من معاصي البدن التجسس على عورات الناس
قال الله تعالى : {يا أيها الذين ءامنوا اجتنبوا كثيرًا من الظنِّ إنّ بعض الظنّ إثم ولا تجسّسوا ولا يغتب بعضكم بعضًا أيحبّ أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتًا فكرهتموه واتقوا الله إنّ الله توّاب رحيم} الحجرات/12 .
عباد الله، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزِنوا أنفسكم قبل أن توزنوا فإنه أهون عليكم في الحساب غدًا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم تزينوا للعرض الأكبر {يومئذٍ تُعرضون لا تخفى منكم خافية} الحاقّة/18 .
فاتقوا الله عباد الله .فبالله عليك يا رفيع القدر بالتقوى ...لا تبـع عِزّهـا بذلِّ المعاصـي
فمِمّا نهى الله تعالى ورسوله عنه التجسّس على عورات الناس أي التطلّع على عوراتهم والتتبع لها. قال تعالى: {ولا تجسّسوا} ويقول حبيبنا محمّد صلوات ربِّي وسلامه عليه: "لا تجسّسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانًا" .
فلا يبحث احدكم عن عيب أخيه ليطلع عليه إذا ستره الله. فمن الناس من يتجسّس على عورات الناس ، يبحث عن عيوب الناس وعوراتِهم ، يفتِّش عن مساوىء الناس ، يفتِّش عمّا لا يريد الناس الاطلاع عليه، يريد أن يعرف عنهم القبيح من القول أو الفعل فيسأل عنه الناس أو يبحث عنه بنفسه من دون سؤال . ولقد روى الحاكم في مستدركه أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: "من رأى عورةً فسترها كان كمن أحيا موؤدة في قبرها". والعورة ما يُعاب عليه ويُستحى منه أن يطّلع عليه الناس .
فهذا الحديث يخبرنا بأنّ من رأى عورةً أي لمسلمٍ فسترها أي لم يبُثّها بين الناس بل أخفاها فله أجر شبيه بأجر من أحيا موؤدةً أي أنقذ بنتًا مولودةً دفنت وهي حيّة كما كان جاهلية العرب يفعلون.
الرسول صلى الله عليه وسلم شبّه هذا الذي يرى عورةً لمسلمٍ فسترها بأجر هذا الإنسان الذي رأى موؤدةً فأنقذها قبل أن تموت.
وقد حصل في زمان سيِّدنا عمر رضي الله عنه قصة فيها دليل على مشروعيّة الستر على المسلم وهي "أن رجلاً جاء إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال له: يا أمير المؤمنين إني كنت وأدت بنتًا لي في الجاهليّة (أي قبل أن أُسلِم) ثم أخرجتها قبل أن تموت ثم أدركنا الإسلام فأسلمت ونحن أسلمنا ثم ارتكبت حدًا من حدود الله (أي زنت قبل أن تتزوّج) فأخذت شفرةً لتذبح نفسها (أي من عظم ما وقعت فيه من الفضيحة) فأدركناها وقد قطعت بعض أوداجها (أي بعض عروق العنق من الجانبين) فداويناها ثم تابت توبةً حسنة ثم خُطبت إلينا من قومٍ فأخبرتُ ببعض ما جرى لها حتى يقدموا على إتمام خطبتها أو يفسخوا ويتركوها (وهو على زعمه فعل ذلك لئلا يغشّهم وظنّ بنفسه أنه بذلك ينصحهم) فقال له سيِّدنا عمر رضي الله عنه أنت تبثُ ما ستره الله لئن أخبرتَ بذلك أحدًا لأجعلنّك نكالاً يتحدث به أهل الأمصار" .
معناه لئن عدت بعد هذا إلى إفشاء هذه العورة التي سبقت لابنتك وقد تابت توبةً نصوحًا فتحدثتَ بها لأجعلنك عبرةً للناس بعقوبة أنزلها بك يتحدّث بها أهل المدن.
فيؤخذ من هذه القصة إخوة الإيمان حكمان شرعيّان: أحدهما أنّ الإنسان بعد أن يتوب لا يجوز ذكره بالعار والعيب الذي سبق له، والآخر أنّ هذه البنت لو لم تكن تابت كان حقًا على أبيها إذا خطبت إليه أي جاء من يخطبها منه حقًا عليه أن يتكلم فيها وإن سكت هو وغيرُه مِمّن علم بالحادثة يكونون غاشين والعياذ بالله تعالى .
اللهمّ استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض يا ربّ العالمين
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق