في اللغة، ما نصّه "علا عليهن وارتفع، فدبرهن بقدرته....علا عليها علو ملك وسلطان، لا علو انتقال وزوال"
18- تأويل الضحاك وقتادة وسعيد بن جبير للفظ الساق فقد جاء في تفسير الطبري 29 / 38 – 39 عند قوله تعالى {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ} قال الضحاك "هو أمر شديد"، وقال قتادة "أمر فظيع وشدّة الأمر"، وقال سعيد "شدة الأمر". وقال الإمام الطبري قبل هذا بأسطر "قال جماعة من الصحابة والتابعين من أهل التأويل: يبدو عن أمر شديد" اهـ.
19- تأويل مجاهد والضحاك وأبي عبيدة للفظ الوجه في قوله تعالى {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ} قال مجاهد رحمه الله "قبلة الله". الطبري 1 / 402، الأسماء والصفات للبيهقي ص/309
20- وقال الضحاك وأبو عبيدة في قوله تعالى {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ} أي إلا هو. دفع شبه التشبيه ص / 113
21- تأويل الإمام الطبري للفظ العين فقد قال رحمه الله في تفسير 16 / 132 قوله تعالى {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} بمرأى مني ومحبة وإرادة.
22- تأويل الحسن البصري رضي الله عنه لقوله تعالى {وَجَاءَ رَبُّكَ} جاء أمره وقضاؤه. تفسير البغوي 4 / 454. ونقل الإمام القرطبي في تفسيره القرطبي 20 / 55 نحو هذا عن الحسن البصري، وقال هناك نقلاً عن بعض الأئمة ما نصّه "جعل مجيء الآيات مجيئاً له تفخيماً لشأن تلك الآيات، ومنه قوله تعالى في الحديث "يا ابن آدم مرضت فلم تعدني.. واستسقيتك فلم تسقني.. واستطعمتك فلم تطعمني ".. والله جلّ ثناؤه لا يوصف بالتحول من مكان إلى مكان، وأنّى له التحول والانتقال ولا مكان له ولا أوان، ولا يجري عليه وقت ولا زمان، لأن في جريان الوقت على الشيء فوْتَ الأوقات، ومن فاته شيء فهو عاجز" اهـ.
23- تأويل الإمام البخاري رضي الله عنه للضحك فقد قال الإمام البيهقي رحمه الله تعالى في كتاب الأسمـاء والصفـات ص / 470 باب ما جاء في الضحك.. "عن أبي هريرة أن رسول الله صلى عليه وسلم قال: " يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر كلاهما يدخل الجنة..." قال: قال البخاري معنى الضحك الرحمة. قال أبو سليمان – يعني الخطابي - قول أبي عبد الله قريب، وتأويله على معنى الرضى لفعلهما أقرب وأشبه، ومعلوم أن الضحك من ذوي التمييز يدلُّ على الرضى، والبشر والاستهلال منهم دليل قبول الوسيلة، ومقدّمة إنجاح الطَّلِبة، والكرام يوصفون عند المسألة بالبشر وحسن اللقاء، فيكون المعنى في قوله " يضحك الله إلى رجلين " أي يُجزل العطاء لهما لأنه موجَب الضحك ومقتضاه" اهـ. قال الحافظ ابن حجر فتح الباري 6 / 486 مؤكداً مؤيداً لما ذهب إليه أبو سليمان الخطابي والأعلام المنزهون العارفون بالله تعالى "قلت ويدلّ على أن المراد بالضحك الإقبال بالرضا تعديته بـ "إلى"، تقول: ضحك فلان إلى فلان. إذا توجّه إليه طلْق الوجه مظهراً للرضا به"
24- تأويل الإمام البخاري للفظ الوجه فقد قال الإمام البخاري رحمه الله في تفسير قوله تعالى {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ} إلا ملكه، ويقال: إلا ما أريد به وجـه الله. الصحيح كتاب التفسير سـورة القصص، فتح البـاري8 364 / 
وقد نقلُ إجماع الأمة على منهج التأويل حيث قال الحافظ أبو الحسن علي بن القطان الفاسي رحمه الله تعالى الإقناع في مسائل الإجماع 1 / 32 – 33 "وأجمعوا أنه تعالى يجيء يوم القيامة والملك صفاً صفاً لعرض الأمم وحسابها وعقابها وثوابها، فيغفر لمن يشاء من المؤمنين ويعذب منهم من يشاء، كما قال تعالى، وليس مجيئه بحركة ولا انتقال. وأجمعوا أنه تعالى يرضى عن الطائعين له، وأن رضاه عنهم إرادته نعيمهم. وأجمعوا أنه يحب التوابين ويسخط على الكافريـن ويغضب عليهم، وأن غضبه إرادته لعذابهم، وأنه لا يقوم لغضبه شيء" اهـ.
والله أعلم وأحكم

توضيح لبعضِ ما لا يجوزُ حملُه على ظاهرِه ممَّا ورد في القرءانِ والحديث

 

توضيح لبعضِ ما لا يجوزُ حملُه على ظاهرِه ممَّا ورد في القرءانِ والحديث

.

01)يستحيلُ على الله أنْ يكونَ مُتَحَيِّزًا في الأماكنِ والْجِهَاتِ ، ولو كانَ الله يسكنُ السَّمَاءَ كما يَزْعُمُ بعضُ النَّاسِ لكانَ الله يُزَاحِمُ الملائكةَ ، وهذا مُحَالٌ . فقد ثَبَتَ عن رسولِ الله ، صلَّى الله عليهِ وسلَّم ، أنه قال :" أَطَّتِ السَّمَاءُ وحُقَّ لَهَا أنْ تَئِطَّ ، ما فيها مَوْضِعُ أربعِ أصابعَ إلا ومَلَكٌ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ ساجدًا لله " .. رواه التِّرْمِذِيُّ في[(سننه)/كتاب الزُّهْدِ عن رسول الله].. وفيهِ دليلٌ على أنه يستحيلُ على الله أنْ يكونَ ساكنَ السَّماء وإلَّا لكانَ مساويًا للملائكةِ مُزاحِمًا لهم ..

.

وكذلكَ حديث :" ألا تَأْمَنُونِي وأنا أمينُ مَنْ في السَّمَاءِ يأتيني خبرُ السَّمَاءِ صباحًا ومساءً " ، فالمقصودُ بهِ الملائكةُ أيضًا .. وإنْ أُرِيدَ بهِ اللهُ فمعناهُ الذي هو رفيعُ القَدْرِ جدًّا .. والحديثُ ثابتٌ صحيحٌ رواه مسلمٌ في[(صحيحهِ)/كتاب الزَّكاة/باب ذِكْرِ الخوارجِ وصفاتهِم]..

قولُه :" وأنا أمينُ مَنْ في السَّماء " أيْ مُؤْتَمَنٌ مُصَدَّقٌ عند الملائكةِ يعتقدونَ أنَّ مُحَمَّدًا أمينٌ صادقٌ في إبلاغِ الوحي ..

.

وأمَّا الحديثُ الذي رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وهو :" الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمٰنُ ارحموا مَنْ في الأرضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ في السَّماء " ، وفي روايةٍ عند أحمدَ وغيرِه :" يَرْحَمْكُمْ أهلُ السَّماء " ، فهذه الرِّوايَةُ الثَّانِيَةُ تُفَسِّرُ الرِّوايَةَ الأولى لأنَّ خيرَ ما يُفَسَّرُ بهِ الحديثُ الواردُ بالواردِ كما قال الحافظُ العراقيُّ في (ألفيَّته) :" وخيرُ ما فَسَّرْتَهُ بالوارد " .. ثمَّ المرادُ بأهلِ السَّماء الملائكةُ ، وليس المرادُ اللهَ تعالى لأنه لا يقالُ لله تعالى أهلُ السَّماء . ذَكَرَ ذلكَ الحافظُ العراقيُّ في (أماليه) عَقِيبَ هذا الحديث .. و " مَنْ " تَصْلُحُ للمفردِ وللجمعِ .. ويقالُ مِثْلُ ذلكَ في قول الله تعالى في سورةِ الْمُلْكِ (( أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ في السَّماء أن يرسلَ عليكم حاصبًا )) .. فـ (( مَنْ )) في هذه الآيةِ أيضًا أهلُ السَّماء ، فإنَّ الله يُسَلِّطُ على الكُفَّارِ الملائكةَ إذا أرادَ أنْ يُحِلَّ عليهم عقوبتَه في الدنيا كما حَصَلَ لقومِ لوطٍ وغيرِهم .

.
وأمَّا حديثُ زينبَ بنتِ جَحْشٍ زَوْجِ النبيِّ ، صلَّى الله عليهِ وسلَّم ، أنها كانتْ تقولُ لنساء الرَّسول :" زَوَّجَكُنَّ أَهَالِيكُنَّ وزوَّجني الله تعالى من فَوْقِ سبعِ سماوات " فمعناهُ أنَّ تَزَوُّجَ النبيِّ بها مُسَجَّلٌ في اللَّوْحِ المحفوظِ . وهذه كتابةٌ خَاصَّةٌ بزينبَ وليستِ الكتابةَ العَامَّةَ . الكتابةُ العَامَّةُ تكونُ لكلِّ شخصٍ ، فكلُّ زِوَاجٍ يَحْصُلُ إلى نهايةِ الدُّنيا مُسَجَّلٌ .. واللَّوْحُ فَوْقَ السَّماواتِ السَّبْعِ .. والحديثُ صحيحٌ رواه البُخَارِيُّ والتِّرْمِذِيُّ ، وهذا لفظُ البُخَارِيِّ .. وفي الحديثِ بيانُ أنَّ زينبَ تَزَوَّجَهَا النبيُّ بالوحيِ من غيرِ وليٍّ وشاهدَين .. أنظر[(الشَّرح القويم)/ط6/ص130]لمولانا الشَّيْخِ عبدِ الله الْهَرَرِيِّ ..

.

وأمَّا الحديثُ الذي فيهِ :" والذي نفسي بيدِه ما مِنْ رَجُلٍ يدعو امرأتَه إلى فِرَاشِهَا فتأبى عليهِ إلا كانَ الذي في السَّماء ساخطًا عليها حتَّى يرضَى عنها " فيُحْمَلُ أيضًا على الملائكةِ بدليلِ الرِّوايَةِ الثَّانِيَةِ الصَّحِيحَةِ والتي هي أشهرُ من هذه وهي :" لَعَنَتْهَا الملائكةُ حتَّى تُصْبِحَ " ..

الرِّوايَةُ الأُولى وَرَدَتْ عند مسلمٍ وغيرِه واللَّفْظُ المذكورُ لمسلم .. والرِّوايَةُ الثَّانِيَةُ رواها البُخَارِيُّ ومسلم .. ويُفْهَمُ من الحديثِ أنَّ المرأةَ إذا لم يَكُنْ لها عُذْرٌ شرعيٌّ كحَيْضٍ أو نِفَاسٍ أو مَرَضٍ تَتَضَرَّرُ مَعَهُ مِنَ الجِمَاعِ فلا يجوزُ لها أنْ تمنعَ زوجَها من أنْ يجامعَها إذا أرادَ ذلكَ فإنْ أَسْخَطَهُ صَدُّها صارتْ فاسقةً ملعونةً مسخوطًا عليها من الملائكة ..

.

وأمَّا حديثُ أبي الدَّرْدَاءِ أنَّ النبيَّ ، صلَّى الله عليهِ وسلَّم ، قال :" رَبَّنَا اللهُ الذي في السَّماء تَقَدَّسَ اسمُك " فلم يَصِحَّ ، بل هو ضعيفٌ كما حَكَمَ عليهِ الحافظُ ابنُ الْجَوْزِيِّ . ولو صَحَّ لكانَ معناهُ الذي هو رفيعُ القَدْرِ جِدًّا .. وهذا الحديثُ رواهُ أبو داودَ في[(سننهِ)/كتاب الطِّبِّ]بهذا اللَّفْظِ ، ولفظُ الإمامِ أحمدَ في (مسندِه) :" رَبَّنَا اللهُ الذي في السَّماواتِ تَقَدَّسَ اسمُك " ..

.

وأمَّا حديثُ جُبَيْرِ بنِ مُطْعِمٍ عن النبيِّ صلَّى الله عليهِ وسلَّم :" إنَّ اللهَ فوقَ عرشهِ وعرشُه فوقَ سماواتهِ " فقد رواهُ أبو داودَ في[(سننه)/كتاب السُّـنَّة/باب في الْجَهْمِيَّة]، ولم يُدْخِلْهُ البُخَارِيُّ في (الصَّحيح) فلا حُجَّةَ فيه ، وفي إسنادِه مَنْ هو ضعيفٌ لا يُحْتَجُّ بهِ ، ذَكَرَهُ ابنُ الْجَوْزِيِّ وغيرُه ..

وكذلكَ ما رواهُ في كتابهِ (خَلْقُ أفعالِ العِبَاد) عن ابنِ عبَّاسٍ أنه قال :" لَمَّا كَلَّمَ اللهُ موسَى كانَ نداؤُه في السَّماء وكانَ الله في السَّماء " ، فهو غيرُ ثابتٍ فلا يُحْتَجُّ بهِ(1) ..

----------

(1)البُخَارِيُّ لم يَلْتَزِمْ أنْ لا يَذْكُرَ إلَّا الصَّحِيحَ في هذا الكتاب . لذلكَ لا يُكْتَفَى لتصحيحِ الحديثِ وُجُودُه فيه من دونِ تصحيحه ..

--------------

وأمَّا القَوْلُ المنسوبُ إلى مالكٍ وهو :" الله في السَّماء وعِلْمُهُ في كُلِّ مكانٍ لا يخلو منهُ شيء " فهو غيرُ ثابتٍ أيضًا عن مالكٍ غيرُ مُسْنَدٍ عنهُ . وأبو داودَ لم يُسْنِدْهُ إليهِ بالإسنادِ الصَّحِيحِ بل ذَكَرَهُ في كتابهِ (الْمَرَاسِيل) . ومُجَرَّدُ الرِّوايَةِ لا يَكُونُ إثباتًا ..

أنظر[(الشَّرح القويم)/ط6/ص131]لمولانا الشَّيْخِ عبدِ الله الْهَرَرِيِّ ..

 
 

وأمَّا قولُ الله تعالى في سورة فاطِر (( إليهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ )) فقد قال النَّسَفِيُّ في (تفسيرِه) :" ومعنى قولهِ (( إليهِ )) إلى محلِّ القَبُولِ والرِّضَا ، وكُلُّ ما اتَّصَفَ بالقَبُولِ وُصِفَ بالرِّفْعَةِ والصُّعود "ا.هـ.

وكذلكَ قولُ الله تعالى في سورة النِّساء (( بل رَفَعَهُ الله إليه )) فقد قال النَّسَفِيُّ في (تفسيرِه) :" معناهُ رَفَعَ عيسى إلى حيثُ لا حُكْمَ فيهِ لغيرِ الله ، أو إلى السَّماء " ..

-----------------------------------------------

02)قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم :" يَنْزِلُ ربُّنا ، تباركَ وتعالى ، كُلَّ ليلةٍ إلى السَّماء الدُّنيا حينَ يبقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرِ فيقولُ مَنْ يدعوني فأستجيبَ له مَنْ يسألُني فأعطيَه مَنْ يستغفرُني فأغفرَ له " .. رواه البُخَارِيُّ في[(صحيحه)/كتاب الجُمُعَة].. 

ورَوَاهُ الإمامُ مسلم في[(صحيحه)/كتاب صلاة المسافرينَ وقَصْرِها]بلفظ :" إذا مضَى شَطْرُ اللَّيْلِ أو ثلثاهُ يَنْزِلُ الله ، تباركَ وتعالى ، إلى السَّماء الدُّنيا فيقولُ هل من سائلٍ يُعْطَى هل من داعٍ يُسْتَجَابُ له هل من مستغفرٍ يُغْفَرُ له حتَّى ينفجرَ الصُّبْحُ " ..

ورَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ في[(سننه)/كتاب الدَّعَواتِ عن رسولِ الله]وصحَّحه بلفظ :" يَنْزِلُ ربُّنا كُلَّ ليلةٍ إلى السَّماء الدُّنيا حينَ يبقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرِ فيقولُ مَنْ يدعوني فأستجيبَ له ومَنْ يسألُني فأعطيَه ومَنْ يستغفرُني فأغفرَ له " ..

أهلُ الحَقِّ يقولون :" المضافُ محذوف ، والتقديرُ : يَنْزِلُ مَلَكُ ربِّنا بأمرٍ من الله ، ولا يَتَّصِفُ اللهُ بالحركةِ والسُّكون " ..

وممَّا استدلُّوا بهِ على تأويلِهم ما رواه النَّسَائِيُّ في (عَمَلِ اليومِ واللَّيلة) بإسنادٍ صحيحٍ عن رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم ، فقد رَوَى عنه أنه قال :" إنَّ الله يُمْهِلُ حَتَّى إذا مَضَى شَطْرُ اللَّيْلِ الأَوَّلِ يأمرُ مناديًا فينادي .. " إلى ءاخرِ الحديث ..

إنَّ روايةَ النَّسَائِيِّ فَسَّرَتْ معنى النُّزول .. فيكونُ معنى النُّزول أنَّ الْمَلَكَ يَنْزِلُ بأمرِ الله . قالَ الإمامُ مالك :" معناه تَنْزِلُ رحمتُه وأمرُه وملائكتُه كما يقالُ فَعَلَ السُّلْطَانُ كَذَا إذا فَعَلَهُ أتباعُه " .. أنظر[(شرح صحيح مسلم)/ج6/ص279]للنَّوَوِيِّ ..

------------------------------------------------

03)رَوَى البُخَارِيُّ أَنَّ النبيَّ ، صلَّى الله عليه وسلَّم ، قال :" إذا كانَ أَحَدُكُمْ في صلاتهِ فإنه يناجي رَبَّهُ فلا يَبْصُقَنَّ في قِبْلَتهِ ولا عن يمينهِ فإنَّ رَبَّهُ بينَه وبينَ قِبْلَتهِ " . وهذا الحديثُ أقوى إسنادًا من حديثِ الجاريةِ السَّوداء الْمُشَارِ إليه سابقًا .. مُنَاجَاةُ الله معناه الإقبالُ على الله بدعائهِ وتمجيدِه .. والمعنى أنَّ الْمُصَلِّيَ تجَرَّدَ لمخاطبةِ رَبِّه ، إنقطعَ عَنْ مخاطبةِ النَّاسِ لمخاطبةِ الله . فليسَ من الأَدَب مَعَ الله أَنْ يَبْصُقَ أمامَ وَجْههِ . وليسَ معناه أَنَّ الله هو بذاتهِ تلقاءَ وَجْههِ . وأَمَّا قولُه ، عليه الصَّلاة والسَّلام :" فإنَّ رَبَّهُ بينَه وبينَ قِبْلَتهِ " فمعناه أَنَّ رَحْمَةَ الله أمامَه . هي الرَّحْمَةُ الخَاصُّةُ التي تنزِل على الْمُصَلِّين . حُذِفَ المضافُ وبقيَ المضافُ إليه .. أنظر[(الشَّرح القويم)/ط6/ص125/ص126].. ..

------------------------------------------------

04)أخرج البُخَارِيُّ عن أبي موسى الأشعريِّ قال كُنَّا مَعَ رَسُولِ الله ، صلَّى الله عليهِ وسلَّم ، فَكُنَّا إذا أَشْرَفْنَا على وادٍ هَلَّلْنَا وكَبَّرْنا وارْتَفَعَتْ أصواتُنا فقال النبيُّ :" يا أيُّها النَّاسُ ارْبَعُوا على أَنْفُسِكُمْ ـ أيْ هَوِّنوا على أنفسكم ـ فإنَّكُمْ لا تَدْعُونَ أَصَمَّ ولا غائبًا إنهُ مَعَكُمْ إنهُ سميعٌ قريبٌ تباركَ اسمُه وتعالى جَدُّه " .. هذه روايةُ البخاريِّ في[(صحيحهِ)/كتاب الجِهَادِ والسِّيَر/باب ما يُكْرَهُ من رَفْعِ الصَّوْتِ في التكبير].
وروايةُ مسلمٍ في (الصَّحيح) :" والذي تَدْعُونَهُ أَقْرَبُ إلى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَةِ أَحَدِكُمْ " .. أنظر[(صحيح مسلم)/كتاب الذِّكْرِ والدُّعاء والتوبة والاستغفار/باب استحباب خَفْضِ الصَّوْتِ بالذِّكْرِ]..

هذا الحديثُ يستفادُ منهُ فوائدُ ، منها أنَّ الاجتماعَ على ذِكْرِ الله كانَ في زَمَنِ الصَّحابة ، فقد كانوا في سَفَرٍ فوصلوا إلى وادي خيبرَ فصاروا يُهَلِّلُونَ ويُكَبِّرُونَ بصوتٍ مرتفعٍ فقال رسولُ الله ، صلَّى الله عليهِ وسلَّم ، شَفَقَةً عليهم :" يا أيُّها النَّاسُ ارْبَعُوا على أَنْفُسِكُمْ " ، أيْ هَوِّنوا على أنفسِكم ولا تُجْهِدُوها برفعِ الصَّوْتِ كثيرًا ، " فإنَّكُمْ لا تَدْعُونَ أَصَمَّ ولا غائبًا " ، أيْ اللهُ تعالى يسمعُ بسَمْعهِ الأَزَلِيِّ جميعَ المسموعاتِ قَوِيَّةً كانتْ أو ضعيفةً في أيِّ مكانٍ كانتْ وهو ليس غائبًا أيْ لا يَخْفَى عليهِ شيءٌ .. وأمَّا قولُه :" والذي تَدْعُونَهُ أَقْرَبُ إلى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَةِ أَحَدِكُمْ " فليسَ معناهُ القُرْبَ بالمسافةِ لأنَّ ذلكَ مستحيلٌ على الله ، فالعَرْشُ الذي هو سقفُ الْجَنَّةِ والفَرْشُ الذي هو أسفلُ العَالَمِ بالنسبةِ إلى ذاتِ الله على حَدٍّ سواء ليسَ أَحَدُهُمَا أقربَ من الآخَرِ إلى الله بالمسافةِ وإنما معناهُ أنَّ الله أعلمُ بالعَبْدِ من نَفْسهِ وأنَّ الله مُطَّلِعٌ على أحوالِ عبادِه لا يَخْفَى عليهِ شيءٌ .

------------------------------------------------

05)ورُوِيَ عن النبيِّ ، صلَّى الله عليهِ وسلَّم ، أنه قال :" والذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيَدِهِ لو أَنَّكُمْ دَلَّيْتُمْ رَجُلا بحَبْلٍ إلى الأرضِ السُّفْلَى لَهَبَطَ على الله " ..

رواهُ التِّرْمِذِيُّ في[(سننه)/كتاب تفسيرِ القرءانِ عن رسولِ الله/باب ومِنْ سورة الحديد]..

هذا الحديثُ ضعيفٌ .. لكنْ تَأَوَّلَهُ علماءُ الحديثِ على أنَّ عِلْمَ الله شاملٌ لجميعِ الأقطارِ وأنهُ مُنَزَّهٌ عنِ المكانِ . فالشَّاهِدُ هو في استدلالِ العلماء بهِ على نَفْيِ المكانِ عن الله .

قال الحافظُ ابنُ حَجَرٍ العسقلانيُّ :" معناهُ أنَّ عِلْمَ الله يَشْمُلُ جميعَ الأقطارِ . فالتقديرُ : لَهَبَطَ على عِلْمِ الله ، والله سبحانَه وتعالى تَنَزَّهَ عنِ الحلولِ في الأماكنِ . فالله سبحانَه وتعالى كانَ قبلَ أنْ تَحْدُثَ الأماكنُ " .. نَقَلَهُ عنهُ تلميذُه الحافظُ السَّخَاوِيُّ في كتابهِ[(المقاصدُ الحَسَنَة)/رقم 86/ص342]..

وذَكَرَهُ أيضًا المحدِّث المؤرِّخ مُحَمَّدُ بنُ طولون الحنفيُّ وأقرَّه عليه .. أنظرِ[(الشَّذْرَة في الأحاديثِ المشتهِرَة)/ج2/ص72]لابنِ طولون//دار الكتب العلميَّة//بيروت//

وقال الحافظُ المحدِّث أبو بكرٍ الْبَيْهَقِيُّ الشَّافِعِيُّ الأشعريُّ بعد أنْ ذَكَرَ هذه الرِّوايَةَ ما نصُّه :" والذي رُوِيَ في ءاخِرِ هذا الحديثِ إشارةٌ إلى نَفْيِ المكانِ عنِ الله تعالى ، وأنَّ العبدَ أينما كانَ فهُوَ في القُرْبِ والبُعْدِ من الله سواء ، وأنه الظَّاهِرُ ـ يعني الله ـ فيَصِحُّ إدراكُه بالأدلَّة ، وأنه البَاطِنُ فلا يَصِحُّ إدراكُه بالكَوْنِ في مكان "ا.هـ.. أنظرِ[(الأسماء والصِّفات)/باب ما جاء في العرشِ والكُرْسِيِّ/ص400]للحافظِ الْبَيْهَقِيِّ//دار إحياء التراث العربي//بيروت//..

وكذلكَ استدلَّ بهِ أبو بكرِ بنُ العربيِّ المالكيُّ في شرحهِ على (سننِ التِّرْمِذِيِّ) على أنَّ الله مَوْجُودٌ بلا مكان . فقال ما نصُّه :" والمقصودُ مِنَ الخَبَرِ أنَّ نسبةَ البارئ مِنَ الْجِهَاتِ إلى فوق كنسبتهِ إلى تحت ، إذْ لا يُنْسَبُ إلى الكَوْنِ في واحدةٍ منهما بذاتهِ "ا.هـ.. أنظر[(عارضة الأحوذي بشرحِ صحيح التِّرْمِذِي)/كتاب التفسير/سورة الحديد/ج12/ص184]لابنِ العربيِّ//دار الفِكْر//بيروت//

أيْ أنَّ الله مُنَزَّهٌ عنِ الجهةِ فلا يسكنُ فوقَ العرشِ كما تقولُ المجسِّمة ولا يسكنُ الْجِهَةَ السُّفْلَى من العالمِ لأنَّ الله تعالى كانَ قبلَ الْجِهَاتِ السِّتِّ . ومَنِ استحالَ عليهِ الْجِهَةُ استحالَ عليهِ المكانُ . فالله تعالى لا يَحُلُّ في شيءٍ ولا يشبهُ شيئًا ، سبحانَه وتعالى عمَّا يقولُ الظَّالِمُونَ عُلُوًّا كبيرًا ..

--------------------------------------------

06)عن أبي هُرَيْرَةَ قال قال رسولُ الله صلَّى الله عليهِ وسلَّم إنَّ الله عَزَّ وجَلَّ يقولُ يومَ القيامةِ يا ابنَ ءادَمَ مَرِضْتُ فلمْ تَعُدْنِي قال يارَبِّ كيفَ أَعُودُكَ وأنتَ رَبُّ العَالَمِينَ قال أمَا عَلِمْتَ أنَّ عبدِي فلانًا مَرِضَ فلم تَعُدْهُ أمَا عَلِمْتَ أنَّكَ لو عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عندَه يا ابنَ ءادَمَ استطعمتُك فلم تُطْعِمْنِي قال يا رَبِّ وكيفَ أُطْعِمُكَ وأنتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ قال أَمَا عَلِمْتَ أنه اسْتَطْعَمَكَ عبدِي فلانٌ فلم تُطْعِمْهُ أمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لو أَطْعَمْتَهُ لوَجَدْتَ ذلكَ عندِي يا ابنَ ءادَمَ اسْتَسْقَيْتُكَ فلم تَسْقِنِي قال يا رَبِّ كيفَ أَسْقِيكَ وأنتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ قال استسقاكَ عبدِي فلانٌ فلم تَسْقهِ أَمَا إنَّكَ لو سَقَيْتَهُ وجدتَ ذلكَ عندِي ..

هذا حديثٌ قُدْسِيٌّ صحيحٌ رواه الإمامُ مسلم في[(صحيحه)/كتاب البِرِّ والصِّلة والآداب/باب فضلِ عيادةِ المريض]..

وقولُ الله تعالى :" مَرِضْتُ " معناه : مَرِضَ عبدي ، أي على تقدير مُضاف ، وهذا كما في قولهِ تعالى في سورة الفَجْرِ (( وجاء رَبُّكَ )) .. هذا يقالُ له عندَ علماء البيان مَجَازُ الحَذْفِ ، ومعناه جاءتْ قُدْرَتُهُ ايْ ءاثارُ القُدْرَةِ العظيمةِ التي تَظْهَرُ ذلكَ اليومَ .

و " استطعمتُك " معناه اسْتَطْعَمَكَ عبدي ، أي طَلَبَ عبدي منك أنْ تُطْعِمَهُ ..

كذلكَ وَرَدَ في الحديث القدسيِّ :" فإذا أحببتُه كنتُ سمعَه الذي يسمعُ به وبصرَه الذي يُبْصِرُ به ويدَه التي يَبْطِشُ بها ورجلَه التي يمشي بها " . معناه كنتُ حافظَ رِجْلهِ .. المضافُ هنا مُقَدَّر .. والحديثُ رواه البُخَارِيُّ في[(صحيحه)/كتاب الرِّقاق]..

بعضُ غُلاةِ المتصوِّفة افْتَرَوْا حديثًا مَوْضُوعًا أرادوا أنْ يجعلوه من هذا القبيلِ فقالوا :" يقولُ الله تعالى فإذا أحببتُه كُنْـتُهُ " .. وهذا من كلام الْمَلاحِدَةِ الذينَ ينتسبونَ إلى التصوُّف . هذا لا يُؤَوَّلُ بلْ يُحْكَمُ بكُفْرِ قائلهِ ..

------------------------------------------------

07)عن أبي هُرَيْرَةَ قال قال رسولُ الله صلَّى الله عليهِ وسلَّم قال الله عَزَّ وجَلَّ يُؤْذِينِي ابنُ ءادَمَ يقولُ يا خَيْبَةَ الدَّهْرِ فلا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ يا خَيْبَةَ الدَّهْرِ فإنِّي أنا الدَّهْرُ أُقَلِّبُ ليلَهُ ونهارَه فإذا شئتُ قَبَضْتُهُمَا " .. رواه الإمامُ مسلمٌ في[(صحيحهِ)/كتاب الألفاظ من الأدب وغيرها/باب النهي عن سَبِّ الدَّهْر]..

وقولُه تعالى في هذا الحديثِ القُدْسِيِّ " أنا الدَّهْرُ " معناهُ أنا خالقُ الدَّهْرِ ، ليسَ معناهُ أنَّ الله هو الدَّهْرُ نَفْسُهُ أي الزَّمَنُ لأنَّ الدَّهْرَ مُؤَلَّفٌ من أيَّامٍ وليالٍ وأَزْمِنَةٍ تتعاقبُ والله خالقُ الزَّمانِ وهو مَوْجُودٌ قبلَ الزَّمانِ مُنَزَّهٌ عنه لا يجري عليهِ وَقْتٌ ولا يَحُدُّهُ مكانٌ أو جِهَةٌ ..

وقولُه تعالى في الحديثِ القُدْسِيِّ :" فلا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ يا خَيْبَةَ الدَّهْرِ " فهو نهيٌ لأولئكَ الذينَ كانوا يقولونَ هذا الكلامَ من مشركي العَرَبِ يعتقدونَ أنَّ الدَّهْرَ هو الْمُتَصَرِّفُ في العَالَمِ الْمُدَبِّرُ للمخلوقات ..

------------------------------------------------

08)جاء رَجُلٌ إلى رسولِ الله ، صلَّى الله عليه وسلَّم ، وقد كانَ الرَّسُولُ يشكو من أَلَمٍ في ظهره ، فقال له :" أَرِني هذه التي بظَهْرِكَ فإني رَجُلٌ طبيب " .

فقال له رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم :" الله الطَّبيب . بل أنتَ رَجُلٌ رَفيقٌ . طبيبُها الذي خَلَقَهَا " .

رواه أبو داوُدَ في[(سننه)/كتاب التَّرَجُّل/باب في الخِضَاب]، والإمامُ أحمدُ في[(مسندِه)/مسند الشَّامِيِّين]..

معناهُ أنتَ تَرْفُقُ بالمريضِ وتَتَلَطَّفُهُ والله يُبْرِئُهُ ويُعافيه .. ولا يُؤْخَذُ من الحديثِ جوازُ تسميةِ الله بالـ[[الطَّبيب]]، وإنما هذا من باب الوصفِ أيْ وَصْفِ الله بأنهُ خالقُ الشِّفاء ..

-----------------------------------------------

09)عن أبي هريرةَ قال قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم إنَّ الله قال مَنْ عادَى لي وليًّا فقد ءاذنتُه بالحرب وما تقرَّب إليَّ عبدِي بشيءٍ أحبَّ إليَّ ممَّا افترضتُ عليهِ وما يزالُ عبدِي يتقرَّب إليَّ بالنوافلِ حتَّى أحبَّه فإذا أحببتُه كنتُ سمعَه الذي يسمعُ بهِ وبَصَرَهُ الذي يُبْصِرُ بهِ ويدَه التي يَبْطِشُ بها ورِجْلَهُ التي يمشي بها وإنْ سألني لأُعْطِيَنَّهُ ولَئِنِ استعاذَني لأُعِيذَنَّهُ ومَا تَرَدَّدْتُ عن شيءٍ أنا فاعلُه تَرَدُّدِي عن نفسِ المؤمنِ يَكْرَهُ الموتَ وأنا أكرهُ مَسَاءَتَهُ .. والحديثُ رواهُ البخاريُّ في[(صحيحه)/كتاب الرِّقاق]..

وعن أبي هريرةَ قال قال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يقولُ الله تعالى أنا عند ظَنِّ عبدِي بي وأنا مَعَهُ إذا ذَكَرَنِي فإنْ ذَكَرَنِي في نفسهِ ذَكَرْتُهُ في نفسي وإنْ ذَكَرَنِي في مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ في مَلإٍ خيرٍ منهم وإنْ تَقَرَّبَ إليَّ شبرًا تَقَرَّبْتُ إليه ذِرَاعًا وإنْ تَقَرَّبَ إليَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إليهِ باعًا وإنْ أتاني يمشي أتيتُه هَرْوَلَةً .. . والحديثُ صحيحٌ متَّفق عليه رواه البُخَارِيُّ ومسلم .. ولا بُدَّ من إخراجهِ عن ظاهرِه تحاشيًا من الوقوعِ في التشبيهِ والتجسيم .

------------------------------------

10)قولُه تعالى في سورة البَقَرَةِ (( هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أنْ يَأْتِيَهُمُ الله في ظُلَلٍ من الغَمَامِ )) فَسَّرَهُ الزَّجَّاجُ بإتيانِ اللهِ لَهُمْ بما وَعَدَهُمْ من العذاب والحِساب . وذلك في كتابه (تفسير القرءان) . وهو كتابٌ مخطوطٌ في مكتبة كوبريلي في إستانبول .. كما ذكر الزَّجَّاجُ نَفْسُهُ في كتابه (تفسير القرءان) تأويلَ أهلِ اللُّغَةِ لقول الله تعالى في سورة الحَشْرِ (( فأتاهمُ الله مِنْ حيثُ لم ‎‎يحتسبوا )) بخذلانهِ سبحانَه وتعالى إيَّاهم .

والظُّلَّةُ ، بالضَّمِّ ، أَوَّلُ سحابة تُظِلُّ ، وما أَظَلَّكَ من شَجَر . وقولُه تعالى في سورة الشُّعراء (( فأَخَذَهُمْ عذابُ يومِ الظُّلَّةِ )) معناه سَلَّطَ عليهم سحابةً أَمْطَرَتْهُمْ نارًا .. والظُّلَّةُ أيضًا شيءٌ كالصُّفَّةِ يُسْتَتَرُ بهِ من الحَرِّ والبرد .. وجمعُ الظُّلَّةِ ظُلَل .. وجمع الظِّلِّ ظِلالٌ وأَظِلَّةٌ وظُلولٌ وأظلالٌ ..

-------------------------------------------

11)قلبُ العبدِ ليسَ للعبدِ سلطانٌ عليهِ وإنما الله تعالى هو وحدَه الْمُتَصَرِّفُ في قلب العبدِ كيفَ يشاء ، سبحانَه وتعالى ، من غيرِ أنْ تَتَغَيَّرَ مشيئةُ الله .

رَوَى الإمامُ مسلمٌ في[(صحيحه)/كتاب القَدَر]عن رسولِ الله أنه قال :" إنَّ قلوبَ بني ءادمَ كُلَّهَا بينَ إصْبَعَيْنِ من أصابعِ الرَّحْمٰنِ كَقَلْبٍ واحدٍ يُصَرِّفُهُ حيثُ يشاء " .. وقال :" اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ القلوبِ صَرِّفْ قلوبَنا على طاعتِك " .

ورَوَاهُ ابنُ ماجهْ في[(سننه)/كتاب الْمُقَدِّمَة]بلفظ :" ما من قلبٍ إلا بينَ إصْبَعَيْنِ منْ أصابعِ الرَّحْمٰنِ ، إن شاء أقامَه وإن شاء أزاغَه " . وكانَ كثيرًا ما يقول :" يا مُثَبِّتَ القلوبِ ثَبِّتْ قُلُوبَنَا على دينك " . ومعنى الحديثِ أنَّ اللهَ الذي ليسَ كَمِثْلهِ شيءٌ هو وحدَه الذي له سلطانٌ على قلوبنا . يخلقُ الله الإيمانَ في قلوب مَنْ شاء اللهُ في الأزل لهم الإيمانَ ، ويخلقُ الله الكُفْرَ في قلوب مَنْ شاء اللهُ في الأزل لهمُ الكُفْرَ . ولذلكَ فإنَّ الْمُسْلِمِينَ المؤمنينَ الرَّاسِخِينَ في العِلْمِ يقولون (( رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بعد إذْ هَدَيْتَنَا ))[ءال عِمْران/3].

وبعضُ الجهَّال يفسِّرون الحديثَ على حَسَبِ ما تُمْلِيهِ عليهِم أهواؤُهم ، فيظنُّون أنَّ لله تعالى أصابعَ مُحْدَثَةً كأصابعِ الإنسانِ فيَكْفُرُونَ لوقوعِهم في التشبيهِ والتجسيم . فالله سبحانَه ليسَ كَمِثْلهِ شيءٌ وهو مُنَزَّهٌ عنِ الأجسامِ والْمُحْدَثَاتِ . ومن المعروفِ أنَّ الأصابعَ تكونُ أعضاءً مُرَكَّبَةً من لحمٍ وعظمٍ وأعصابٍ وتشتملُ على الأناملِ والأظفارِ ، وهي نابتةٌ في الكَفِّ ، مخلوقةٌ مُحْدَثَةٌ قابلةٌ للفَناء . والله سبحانَه مُنَزَّهٌ عنِ التركيبِ والجوارح . فلا يجوزُ فَهْمُ الحديثِ على هذا المعنى ، بل يجبُ تأويلُه ، أي إخراجُه عن ظاهرِه ، لنَسْلَمَ من الانزلاقِ في التشبيهِ والتجسيم .

--------------------------------------------

12)ورَوَى التِّرْمِذِيُّ في[(سننه)/كتاب الزَّكاة عن رسول الله]والإمامُ مسلمٌ في[(صحيحه)/كتاب الزَّكاة]واللَّفْظُ له أنَّ رسولَ الله ، صلَّى الله عليه وسلَّم ، قال :" ما تَصَدَّقَ أَحَدٌ بصَدَقَةٍ مِن طَيِّبٍ ، ولا يَقْبَلُ اللهُ إلا الطَّيِّبَ ، إلا أخذها الرَّحْمٰنُ بيمينهِ وإنْ كانتْ تمرةً فتَرْبُو في كَفِّ الرَّحْمٰنِ حتَّى تكونَ أعظمَ من الجبلِ كما يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ أو فَصِيلَهُ " ..

والفَلُوُّ الْمُهْرُ إذا فُصِلَ وعُزِلَ عن أُمِّهِ .. والفصيلُ وَلَدُ النَّاقةِ إذا فُصِلَ من إرضاعِ أمِّه .. والمرادُ أنَّ الله يَقْبَلُ الصَّدَقَةَ ويُعْظِمُ أجرَها ..

*وفي (مختار الصِّحاح) ما نصُّه :" قولُ الله تعالى (( وما قَدَرُوا اللهَ حقَّ قَدْرِه )) معناه : ما عَظَّمُوا اللهَ حَقَّ تعظيمه "ا.هـ..

*يقولُ الله تعالى في سورة الزُّمَر (( وما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ والأرضُ جميعًا قَبْضَتُهُ يومَ القيامةِ والسَّمٰواتُ مَطْوِيَّاتٌ بيمينه ، سبحانَه وتعالى عمَّا يشركون )) . وليس معنى الآيةِ أنَّ لله تعالى عضوًا أو يدًا جارحةً . وذلك لأنَّ الله تعالى ليس كَمِثْلهِ شيء . فإمَّا أنْ يقالَ في شرح الآيةِ إنَّ السَّماواتِ تَفْنَى وتُبَدَّلُ بيمينِ الله على ما يليقُ بالله تعالى لا بمعنى الظَّاهِر . وإمَّا أن يقالَ إنَّ السَّماواتِ تَفْنَى وتُبَدَّلُ بيمينِ الله أي بقدرته .. فالسَّماواتُ يومَ القيامةِ تتكسَّر ويصيرُ فيها فُتُحَاتٌ .. السَّماواتُ ، اليومَ ، ليس فيها فُتُحَاتٌ ، بل فيها أبواب .. لكنْ يومَ القيامةِ تصيرُ مُتَشَقِّقَةً والملائكةُ على أطرافِها ثمَّ تُلَفُّ . وهذا الطَّيُّ الواردُ في الآيةِ هو الإفناء .. يقولُ الله تعالى في سورةِ الأنبياء (( يومَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ للكتب )) .. والسِّجِلُّ هو الصَّكُّ ..

*السَّماوات السَّبْعُ يومَ القيامةِ تَتَشَقَّقُ ويَتَغَيَّرُ لونُها وتَتَغَيَّرُ هيئتُها ثمَّ تُرْمَى في الجَنَّة ..

-----------------------------------------------

13)قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم :" إنَّ الله يَغَارُ . وغَيْرَةُ الله أَنْ يَأْتِيَ الْمُؤْمِنُ ما حَرَّمَ الله " .. رَوَاهُ البخاريُّ في (صحيحه) ..

ورَوَاهُ مسلمٌ بلفظ :" إنَّ الله يَغَارُ وإنَّ الْمُؤْمِنَ يَغَارُ وغَيْرَةُ الله أَنْ يَأْتِيَ الْمُؤْمِنُ ما حَرَّمَ الله " .

معناه : إنَّ الله لا يحبُّ المعصيةَ . لا يحبُّ من عبده أن يَعْصِيَهُ . واعلموا أنَّ الله لا يُوصَفُ بصفةٍ لا تَلِيقُ به . فلا يُوصَفُ بالانفعالِ والتَّأَثُّرِ لأنَّ الانفعالَ والتَّأَثُّرَ من صفاتِ الخَلْقِ ..

وفي روايةٍ عند البُخَارِيِّ ومسلمٍ والتِّرْمِذِيِّ :" لا أَحَدَ أَغْيَرُ من الله . ولذلكَ حَرَّمَ الفواحشَ ما ظَهَرَ منها وما بَطَنَ " .. معناه : ما أَحَدٌ أكثرَ زَجْرًا عن الفواحشِ من الله ..

-----------------------------------------

14)السُّرُورُ والفَرَحُ اللَّذَانِ يَقَعَانِ للإنسانِ سَبَبُهُمَا انبساطُ النَّفْسِ من بعضِ الأمور . وهذه الأعراضُ عنِ الله تعالى مَنْفِيَّةٌ . وأمَّا حديثُ رسولِ الله صلَّى الله عليهِ وسلَّم :" الله أَفْرَحُ بتوبةِ عبدِه مِنْ أَحَدِكُمْ سَقَطَ على بعيرِه وقد أَضَلَّهُ في أرضِ فَلاة " فقد قال أبو سليمانَ الخَطَّابِيُّ :" معناهُ أَرْضَى بالتَّوْبَةِ وأَقْبَلُ لَهَا . والفَرَحُ الذي يتعارفُه النَّاسُ مِنْ نُعُوتِ بني ءادَمَ غيرُ جائزٍ على الله عَزَّ وجَلَّ " .. والحديثُ المذكورُ رواهُ البُخَارِيُّ في[(صحيحه)/كتاب الدَّعَوَات/باب التوبة]..

----------------------------------------------

15)الْمَلَلُ الذي يَطْرَأُ على الإنسانِ أثناءَ القِيَامِ بعَمَلٍ ما إنما هو من علاماتِ ضَعْفهِ ، وهو لا يجوزُ في حَقِّ الله تعالى . وأمَّا قولُ رسولِ الله صلَّى الله عليهِ وسلَّم :" خُذُوا من العملِ ما تُطِيقُونَ فإنَّ الله لا يَمَلُّ حتَّى تَمَلُّوا " فقد قال أبو سليمانَ الْخَطَّابِيُّ :" الْمَلالُ ـ أي الذي هو حالةٌ نفسانيَّة تعتري النَّاس ـ لا يجوزُ على الله سبحانَه وتعالى بحالٍ ، ولا يَدْخُلُ في صِفَاتهِ بوَجْهٍ ، وإنما معناهُ أنهُ لا يتركُ الثَّوابَ والجزاءَ على العَمَلِ ما لم تتركوهُ . وذلكَ أنَّ مَنْ مَلَّ شيئًا تَرَكَهُ ، فكَنَّى عنِ التَّرْكِ بالْمَلالِ الذي هو سَبَبُ التَّرْكِ " .. والحديثُ المذكورُ رواهُ البُخَارِيُّ في[(صحيحهِ)/كتاب الصَّوم/باب صَوْمِ شعبان]..

---------------------------------------

16)رَوَى البَيْهَقِيُّ في كتابهِ[(الأسماء والصِّفات)/ص478]عن رسول الله ، صلَّى الله عليه وسلَّم ، أنه قال :" لا يَتَوَضَّأُ أَحَدُكُمْ فيُحْسِنُ وُضُوءَهُ ويُسْبِغُهُ ثمَّ يأتي المسجدَ لا يريدُ إلَّا الصَّلاةَ فيه إلا تَبَشْبَشَ اللهُ بهِ كما يَتَبَشْبَشُ أهلُ الغائب بطَلْعَتهِ " .

ثمَّ نَقَلَ البَيْهَقِيُّ عن أبي الْحَسَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ تأويلَه لقولِ رسول الله :" تَبَشْبَشَ اللهُ " بـ[[رَضِيَ الله]]، ثمَّ قال البَيْهَقِيُّ :" ولِلْعَرَبِ استعاراتٌ في الكلام . أَلَا تَرَى إلى قولهِ تعالى في سورة النحل (( فأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ والْخَوْفِ )) بمعنى الاختبارِ ، وإنْ كانَ أصلُ الذَّوْقِ بالفَمِ . والعَرَبُ تقولُ ناظِرْ فُلانًا وذُقْ ما عِندَه على معنى تَعَرَّفْ واختبرْ " .

ورواهُ أيضًا أبو داودَ الطَّيالِسِيُّ في[(مسندِه)/ص307]، وابنُ حِبَّانَ في (صحيحهِ) ، أنظرِ[(الإحسان بترتيب صحيحِ ابنِ حِبَّانَ)/ج3/ص67]..

راجع[(صريح البيان)/ط1/ص74]و[(المقالات السُّـنِّـيَّة)/ط4/ص185]لمولانا الهرريِّ

.

وعن أبي هُرَيْرَةَ أنَّ رَجُلًا أتى النبيَّ ، صلَّى الله عليهِ وسلَّم ، فبَعَثَ إلى نسائهِ فقُلْنَ ما مَعَنَا إلَّا الماءُ فقال رسولُ الله صلَّى الله عليهِ وسلَّم مَنْ يَضُمُّ أو يُضِيفُ هذا فقال رَجُلٌ مِنَ الأنصارِ أنا فانْطَلَقَ بهِ إلى امرأتهِ فقال أَكْرِمِي ضَيْفَ رسولِ الله فقالتْ ما عندَنا إلَّا قُوتُ صِبْيَاني فقال هَيِّئِي طَعَامَكِ وأَصْبِحِي سِرَاجَكِ ونَوِّمِي صِبْيَانَكِ إذا أرادوا عَشَاءً فهَيَّأَتْ طَعَامَهَا وأَصْبَحَتْ سِرَاجَهَا ونَوَّمَتْ صِبْيَانَهَا ثمَّ قَامَتْ كأنها تُصْلِحُ سِرَاجَهَا فأَطْفَأَتْهُ فجَعَلا يُرِيَانهِ أنهما يأكُلانِ فباتا طَاوِيَيْنِ فلَمَّا أصبحَ غَدَا إلى رسولِ الله صلَّى الله عليهِ وسلَّمَ فقال ضَحِكَ الله اللَّيْلَةَ أو عَجِبَ مِنْ فَعَالِكُمَا فأنزلَ الله (( ويُؤْثِرُونَ على أنفسِهم ولو كانَ بهِم خَصَاصَةٌ ومَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسهِ فأولئكَ هُمُ الْمُفْلِحُون ))[الحشر/9].. والضَّحِكُ الواردُ في الحديثِ واقعٌ بمعنى الرِّضَى وليسَ كَضَحِكِ البَشَرِ ، كما قال الحافظُ ابنُ حَجَرٍ في (الفتح) عند شرحهِ لهذا الحديث :" ونسبةُ الضَّحِكِ والتَّعَجُّبِ إلى الله مَجَازِيَّةٌ ، والْمُرادُ بهِما الرِّضَا بصَنيعِهِما " .. أنظر[(فتح الباري)/كتاب فضائل الصَّحابة]..

ويقولُ ابنُ حَجَرٍ في موضعٍ ءاخَرَ من كتابهِ :" وأَوَّلَ البُخَارِيُّ الضَّحِكَ الوَارِدَ في الحديثِ بالرَّحمة . نَقَلَ ذلكَ عنهُ الخَطَّابِيُّ وهو قريبٌ ، وتأويلُه على معنى الرِّضَا أَقْرَبُ " .. أنظر[(فتح الباري)/كتاب الجهاد والسِّيَر]..

.

ومِمَّا وَرَدَ عن تَعَجُّبِ الله تعالى ما رواهُ عبدُ الله بنُ مسعودٍ قال قال رسولُ الله صلَّى الله عليهِ وسلَّمَ عَجِبَ رَبُّنَا عَزَّ وجَلَّ من رَجُلٍ غَزَا في سبيلِ الله فانهزمَ يعني أصحابَه فعَلِمَ ما عليهِ فرَجَعَ حتَّى أُهَرِيقَ دَمُهُ فيقولُ اللهُ تعالى لملائكتهِ انْظُرُوا إلى عبدِي رَجَعَ رَغْبَةً فيما عندِي وشَفَقَةً مِمَّا عِنْدِي حتَّى أُهَرِيقَ دَمُهُ .. رواه أبو داودَ في[(سننه)/كتاب الجهاد/باب في الرَّجُلِ يَشْرِي نَفْسَه]..

-------------------------------------
 

17)قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم :" لا تَزَالُ جَهَنَّمُ تقولُ هلْ مِنْ مَزِيدٍ حتَّى يَضَعَ رَبُّ العِزَّةِ فيها قَدَمَهُ فتقولُ قَطْ قَطْ " .. هذه روايةُ البُخَارِيِّ ..

ورِوَايَةُ مسلم :" لا تزالُ جَهَنَّمُ يُلْقَى فيها وتقولُ هلْ مِنْ مَزِيدٍ حتَّى يَضَعَ رَبُّ العِزَّةِ فيها قَدَمَهُ فينزوي بعضُها إلى بعضٍ وتقولُ قَطْ قَطْ " ، أي اكْتَفَيْتُ اكْتَفَيْتُ ..

ولا يَصِحُّ حملُ القَدَمِ في الحديثِ على أنها صفةُ الله بلا كيفٍ لأنَّ صِفَةَ الله لا تفارقُ ذاتَه ولا تَلِجُ النَّارَ .. وإنما المرادُ بالقَدَمِ الفَوْجُ الأخيرُ من يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ الذي يُقَدَّمُ إلى جَهَنَّمَ حتَّى تمتلئَ بهم  .. لأنه قد ثَبَتَ في الأحاديثِ الصَّحِيحَةِ الواردةِ عن رسولِ الله ، صلَّى الله عليه وسلَّم ، أنَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ لا يموتُ أحدُهم حتَّى يَلِدَ ألفًا من صُلْبهِ أو أكثرَ ، فيصيرُ عددُهم قبلَ خروجِهم كبيرًا جدًّا ، حتَّى إنَّ البشَر ، يومَ القيامة ، بالنسبةِ إليهم من حيثُ العددُ كواحدٍ من مِائَةٍ وفي روايةٍ كواحدٍ من ألف ..

وعند البُخَارِيِّ وَرَدَ الحديثُ السَّابِقُ المذكورُ بلفظ :" فأمَّا النَّارُ فلا تمتلئُ حتَّى يَضَعَ رِجْلَهُ فتقولُ قَطْ قَطْ فهنالكَ تمتلئُ ويُزْوَى بعضُها إلى بعض " .. أنظر[(صحيح البُخَارِيِّ)/كتاب تفسير القرءان/باب قوله وتقولُ هل مِنْ مزيد]..

فقولُ رسول الله " رِجْلَهُ " يعني به الفَوْجَ الأخيرَ من يأجوجَ ومأجوجَ الذي يَدْخُلُ جَهَنَّمَ فتمتلئُ بهم  .. ومعروفٌ عند العَرَبِ أنهم كانوا يقولون :" غَزَانَا رِجْلٌ من جَرَادٍ " ، أيْ فَوْجٌ من جراد ..

------------------------------------------------

18)الوَجْهُ واليَدُ والعَيْنُ وَرَدَ في القرءانِ الكريمِ إضافتُها إلى الله تعالى . فإذا أَنْكَرَ أَحَدٌ ذلكَ فلا نُكَفِّرُهُ إلَّا إذا كان اطَّلَعَ في القرءانِ عليها ومَعَ ذلكَ أنكرَها فعندئذٍ نُكَفِّرُهُ ، أي إنْ أَنْكَرَ أصلَ الإضافةِ بعد أنِ اطَّلَعَ في القرءانِ على ذلك فهذا يُكَفَّرُ .

وكلمة[[العين]]تأتي بمعنى الحِفْظِ كما في قولهِ تعالى في سورة طه (( ولِتُصْنَعَ على عينِي )) ، أي على حِفْظِي ، وهو خطابٌ لموسى . وكما في قولهِ تعالى في سورة القَمَر إخبارًا عن سفينةِ نوح (( تجري بأعيننا جزاءً لِمَنْ كان كُفِر )) .. فقولُه تعالى (( جزاءً لمنْ كانَ كُفِر )) أي جعلنا ذلك ثوابًا وجزاءً لنوحٍ على صبرِه على أذى قومهِ ، وهو المكفورُ به .. . . فاللام في (( لِمَنْ )) لامُ المفعولِ له ، و(( كُفِرَ )) معناهُ جُحِدَ ، و(( مَنْ )) كناية عن نوحٍ عليه السلام .. و(( تجري بأعيننا )) أي أنَّ سفينةَ نوحٍ تجري بحِفْظِنا ..

أمَّا قولُ الله تعالى في سورة المائدة (( بل يداهُ مبسوطتانِ يُنْفِقُ كيف يشاء )) فمعناه أنَّ الله واسعُ الكَرَمِ غنيٌّ . وأمَّا قولُ الله تعالى في سورة الفتح (( يَدُ الله فوق أيديهم )) فمعناه : عَهْدُ الله فوقَ عهودِهم . أي ثَبَتَ عليهم عَهْدُ الله لأنَّ مُعَاهَدَتَهُمْ للرسولِ تحتَ شجرة الرِّضْوَانِ في الْحُدَيْبِـيَةِ على أنْ لا يَفِرُّوا معاهدةٌ لله تعالى لأنَّ الله هو الذي أَمَرَ نبيَّه بهذه المبايعة .

قال الرَّازي في (مختار الصِّحاح) ما نصُّه :" الْيَدُ : القُوَّةُ .. وأيَّدَهُ الله : قَوَّاهُ .. ومالي بزيدٍ يدانِ أي طاقة .. وقولُه تعالى في سورة التوبة (( حتى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عن يَدٍ )) معناهُ عن ذِلَّةٍ واستسلام . وقيل : معناه نَقْدًا لا نسيئة .. ولا أعرفُ أحدًا من أئمَّة اللُّغَةِ أو التفسيرِ ذَهَبَ إلى ما ذَهَبَ إليه الْجَوْهَرِيُّ مِنْ أنَّ كلمةَ أَيْدٍ المذكورة في قولهِ تعالى (( والسَّمَاءَ بنيناها بأيدٍ )) هي جمعُ يَدٍ ، بل هي مَصْدَرُ ءاد يئيدُ أَيْدًا إذا قَوِيَ . وإنما قولُه تعالى (( بأيدٍ )) أي بقوَّة "ا.هـ

ولعلَّ الجوهريَّ أخذ تفسيرَه للآية من قولهِ تعالى في سورة يس (( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لهم مِمَّا عَمِلَتْ أيدِينا أنعامًا فهُم لها مالِكُون )) .. ولا يَصِحُّ حَمْلُ (( أيدِينا )) في الآيةِ على القُوَّةِ لأنَّ اللُّغَةَ لا تقبلُ ذلك لأنَّ القُوَّةَ في حال الرَّفْعِ يقالُ لها الأَيْدُ ولا يقالُ لها الأَيْدِي وإنما الأَيْدِي في حال الرَّفْعِ جمعُ يَدٍ ليس غير ..

#قولُه تعالى في سورة ص (( واذْكُرْ عبدَنا داودَ ذا الأَيْدِ ، إنه أَوَّاب )) معناه : أُذْكُرْ يا مُحَمَّدُ عبدَنا داودَ (( ذا الأَيْدِ )) أيْ ذا القُوَّةِ في العبادةِ والعملِ الصَّالح .. والأَيْدُ القُوَّةُ كما قلنا .. وكان داودُ ، عليه السَّلام ، ذا قُوَّةٍ عاليةٍ في عبادةِ الله وطاعتهِ وعَمَلِ الصَّالحات ، كان أوَّابًا مطيعًا لله تعالى .

------------------------------------

19)ووَرَدَ في[(سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ)/كتاب الدَّعَوَاتِ عن رسولِ الله/باب في دعاء النبيِّ]ما نصُّه :" حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حدَّثنا ابنُ أبي عَدِيٍّ قال أنبأنا جعفرُ بنُ مَيْمُونٍ صاحبِ الأنماطِ عن أبي عثمانَ النَّهْدِيِّ عن سلمانَ الفارسيِّ عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال إنَّ الله حَيِيٌّ كريمٌ يستحْيي إذا رَفَعَ الرَّجُلُ إليهِ يَدَيْهِ أنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا خائبتَين ، قال أبو عيسى هذا حديثٌ حَسَنٌ غريبٌ ورَوَاهُ بعضُهم ولم يَرْفَعْهُ "ا.هـ..

وفي[(الشرح القويم)/ط6152]يقولُ مولانا الْهَرَرِيُّ ما نصُّه :" ومعنى الحديثِ أنَّ الله لا يُخَيِّبُ مَنْ رَفَعَ يَدَيْهِ إليهِ أي إلى جهةِ السَّماء مَهْبِطِ الرَّحمة داعِيًا رَبَّهُ مُتَضَرِّعًا ، فإمَّا أنْ يُعْطِيَهُ الثَّوَابَ وإمَّا أنْ يُعْطِيَهُ ما طَلَبَ "ا.هـ..

------------------------------------

20)وَرَدَ في[(سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ)/كتاب الأدب عن رسول الله/باب ما جاء في النَّظَافَةِ]ما نصُّه :" حدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حدَّثنا أبو عامرٍ العَقَدِيُّ حدَّثنا خالدُ بنُ إلياسَ عن صالحِ بنِ أبي حَسَّانَ قال سمعتُ سعيدَ بنَ الْمُسَيَّبِ يقول إنَّ الله طَيِّبٌ يُحِبُّ الطَّيِّبَ نظيفٌ يُحِبُّ النَّظَافَةَ كريمٌ يُحِبُّ الكَرَمَ جَوَادٌ يُحِبُّ الجُودَ فنَظِّفُوا أُرَاهُ قال أَفْنِيَتَكُمْ ولا تَشَبَّهُوا باليهود . قال فذَكَرْتُ ذلكَ لِمُهَاجِرِ بْنِ مِسْمَارٍ فقال حَدَّثَنيهِ عامرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أبي وَقَّاصٍ عن أبيهِ عنِ النبيِّ صلَّى الله عليهِ وسلَّم مِثْلَهُ إلَّا أنه قال نَظِّفُوا أَفْنِيَتَكُمْ . قال أبو عيسى هذا حديثٌ غريبٌ وخالدُ بنُ إلياسَ يُضَعَّفُ ويقالُ ابنُ إيَاسٍ "ا.هـ..

.

وفي[(الشرح القويم)/ط679]يقولُ مولانا الْهَرَرِيُّ ما نصُّه :" وأمَّا الحديثُ الذي رواه التِّرْمِذِيُّ وهو :" إنَّ الله نظيفٌ يُحِبُّ النَّظَافَةَ " فمعناه مُنَزَّهٌ عن السُّوء والنَّقْصِ ، وقولُه :" يُحِبُّ النَّظَافَةَ " أي يُحِبُّ لعبادِه نظافةَ الخُلُقِ والعَمَلِ والثَّوْبِ والبَدَنِ "ا.هـ..

و" الطَّيِّبُ " كذلكَ ، إذا أُطْلِقَ على الله فهو من باب الوَصْفِ لا من باب التسميةِ ، وهو الْمُنَزَّهُ عن النَّقائص ، وهو بمعنى القُدُّوس .

----------------------------------

21)أخرجَ البَيْهَقِيُّ عن ابنِ عَبَّاسٍ أنَّ اليهودَ أَتَوْا إلى النبيِّ فقالوا :" يا محمَّد صِفْ لنا رَبَّكَ الذي تَعْـبُدُه " . فنَزَلَتْ (( قل هو الله أَحَد )) إلى ءاخِرِ السُّورَة . فقال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم :" هذه صِفَةُ ربِّي عَزَّ وَجَلَّ " ..

واحتجَّ بعضُ الْمُشَبِّهَةِ لإثباتِ الانفعال لله تعالى بما وَرَدَ في حديث الشَّفاعة من أنَّ ءادمَ ونوحًا وموسَى وعيسَى يقولونَ للنَّاسِ عند قصدِهم إياهُم ليشفعوا لهم :" إنَّ الله غَضِبَ اليوم غَضَبًا لم يَغْضَبْ قبلَه مِثْلَهُ ولا يَغْضَبُ بعدَه مِثْلَه " . ولم يدروا أنَّ معنَى الحديثِ أنه يَظْهَرُ في ذلكَ اليومِ مِنْ ءاثارِ غَضَبِ الله ما لم يسبقْ مِثْلُهُ ولا يأتي بعدَه مِثْلُهُ . وغَضَبُ الله ورِضَاهُ عِندَ أهلِ الحَقِّ ليسَا انفعالًا ، بل يقولونَ إنَّ غَضَبَهُ ورِضاهُ ليسَا كما يَغْضَبُ أحدُنا ويرضَى . والحديثُ المذكورُ رَوَاهُ البُخَارِيُّ ومسلم في (صَحِيحَيْهِمَا) .. فما وَرَدَ في حديثِ الشَّفاعة الذي رَوَاهُ مسلمٌ من أَنَّ ءادَمَ وغيرَه يقولونَ يومَ القيامة :" إنَّ الله قد غَضِبَ اليومَ غَضَبًا لم يَغْضَبْ قبلَه مِثْلَهُ ولا يَغْضَبُ بعدَه مِثْلَه " فهذا يُقْصَدُ به أَثَرُ الغَضَبِ وليسَ الغَضَبَ الذي هو صفةٌ ذاتيَّة لله .. وفي رواية :" إنَّ الله غَضِبَ غَضَبًا " ..

--------------------------------------------------

22)وَرَدَ في (سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ) ما نصُّه :" حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ مَنِيعٍ حَدَّثَنَا يزيدُ بنُ هارونَ أخبرَنا حَمَّادُ بنُ سَلَمَةَ عن يَعْلَى بنِ عطاءٍ عن وَكِيعِ بنِ حُدُسٍ عن عَمِّهِ أبي رَزِينٍ قال قلتُ يا رسولَ الله أينَ كانَ رَبُّنَا قبلَ أنْ يَخْلُقَ خَلْقَهُ قال كانَ في عَمَاءٍ ما تحتَه هواءٌ وما فوقَه هواءٌ وخَلَقَ عرشَه على الماء قال أحمدُ بنُ مَنِيعٍ قال يزيدُ بنُ هارونَ العَمَاءُ أي ليسَ مَعَهُ شيءٌ قال أبو عيسى هكذا رَوَى حَمَّادُ بنُ سَلَمَةَ وَكِيعُ بنُ حُدُسٍ ويقولُ شُعْبَةُ وأبو عَوَانَةَ وهُشَيْمٌ وَكِيعُ بنُ عُدُسٍ وهو أَصَحُّ وأبو رَزِينٍ اسْمُهُ لَقِيطُ بنُ عامرٍ قال وهذا حديثٌ حَسَنٌ "ا.هـ.. أنظر[(سُنَنَ التِّرْمِذِيِّ)/كتاب تفسيرِ القرءانِ عن رسولِ الله/باب ومِنْ سورة هود]..

هذا الحديثُ تَفَرَّدَ به يَعْلَى بنُ عطاءٍ عن وَكِيعِ بنِ عُدُسٍ ، وليس لوكيعٍ راوٍ غيرَ يَعْلَى ، والعَمَاءُ في اللُّغَةِ السَّحَابُ .. وهذا الحديثُ لا يُحْتَجُّ به في العقائد ، لأسباب ، منها أنَّ حَمَّادَ بنَ سَلَمَةَ لا تُقْبَلُ أخبارُه في الصِّفَاتِ البَتَّةَ ، وكذلك يُضَعَّفُ هذا الحديثُ بوَكِيعِ بنِ عُدُسٍ لأنه مجهولٌ غيرُ معروفٍ لم يَرْوِ عنهُ إلَّا يَعْلَى بنُ عطاء ..

------------------------------------------------

23)جاء في (سنن أبي داود) أنَّ رسولَ الله ، صلَّى الله عليه وسلَّم ، كانَ إذا خافَ قومًا قال :" اللَّهُمَّ إنَّا نجعلُك في نحورِهم ونعوذُ بكَ من شرورِهم " .. والنَّحْرُ في اللغةِ موضعُ القِلادَةِ من الصَّدْرِ ، والحديثُ لا يُحْمَلُ على ظاهرِه لاستحالةِ التَّحَيُّزِ على الله ..

------------------------------------------------

أنظر (متن العقيدة المرشدة) المعروفة بـ (عقيدة ابن عساكر) مع شيء من سيرة المؤلف

 

********************************************
والحمدُ لله رَبِّ العالَمين

بيان معنى حديث يَنْزِلُ ربُّنا ، تباركَ وتعالى ، كُلَّ ليلةٍ إلى السَّماء

بسم الله الرحمن الرحيم الحمدلله الذي نصر عبده بالحجج البينات وأيده بالمعجزات الظاهرات وأظهره على خصومه وقواه بالادلة الدامغات ,الحمدلله المو...